بزنس زد .. سوق ولدت من رحم المعاناة فغيرت العالم

منذ قرون خلت، كان المزارعون يخشون انهيار الأسعار عند الحصاد، بينما كان التجار يقلقون من ارتفاعها قبل وصول المحصول.

وقد شكّلت هذه المعضلة حافزًا لابتكار أداة مالية غيرت مسار التجارة عبر العصور.

معضلة تواجه الطرفين من زاويتين مختلفتين، فكيف تم حلها؟

جاء الحل بسيطًا للغاية: "نتفق على السعر اليوم ونسلّم السلعة لاحقًا". هذا الاتفاق الصغير غيّر تاريخ التجارة ثم غير شكل الأسواق المالية.

انطلقت الفكرة من السلع الزراعية، ثم تطورت إلى أسواق منظمة في اليابان، ثم ازدهرت لاحقًا في شيكاغو مع توسع التجارة العالمية.

وبعد ذلك، لم تعد أسواق العقود الآجلة تقتصر على الأرز أو القمح، بل امتدت إلى الذهب والفضة والنفط، ثم إلى العملات وأسعار الفائدة وحتى مؤشرات الأسهم.

لكن كيف يعمل هذا السوق؟ ولماذا يفضله الجميع؟

اليوم، تُتداول هذه العقود في بورصات إلكترونية تربط المتداولين حول العالم على مدار 24 ساعة تقريبًا، وتُنفذ ملايين العقود بقيمة تتجاوز مئات المليارات من الدولارات يوميًا.

والأهم من ذلك، أصبحت أسعارها المرجع الذي تستند إليه الحكومات والشركات والبنوك ووسائل الإعلام عند الحديث عن أسعار النفط أو الذهب أو الفضة.

النشأة والتطور

- تعريف العقد الآجل: اتفاقية موحدة تُتداول في البورصة لشراء أو بيع كمية محددة من سلعة ما (النفط، الذهب، إلخ) بسعر ثابت في تاريخ لاحق.

- سبب إنشائها: نشأت لتمكين المنتجين (المزارعين، عمال المناجم) والمستهلكين (أصحاب المطاحن، تجار المجوهرات) من التحوط ضد مخاطر تقلبات الأسعار.

- الأمثلة المبكرة: بورصة "دوجيما" للأرز (أوساكا عام 1697)، وهي أول بورصة للعقود الآجلة، ومجلس شيكاغو التجاري (1848) لتداول الحبوب الأمريكية.

- مع مرور الوقت، أُضيفت العقود الآجلة للمعادن (مثل الذهب والفضة) والعقود الآجلة للنفط (خام غرب تكساس الوسيط عام 1983، وخام برنت عام 1988) مع عولمة السلع.

- أصبحت العقود الآجلة ضرورية لأنها تجمع العرض والطلب العالميين، مما يوفر إشارة سعرية مستمرة لكل من منتجي السلع ومستهلكيها.

دليل فهم العقود الآجلة للسلع

وجه المقارنة

النفط

(برنت)

النفط

(نايمكس)

الذهب

الفضة

البورصة

بورصة إنتركونتيننتال للعقود الآجلة الأوروبية (ICE) هي السوق المرجعية

وتوفر (CME) عقود برنت المالية التي تعتمد على سعر (ICE)

بورصة نيويورك التجارية التابعة لبورصة شيكاغو التجارية (NYMEX /CME)

"كومكس" التابعة لبورصة شيكاغو التجارية

(COMEX/CME)

"كومكس" التابعة لبورصة شيكاغو التجارية

(COMEX/CME)

المدينة

لندن

نيويورك

شيكاغو

شيكاغو

حجم العقد

1000 برميل

1000 برميل

100 أوقية من الذهب

(نقاء 99.5%)

5000 أوقية من الفضة

(نقاء 99.9%)

العملة

دولار/ برميل

دولار/ برميل

دولار/ أوقية

دولار/ أوقية

قيمة التغير السعري

سنت للبرميل

(10 دولارات للعقد)

سنت للبرميل

(10 دولارات للعقد)

10 سنتات للأوقية

(10 دولارات للعقد)

نصف سنت للأوقية

(25 دولارًا للعقد)

أشهر التداول المدرجة

تغطي سنوات عديدة مقبلة

تصل إلى أكثر من 10 سنوات في عقود النفط

الرمز

في بورصة شيكاغو التجارية (CME) يتكون رمز العقد من: رمز السلعة + رمز شهر التسليم + الرقم الأخير من سنة الاستحقاق

رمز العقد

BZ

CL

GC

SI

رمز الشهر

(F-G-H-J-K-M-N-Q-U-V-X-Z)

