شطرنج الأسهم .. كيف يحسب المتداول نقلاته بدقةٍ؟
لا يبدأ لاعب الشطرنج العالمي حساباته من نقطة الصفر مع كل نقلة يقوم بها خصمه على الرقعة؛ فهو لا يعيد دراسة خطته بالكامل أو يتجاهل الافتتاحية والمناورات السابقة، بل يتعامل مع النقلة الجديدة بوصفها "تطورًا مستجدًا" يُحدِّث به رؤيته الشاملة للمباراة، ولا يغيرها كليًّا. وبنفس هذه العقلية التي تعمل على "تحديث الصورة" بدلًا من تغييرها، يتأسس منطق "التحليل البايزي" (Bayesian Analysis) في سوق الأسهم؛ حيث يرفض هذا النموذج فكرة الجمود أو معالجة الأحداث بمعزل عن سياقها أو الصورة الكلية. تقاطع القديم والجديد…
شطرنج الأسهم .. كيف يحسب المتداول نقلاته بدقةٍ؟
على غرار لاعب الشطرنج العالمي الذي لا يبدأ حساباته من الصفر مع كل نقلة، بل يتعامل معها باعتبارها 'تطورًا مستجدًا' يُحدِّث رؤيته الشاملة دون تغييرها كليًا، ينطلق المستثمر الذكي من نفس المبدأ في أسواق المال.
يعتمد التحليل البايزي على مبدأ تحديث المعتقدات السابقة ببيانات جديدة، وهو أسلوب إحصائي يُستخدم على نطاق واسع في الأسواق المالية لتحسين دقة التوقعات.
وبنفس هذه العقلية المبنية على 'تحديث الصورة' بدلاً من تغييرها كليًا، يُؤسَّس منطق 'التحليل البايزي' في سوق الأسهم، حيث يرفض هذا النموذج الجمود أو معالجة الأحداث بمعزل عن السياق العام.
تقاطع القديم والجديد
تعتمد الفكرة الأساسية هنا على مبدأ "تواتر وتكامل البيانات"، مما يعني أن المستثمر لا يحتاج إلى بناء فرضيته من العدم مع كل معلومة تظهر حول سهم ما، بل يرتكز على خلفيته المعلوماتية السابقة ويقوم بتحديثها لينتج قراءة مالية أحدث، قد تدفعه إلى التحرك في السوق بيعًا أو شراءً، أو قد يتخذ قرارًا بالبقاء كما هو، خارج السوق أو داخله.
ويتجلى هذا المفهوم بوضوح عند متابعة 'تقارير نتائج الأعمال الفصلية' للشركات؛ فإذا كانت التوقعات السابقة تشير إلى أن احتمالية صعود سهم ما تبلغ 50%، ثم فاجأت الشركة بإعلان أرباح تشغيلية ضخمة 'فوق المتوقع'، فإن التحليل البايزي يدمج هذا التطور ليرفع احتمالية الصعود إلى 70% مثلاً.
وفي المقابل، إذا جاءت النتائج مخيبة للآمال و"دون المتوقع"، فإن المعادلة تنعكس تلقائيًّا لتنخفض احتمالية الصعود كثيرًا، مما يفرض على المستثمر تقليص وزنه النسبي في السهم فورًا لإدارة المخاطر (في حالة الاستثمار قصير المدى).
ويقوم جوهر التحليل البايزي على إعادة ترتيب المعلومات بناءً على تقاطع الأرقام القديمة بالجديدة، وله معادلة بسيطة:
(الاحتمال الجديد) = [(احتمال حدوث الدليل الجديد في حالة صعود السهم) × (الاحتمال القديم لصعود السهم)] ÷ (الاحتمال العام لحدوث هذا الدليل الجديد في السوق).
ولنفترض أن المستثمر يدير محفظة أسهم نمو، ويمتلك مركزًا ماليًّا في شركة تكنولوجية واعدة، وكانت تقديراته السابقة تشير إلى أن احتمال صعود السهم بنسبة 20% يعادل 50%.
ولاحقًا أعلنت الشركة عن عقود تشغيلية وأرباح تفوق التوقعات (وهذا هو الدليل الجديد الذي يدخل في التحليل البايزي). وبناءً على مراجعة تداول هذا السهم تاريخيًّا، يتضح أن ظهور أرباح فوق المتوقع تاريخيًّا يرفع نسبة صعود السهم لتصبح 80% في الفترة التالية لتسجيل تلك الأرباح أو التدفقات النقدية.
