أندي بيرنهام يتولى رئاسة الوزراء وسط معضلة اقتصادية: تحفيز النمو مقابل خفض الدين
يواجه رئيس الوزراء الجديد مهمة شاقة لإحياء اقتصاد بريطاني يعاني من تباطؤ مزمن، مع ضغوط لخفض تكاليف المعيشة وكبح الدين العام الذي تجاوز 95% من الناتج المحلي.
تولى أندي بيرنهام رئاسة الحكومة البريطانية وفي جعبته تحد اقتصادي أرهق سلفه: إنعاش اقتصاد يعاني من بطء النمو، وتخفيف أعباء المواطنين، مع الحفاظ على استدامة الدين العام.
يأتي ذلك فيما يسجل الاقتصاد البريطاني أدنى معدلات نمو منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
خلال أول 24 ساعة من ولايته، كشفت تحركات بيرنهام عن توازن دقيق بين تطلعات الناخبين ومتطلبات الأسواق المالية.
أثار تعيين وزير الدفاع السابق جون هيلي وزيراً للخزانة دهشة المراقبين، وفسره محللون كإشارة طمأنة للمستثمرين بأن الحكومة جادة في خفض الدين.
وأعلن الثلاثاء إلغاء ضريبة استهلاك الكهرباء المنزلية لستة أشهر اعتباراً من أكتوبر، مما يخفف على الأسرة المتوسطة حوالي 45 جنيهاً إسترلينياً (60 دولاراً) سنوياً، وفقاً لأسوشييتد برس.
وأكدت الحكومة أن تكلفة القرار ستُمول من خلال إلغاء خطة لإطلاق نظام الهوية الرقمية، في محاولة لتجنب مخاوف الأسواق من زيادة الإنفاق دون مصادر تمويل واضحة.
وقالت فيكتوريا سكولار، رئيسة الاستثمار في شركة «إنتراكتيف إنفستور»: «يواجه هيلي مهمة شاقة، فالحكومة لديها خطط طموحة لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة، لكنها تواجه أوضاعاً مالية عامة صعبة تجعل تنفيذ هذه الخطط مكلفاً».
تحديات مزمنة
ويواجه بيرنهام المشكلة نفسها التي واجهت جميع رؤساء الوزراء البريطانيين منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، إذ لم يتجاوز متوسط نمو الاقتصاد البريطاني 1.5 في المائة سنوياً منذ عام 2009، مقارنة مع نحو 3 في المائة في السنوات الخمس عشرة السابقة للأزمة.
وتلقى رئيس الوزراء دفعة إيجابية بعد تراجع معدل التضخم إلى 2.6 في المائة في يونيو (حزيران)، وهو أدنى مستوى في 15 شهراً، مقارنة مع 2.8 في المائة في مايو (أيار)، بدعم من انخفاض أسعار الغذاء والوقود.
لكن خبراء حذروا من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط في الضغط على أسعار الطاقة.

ضغوط الدين والإنفاق
وفي الوقت الذي يسعى فيه بيرنهام لتنشيط الاقتصاد، تظل قدرته على زيادة الإنفاق مقيدة بتعهداته بخفض الدين العام، الذي تجاوز 95 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب هيئة الرقابة على الموازنة البريطانية، بلغت مدفوعات فوائد الدين 111.2 مليار جنيه إسترليني (149 مليار دولار) خلال السنة المالية المنتهية في أبريل (نيسان)، أي ما يعادل 8.3 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي، وهو ما يقلص الموارد المتاحة لقطاعات مثل الصحة والتعليم والدفاع.
وفي الوقت نفسه، يواجه بيرنهام التزاماً جديداً برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، استجابة لضغوط أميركية لتعزيز مساهمة الحلفاء الأوروبيين في الدفاع. ويقدر معهد الدراسات المالية أن تنفيذ هذا الالتزام سيكلف نحو 36 مليار جنيه إسترليني سنوياً، أي ما يعادل نحو 500 جنيه إسترليني لكل فرد في المملكة المتحدة.
وقالت أوليفيا أوسوليفان، الباحثة في مركز «تشاتام هاوس»: «هذه القيود ذات طبيعة هيكلية، وكانت ستشكل تحدياً لأي رئيس وزراء في هذه المرحلة».
النمو... مفتاح الحل
ويرى اقتصاديون أن تحقيق نمو اقتصادي أقوى هو السبيل الوحيد لتمويل الإنفاق العام دون اللجوء إلى زيادات ضريبية أو خفض الإنفاق على الخدمات العامة، إذ يؤدي النمو إلى زيادة الإيرادات الضريبية تلقائياً عبر ارتفاع أرباح الشركات والأجور والنشاط الاقتصادي.
لكن بيرنهام لم يقدم حتى الآن تفاصيل كثيرة عن خطته الاقتصادية، مكتفياً بالتعهد بإعادة التصنيع من خلال توجيه الاستثمارات إلى المناطق خارج لندن التي تضررت من تراجع الصناعة، وزيادة بناء المساكن العامة لمعالجة أزمة الإسكان، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي توفر نحو 60 في المائة من وظائف القطاع الخاص.
وفي المقابل، تعهد بعدم زيادة الضرائب على العاملين، والحفاظ على نظام «القفل الثلاثي» للمعاشات التقاعدية، الذي يضمن زيادة المعاشات سنوياً وفق أعلى معدل بين التضخم أو نمو الأجور أو 2.5 في المائة، وهو أحد أكثر بنود الإنفاق الحكومي تكلفة.
وقال جيم أونيل، كبير الاقتصاديين السابق في «غولدمان ساكس» وعضو مجلس اللوردات البريطاني، إن رئيس الوزراء الجديد بحاجة إلى اتخاذ قرارات أكثر جرأة، مضيفاً: «يجب أن يتعامل بواقعية، وأن يقدم خطوات مختلفة وشجاعة لمعالجة قضايا مثل الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية ونظام المعاشات».
اقرأ أيضاً
ويبدو أن بيرنهام يواجه نفس العقبة التي واجهها كل رؤساء الوزراء منذ 2008، حيث بلغ متوسط النمو السنوي 1.5% فقط. ورغم الانخفاض الأخير للتضخم إلى 2.6%، يحذر خبراء من أن تحسنه قد يكون مؤقتاً بفعل توترات الشرق الأوسط. وتبقى قدرة الحكومة على الإنفاق محدودة بتعهدات خفض الدين، الذي تجاوز 95% من الناتج المحلي الإجمالي. وتترقب الأسواق خطوات هيلي لتحقيق التوازن بين الطموحات الاجتماعية والانضباط المالي.
المصدر الأصلي: aawsat.com
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.