خارج الصندوق

شركات تكافئ سنوات العطاء بخطاب استغناء

عند أول مؤشر على تراجع الأداء أو حتى مجرد الرغبة في تحسين النتائج المالية، تلجأ بعض الشركات إلى تسريح الموظفين كأسرع حل. ليس لأن الموظف هو مصدر المشكلة، ولا لأنه ارتكب خطأ، ولا لأنه قاد توسعًا غير محسوب. بل لأنه الحلقة الأضعف. لذلك تبدأ الإجراءات بمراجعة الرواتب وتنتهي بخطاب الفصل. وفي كثير من الإدارات، لا يتطلب الأمر أكثر من اجتماع عاجل وجدول بيانات وقائمة أسماء توضع بجانبها إشارة حذف. غير أن الاسم المحذوف ليس مجرد رقم. إنه رب أسرة، قد يكون مثقلاً بأقساط منزل أو سيارة أو رسوم دراسية لأبنائه. قد يكون أمضى عقدين في خدمة الشركة حتى صارت خبرته محصورة فيها، ليجد نفسه فجأة في سوق عمل لا يرحم من تقدم به العمر، ولا يكافئ سنوات الإخلاص كما يُتصور.

وتطرح هذه الممارسات تساؤلات جدية حول مفهوم العدالة في بيئة العمل ومدى تقدير الشركات لخبرات موظفيها.

وما يزيد الأمر قسوة أن هذه الممارسات لا تقتصر على الشركات المتعثرة. فهناك شركات تحقق أرباحًا باهرة وتُعلن نتائج ممتازة وتكافئ كبار مسؤوليها، ثم تستغني عن موظفين قضوا سنوات في خدمتها لمجرد أن رواتبهم أصبحت أعلى من راتب خريج جديد دون خبرة. هنا لا يُعاقب الخطأ، بل تُعاقب الخبرة نفسها. فكل عام قضاه الموظف وكل معرفة اكتسبها وكل أزمة ساعد في تذليلها قد تتحول فجأة إلى سبب لاستبعاده. إذ يصبح أكثر تكلفة، وبالتالي أكثر إغراءً للتخلص منه.

ثم تفتح التقرير السنوي للشركة نفسها، فتجد صفحات كاملة عن المسؤولية الاجتماعية. صور، ومبادرات، وتبرعات، وأرقام مكتوبة بعناية، وحديث طويل عن الإنسان والمجتمع والاستدامة. لكن الموظف الذي خدمها لسنوات، ثم خرج منها لأنه أصبح مكلفًا، لا يظهر في التقرير.

المسؤولية المجتمعية ليست مجرد حملة إعلامية أو تبرع سنوي يُستخدم لتحسين الصورة العامة. بل تبدأ من الداخل، من احترام الموظف والحفاظ على كرامته، وعدم التعامل مع حياته كبند قابل للشطب. والآثار لا تقتصر على الموظف المسرح؛ فجميع من بقوا في الشركة يراقبون ويفهمون الرسالة بوضوح. إنهم يدركون أن سنوات الخدمة لا قيمة لها، وأن الولاء لا يوفر حماية، وأنه قد يأتي يوم يصبح فيه راتبهم سببًا كافيًا لإنهاء خدماتهم.

الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُشترى بالمزايا، ولا تعود بسهولة بعد أن يرى الموظفون زميلهم يخرج بهذه الطريقة. قد تربح الشركة من القرار. قد يتحسن بند الرواتب، وقد تبدو النتائج أجمل في الربع التالي. لكن هناك خسائر لا تظهر في القوائم المالية. وحين تصل الشركة إلى هذه المرحلة، فهي لا تحمي مواردها المالية بقدر ما تستنزف مواردها البشرية. وقد يأتي يوم تكتشف فيه أن الموظف الأقل كلفة لم يكن أرخص فعلًا، وأن ما خسرته من خبرة وثقة وسمعة كان أكبر بكثير من الراتب الذي وفرته.

هذه التصرفات لا تؤدي فقط إلى فقدان الثقة بين الموظفين وإداراتهم، بل تخلق بيئة عمل قائمة على الخوف وعدم الاستقرار. وقد تخسر الشركة على المدى الطويل أكثر مما توفر، حيث أن استنزاف رأس المال البشري والخبرات المتراكمة يؤثر سلبًا على الإنتاجية والسمعة. كما أن الموظفين الذين يبقون يصبحون أقل ولاءً وأكثر استعدادًا للبحث عن فرص أخرى.