وإذا كان الاحتمال العام لظهور أرباح فوق المتوقع للشركة، في أي ظرف عادي، يعادل 55%، فبتطبيق المعادلة يصبح الاحتمال المحدث للصعود = (0.80 × 0.50) ÷ 0.55 = 72.7%.

ومع زيادة احتمال ارتفاع سعر السهم من 50% إلى 72.7%، قد يمنح هذا المستثمر المزيد من الثقة لضخ سيولة إضافية ومضاعفة الوزن النسبي للسهم في محفظته، بناءً على تحديث الصورة العامة وفقًا لمنهج التحليل البايزي.
تحديثات مفصلية وأخرى هامشية
ومثلًا، عند تحليل قطاع مثل شركات الذكاء الاصطناعي، فإنه يجب تحديث ثلاثة عوامل باستمرار بهذه الطريقة لضمان حصول المستثمر على "صورة محدثة" وحقيقية لاستثماراته، لا سيما مع التغير السريع في هذا القطاع.
والعوامل الثلاث هي حجم الإنفاق الرأسمالي، ومعدل نمو الإيرادات الفعلية، ويقيس العوائد التشغيلية الحقيقية المحققة من بيع برمجيات الحوسبة المتقدمة، ومعامل تدفق الكاش وحرق السيولة، ويعكس النسبة بين التكاليف التشغيلية الرأسمالية وبين التدفقات النقدية الحرة.
وبمجرد رصد هذه البيانات، يتم إدخالها في مصفوفة التحليل البايزي لتحديث الصورة العامة للقطاع بين حالتين متناقضتين تمامًا: الأولى إيجابية، والثانية سلبية.
فإذا كانت المتغيرات تتحرك في مسار مالي صحي ومستدام، وترافق التوسع الضخم في الإنفاق الرأسمالي مع ظهور بيانات متواترة تؤكد قفزة موازية وموثقة في الإيرادات ومبيعات الاشتراكات السحابية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بنسبة كبيرة، ولتكن 45%، بعدما كانت تنمو بنسب أقل، فإن هذا يدفع المستثمر إلى التمسك بأسهمه في هذا القطاع أو محاولة الحصول على بعضها إن كان خارج تلك الشركات.
في المقابل، قد تصدم البيانات الجديدة الأسواق بخلل حاد في الهيكل المالي (كما يحدث حاليًّا مع العديد من شركات الذكاء الاصطناعي)، حيث تستمر الشركات في إنفاق المليارات كإنفاق رأسمالي متوسع، بينما تأتي معدلات نمو الإيرادات الفعلية مخيبة للآمال و"شبه مسطحة" دون نمو حقيقي، بما يدعو إلى التخلص من تلك الأسهم.
صورة متقلبة وأخرى مستقرة
وعلى سبيل المثال، يُعد سهم شركة "جونسون آند جونسون" أحد الأسهم الدفاعية، في ظل معدلات نمو قليلة نسبيًّا، لكن مع توزيع أرباح مستقر، ومجال ذي تقلبات محدودة مقارنة بغيره.
ويبلغ معامل بيتا التاريخي للشركة (أي تقلب أسهمها مقابل تقلب السوق) 0.55 فقط، بينما يتحرك انحرافها المعياري السنوي في نطاق ضيق يقارب 12%، مع تدفقات نقدية حرة سنوية تتجاوز 18 مليار دولار.
لذا، فلا يتأثر السهم كثيرًا بالتحليل البايزي؛ إذ إنه، سواء في أوقات التقلبات أو الانتعاش، يبقى تأثير تغير الأرقام محدودًا على الصورة العامة للسهم، أي يبقى تأثير رقم منفرد على الصورة، بشكل حاد يبرر تحرك المستثمر في السوق، محدودًا.

في المقابل، تبرز شركة "إنفيديا" بوصفها إحدى أهم الشركات تأثرًا بطفرة الذكاء الاصطناعي، إن لم تكن أكثرها، ولذا يسجل سهم إنفيديا معامل بيتا مرتفعًا يتأرجح حول 1.75، في حين يقفز انحرافه المعياري السنوي إلى مستويات حادة تفوق 40%، وذلك رغم تمتعها بمعدل ديون مقبول، وتدفقات نقدية حرة قفزت لتتجاوز 26 مليار دولار بفضل طفرة الطلب.