حيث: (F= يناير وZ= ديسمبر)

مثال

(العقد الأكثر نشاطًا وفقًا لـ CME)

BZU6

(تسليم سبتمبر 2026)

CLQ6

(تسليم أغسطس)

GCQ6

(تسليم أغسطس)

SIU6

(تسليم سبتمبر)

ساعات التداول

23 ساعة يوميًا من مساء الأحد إلى مساء الجمعة

التسوية

تسليم فعلي لعقود ICE عقود CME الخاصة ببرنت تُسوى نقدًا

تسليم فعلي

تسليم فعلي

تسليم فعلي

موقع التسليم

في نقاط محددة في

بحر الشمال

مركز كوشينغ، أوكلاهوما

مستودعات مخصصة (مثل سولت ليك سيتي، نيويورك)

مستودعات معتمدة من "كومكس"

الوضع المرجعي

معيار عالمي للنفط الخام الخفيف الحلو (يستند تسعير حوالي 78% من تجارة النفط العالمية إلى سعره ببورصة ICE)

معيار عالمي للخام

الأمريكي الخفيف

معيار عالمي لسعر

الذهب

معيار عالمي لتسعير الفضة

كيف تعمل السوق؟

- فتح مركز: للدخول في صفقة، يودع المتداول هامشًا لدى الوسيط، ويلتزم باستلام السلعة عند تاريخ انتهاء العقد؛ فيما يلتزم صاحب مركز البيع بتسليم السلعة.

- الهامش والرافعة المالية: نظرًا لأن المطلوب هو إيداع هامش فقط (عادةً ما بين 3% و15% من قيمة العقد)، فإن العقود الآجلة تتميز برافعة مالية عالية = قيمة العقد / الهامش.

- على سبيل المثال، تبلغ القيمة الاسمية لعقد آجل واحد من خام غرب تكساس الوسيط (بسعر 70 دولارًا للبرميل) 70 ألف دولار، فإذا كان الهامش الأولي 7 آلاف دولار، فإن الرافعة المالية هي 10:1.

- هامش التغير: تُسوى الأرباح والخسائر يوميًا فيما يُعرف بهامش التغير، حيث يُضاف الربح إلى الحساب أو تُخصم الخسارة منه. وإذا انخفض الرصيد عن هامش الصيانة، يطلب الوسيط إيداع أموال إضافية (Margin Call).

- قبل تاريخ انتهاء الصلاحية، عادة ما يغلق المتداولون مراكزهم بصفقة معاكسة (بيع إذا كانوا قد اشتروا، أو شراء إذا كانوا قد باعوا)، ونسبة ضئيلة فقط (1-5%) من العقود يُحتفظ بها حتى التسليم.

- إذا احتفظ المتداول بالعقد حتى تاريخ انتهاء الصلاحية، فسيتم تسويته إما بالتسليم (للعقود التي تُسوى فعليًا) أو بالتسوية النقدية (للعقود التي تُسوى نقدًا، مثل عقود برنت الآجلة المالية).

لنفهم أكثر

- لنفترض أن متداولًا اشترى عقدًا آجلًا واحدًا من خام غرب تكساس الوسيط بسعر 70 دولارًا، ثم باعه لاحقًا بسعر 75 دولارًا قبل تاريخ انتهاء الصلاحية.

- الربح = (75 دولارًا - 70 دولارًا) × 1000 = 5000 دولار. في المقابل، ستخسر صفقة البيع في نفس المثال المبلغ ذاته.

- أما بالنسبة للهامش الأولي، فإذا كان 5% وكانت القيمة الاسمية لعقد خام غرب تكساس الوسيط الآجلة 70 ألف دولار، فإن الهامش يساوي تقريبًا 3500 دولار.

- في هذا المثال، إذا انخفض السعر بنسبة 10% (خسارة قدرها 7 آلاف دولار)، فسيؤدي ذلك نظريًا إلى استنزاف رأس المال، لكن عمليًا، سيُصدر الوسيط طلبًا لتغطية الهامش قبل ذلك بكثير.

- التجديد: يمكن للمتداولين تجديد مراكزهم عن طريق إغلاق العقد القريب وفتح عقد آخر بتاريخ لاحق للحفاظ على انكشافهم بعد تاريخ انتهاء الصلاحية، ويترتب على ذلك تكاليف معاملات، لكنه يجنبهم التسليم الفعلي.

كيف تتم عملية التداول؟

- تُتداول العقود الآجلة للسلع في ثلاث جلسات عالمية رئيسية متداخلة.

- الجلسة الآسيوية (طوكيو/سنغافورة): من الساعة 11:00 مساءً إلى 07:00 صباحًا بتوقيت جرينتش. وتكون السيولة في أدنى مستوياتها خلال هذه الجلسة.

- عادة يميل التقلب وحجم التداول إلى الانخفاض خلالها، لكن تأثيرها آخذ في الازدياد، حيث ارتفعت حصة الجلسة الآسيوية من حجم تداول عقود السلع الأساسية من 10% عام 2012 إلى 17% عام 2022، وفقًا لـ "سي إم إي".

- الجلسة الأوروبية: من الساعة 07:00 صباحًا إلى 03:00 مساءً بتوقيت جرينتش. يرتفع مستوى السيولة مع افتتاح أسواق لندن، حيث تنشط البنوك الأوروبية وشركات السلع الأساسية ومتداولو "أوبك".

- تشهد المعادن النفيسة (الذهب والفضة) عادةً ارتفاعًا في حجم التداول خلال ساعات النهار في لندن (نتيجة لعمليات المراجحة)، وقد تؤدي الأخبار الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية إلى زيادة النشاط.

- جلسة التداول الأمريكية (افتتاح بورصة نيويورك): من الساعة 01:00 مساءً إلى 09:00 مساءً بتوقيت جرينتش، ويبلغ حجم التداول العالمي والتقلبات الذروة خلالها.

- يسيطر المنتجون والمصافي والصناديق والمضاربون من أمريكا الشمالية على السوق، وتصدر التقارير الاقتصادية الرئيسية خلال ساعات التداول الأمريكية، ما يزيد من حدة التقلبات.

- قد تؤدي فترات التداول المتباينة (العطلات، تغيير التوقيت الصيفي) إلى تشويه هذه الأنماط.

قلب الأسواق النابض

- تشير البورصات إلى أن تحديد الأسعار يتم من خلال التفاعل المستمر بين السوق الفورية والعقود الآجلة، وتؤدي العقود الآجلة عالية السيولة دورًا محوريًا في نشر الإشارات السعرية وجعلها مرجعًا عالميًا.

- المؤسسات ووسائل الإعلام: تتداول الصناديق والبنوك الكبيرة هذه العقود الآجلة باستمرار، وتستند إليها شاشات الأسعار ووسائل الإعلام المالية بدلاً من سعر شحنة فورية محددة.

- العقود الآجلة مقابل الشحنات الفعلية: يُباع النفط الخام بدرجات ونقاط تسليم متنوعة، ولا يوجد "سعر فوري عالمي" موحد للنفط إلا من خلال المؤشرات المرجعية، وتوفر العقود الآجلة هذا المرجع المشترك.

- آلية المراجحة: عندما يتجاوز الفرق بين أسعار العقود الآجلة والأسعار الفورية تكلفة التخزين والتمويل، يتدخل المضاربون.

- فإذا تداولت العقود الآجلة بسعر أعلى من السعر الفوري (حالة كونتانجو)، يمكن للمتداولين شراء النفط في السوق الفورية وتخزينه وبيع العقود الآجلة لتحقيق الربح.

- إذا كان السعر أقل من السوق الفورية (باكورديشن)، فقد يبيع المتداولون السلعة في السوق الفورية ويشترون العقود الآجلة للاستفادة من فرق السعر. تساهم هذه المراجحة في تقريب أسعار السوقين بمرور الوقت.

- باختصار، يعتبر معظم المشاركين في السوق ووسائل الإعلام أسعار العقود الآجلة بمثابة "سعر السوق" لأنها الأكثر وضوحًا. ومع مرور الوقت، تتوافق أسواق السلع الفورية مع معيار العقود الآجلة من خلال المراجحة.

- بدأت أسواق العقود الآجلة كحل لمشكلة بين مزارع وتاجر، لكنها أصبحت اليوم البوصلة التي يهتدي بها الاقتصاد العالمي، وبين الماضي والحاضر، يظل الهدف هو إدارة المخاطر واكتشاف السعر العادل.

المصادر: أرقام- هيئة تداول العقود الآجلة للسلع في أمريكا- بورصة شيكاغو التجارية- بورصة إنتركونتيننتال- إدارة معلومات الطاقة- بورصة طوكيو- آي جي جروب

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

أسواق العقود الآجلة أصبحت اليوم ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي، حيث تمكن المنتجين والمستهلكين من إدارة المخاطر. كما أن تسعير النفط والذهب يعتمد بشكل كبير على هذه العقود، مما يجعلها مؤشرًا حيويًا للأسواق المالية.