وهنا يصبح التحليل البايزي حيويًّا للغاية؛ إذ لا يمكن تقييم هذا السهم بمعطيات قديمة، فكل تقرير ربع سنوي يتضمن تحديثًا لإرشادات الإيرادات المستقبلية يجب معاملته بوصفه مؤشرًا مهمًّا يجب التوقف عنده مباشرة، لتأثيره الواضح في مستقبل الشركة ككل، واحتمالات ازدهارها من عدمه، وليس فقط على المدى القصير.
ناجحون بالتحليل البايزي
ويقدم من يُعرف بـ"الأب الروحي للاستثمار الكمي"، "إدوارد ثورب"، دليلًا على نجاعة أسلوب التحليل البايزي عمليًّا؛ حيث نجح "ثورب"، الذي حقق صندوقه عوائد مرتفعة للغاية، دون تسجيل ربع سنوي واحد من الخسارة.
ويرى "ثورب" أنه يجب دومًا مراقبة التطور الجديد وتقييمه، ولكن دون إعادة دراسة جميع التفاصيل المتعلقة بالشركات في كل مرة، ولذلك يجب أن يكون المستثمر متنبهًا لنقاط قوة الشركة التي يستثمر فيها وضعفها، بحيث يكون "تحديث الصورة" أسهل، واتخاذ القرار أيسر.
وبناءً على هذا المنهج، حقق ثورب من استثماراته الشخصية متوسط عائد سنوي مركب يبلغ قرابة 20% على مدار أكثر من 28 عامًا متتالية من التداول، بينما حقق صندوقان استثماريان أنشأهما أرباحًا تراوحت بين 15.1% و18.2%.
وعلى أساس ما يقوله "ثورب"، مثلًا، فإن التدفقات النقدية يجب أن تكون العلامة الفارقة في تحديث صورة شركات الذكاء الاصطناعي، بينما التغير في الديون هو الأهم في وضع شركة مثل "بوينج" التي تعاني ديونًا كبيرة (بالإضافة إلى حساسية قطاع الطيران للعديد من المتغيرات بشكل عام).

أما في قطاعات مثل التأمين والبنوك، فإن أسعار الفائدة هي المتغير الأهم، فضلًا عن وضع الدورة الاقتصادية بشكل عام، فكافة العناصر تؤثر في منهج التحليل البايزي، ولكن مثل هذه المتغيرات قد تجعل المستثمر يغير قراره بين البيع والشراء والاحتفاظ.
وبلغ نجاح "ثورب" حدًّا تمكن معه من تحقيق أرباح صافية وإيجابية في 227 شهرًا من أصل 230 شهرًا تداول خلالها الأسهم، مما يثبت دقة نماذجه الإحصائية رياضيًّا وضآلة فترات التراجع.
وبنفس طريقة "ثورب"، يدير المستثمر الشهير "راي داليو" محفظة "بريدج ووتر" عبر منظومة قائمة على التحليل البايزي، حيث يعتمد داليو في استراتيجيته الشهيرة "محفظة كل الفصول" (All Weather Portfolio) على معالجة البيانات المتواترة، ويقوم بتغذية خوارزميات نظامه الداخلي بتتابع المؤشرات الاقتصادية اللحظية (التضخم، والفائدة، والنمو).
ومع كل نقطة بيانات جديدة تتقاطع مع الأرشيف التاريخي، تعيد المنظومة ضبط الأوزان النسبية للأسهم والسندات تلقائيًّا، بما يضمن استدامة رأس المال وتحقيق عوائد مستقرة تفوق متوسطات الأسواق في أوقات الأزمات الحادة.
وبالعودة إلى الشطرنج، فإنه خلال المباراة تكون كل نقلة مهمة ومؤثرة، ولكن تأثيرها النهائي في نتيجة المباراة متفاوت؛ لذا على المتداول أن ينتبه لكل نقلة (تغير) في السوق، ويمنحها وزنها النسبي، فبذلك يضمن الاستمرار في المباراة والربح فيها.
المصادر: أرقام - ياهو فاينانس - معهد المحللين الماليين المعتمدين - كتاب "A Man for All Markets" - فوربس - نيويورك تايمز
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
يوفر هذا المنهج إطارًا مرنًا للمستثمرين لتعديل توقعاتهم باستمرار وفقًا للمعلومات الجديدة. ويساعد في تجنب ردود الفعل المفرطة تجاه الأخبار المفاجئة. كما يعزز إدارة المخاطر من خلال دمج كافة البيانات المتاحة في قرارات الاستثمار.
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.