هل يحدد النفط وحده سعر البنزين؟

تجاوز سعر جالون البنزين في أمريكا حاجز الأربعة دولارات مجددًا، غير أن المحرك الأساسي لهذه القفزة لم يعد النفط الخام، وإنما الوسيط الذي يحوله إلى وقود: مصافي التكرير.

ويبرز هذا التحول في ظل توترات جيوسياسية أثرت على مصافي التكرير أكثر من إنتاج النفط نفسه.

ليكتشف العالم تدريجيًا أن ضمان توافر إمدادات النفط الخام لا يعني توافر الوقود، وأن الحلقة الأضعف في سلسلة الطاقة أصبحت مصافي التكرير، التي تمتلك القدرة على تحويل الخام إلى بنزين وديزل ووقود طائرات يغذي شرايين الاقتصاد العالمي.

لماذا ارتفع البنزين رغم تراجع سعر النفط؟

تراجعت أسعار النفط الخام بشكل حاد من ذروتها عند 118 دولارًا للبرميل خلال أوج الصراع الراهن في الشرق الأوسط، لتتداول اليوم دون مستوى 90 دولارًا، ومع ذلك ظل سعر البنزين في الولايات المتحدة مرتفعًا.

سبب ذلك هو أن أسعار النفط انفصلت تدريجيًا عن أسواق الوقود، فالعائق لم يعد في وفرة البراميل بل في تحويلها إلى بنزين وديزل قابلين للاستخدام، فبينما تحسنت إمدادات الخام جزئيًا بفضل السحب الكثيف من المخزونات الاستراتيجية، بقيت طاقة التكرير منخفضة.

ويزيد من حدة الأزمة أن الطلب على البنزين يتسم بضعف مرونته، إذ لا يستطيع السائقون خفض استهلاكهم بسرعة، لذلك يبقى الطلب مرتفعًا حتى مع ارتفاع الأسعار.

أزمة قطاع التكرير

يُستخرج البنزين من النفط الخام، ثم يُنقل المنتج النهائي بعد ذلك إلى المحطات المحلية عبر خطوط الأنابيب ويُخزن حتى وصول شاحنات الصهاريج لنقله إلى محطات الوقود المحلية.

يشكل سعر النفط الخام نحو 51% من تكلفة جالون البنزين، ليكون العامل الأهم في تحديد أسعار الوقود، فيما تغطي تكاليف التكرير والضرائب والتوزيع والتسويق الباقي.

وأدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، إلى إرباك قطاع التكرير العالمي أكثر من تأثيرها على إنتاج النفط نفسه، إذ توقفت أو تقلصت عمليات العديد من المصافي في الشرق الأوسط.

كما خفضت الصين - التي امتصت جزءًا من صدمة سوق النفط عبر تقليص واردات الخام - صادراتها من البنزين والديزل، ما حرم السوق العالمية من مصدر رئيسي للوقود المكرر، هذا إلى جانب تعطل أكثر من ربع طاقة التكرير الروسية بفعل الهجمات الأوكرانية.

ونتيجة لذلك انخفض إنتاج المصافي عالميًا بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليبلغ متوسط 78 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني من هذا العام، في واحدة من أكبر صدمات التكرير خلال السنوات الأخيرة.

هوامش تكرير قياسية

تُعرف هوامش التكرير أو "فروقات التكرير" بأنها الفارق بين قيمة المنتجات النفطية المكررة وسعر النفط الخام المستخدم في إنتاجها، وتظهر الأزمة بوضوح فيما يعرف باسم هامش التكرير 3-2-1، والذي يقيس هامش الربح الناتج عن تحويل ثلاثة براميل من النفط إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.

وقفز هذا المؤشر في الولايات المتحدة إلى نحو 70 دولارًا للبرميل، بينما اقتربت هوامش التكرير في شمال غرب أوروبا من 30 دولارًا، ووصلت هوامش الديزل الأوروبية إلى نحو 65 دولارًا للبرميل، وهي مستويات تاريخية تعكس ندرة الوقود المكرر أكثر من ندرة النفط نفسه.

وفي الولايات المتحدة ارتفعت مساهمة التكرير في تكلفة جالون البنزين إلى 21% مقارنة بمتوسط 15% خلال العقد الماضي، وهو ما منح شركات مثل "فاليرو" و"فيليبس 66" أرباحًا استثنائية، بينما ظلت أرباح محطات الوقود محدودة عند نحو 30 إلى 35 سنتًا للجالون.

هل هناك حل سريع؟

تكمن المشكلة في أن زيادة إنتاج النفط لا تعني زيادة إنتاج الوقود، فبناء مصفاة جديدة يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، كما أن معظم المصافي الحالية تعمل بالفعل قرب أقصى طاقتها التشغيلية، مع تأجيل أعمال الصيانة، وهو ما يرفع احتمالات الأعطال المفاجئة ويزيد تقلبات السوق.

كما أن ضخ مزيد من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية لن يحل الأزمة إذا لم تتوفر طاقة تكرير كافية لمعالجته، وهو ما يفسر لماذا تبدو قدرة إدارة "ترامب" على التحكم في أسعار البنزين محدودة، رغم أن خفض أسعار الوقود يمثل أحد أهدافها السياسية الرئيسية.

ويأتي ذلك في وقت تقترب فيه مخزونات البنزين والديزل عالميًا من أدنى مستوياتها منذ سنوات، مع تراجع المخزونات الأمريكية إلى مستويات تاريخية، بينما لا يزال فيه الطلب على الوقود قويًا.

ولهذا، حتى إذا هدأت التوترات الجيوسياسية أو استؤنفت حركة الملاحة بالكامل عبر مضيق هرمز، فمن غير المرجح أن تنخفض أسعار البنزين سريعًا، لأن إعادة تشغيل المصافي واستعادة طاقتها الإنتاجية تستغرق وقتًا أطول بكثير من استئناف تدفقات النفط.

في نهاية المطاف، أثبتت الأزمة الحالية أن العالم لا يعاني نقصًا في النفط بقدر ما يعاني نقصًا في القدرة على تحويله إلى وقود، وبين حقل النفط ومحطة الوقود، أصبحت مصافي التكرير الحلقة التي تحدد اليوم سعر الطاقة أكثر من البرميل نفسه.

المصادر : أرقام – بارونز – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية – وكالة الطاقة الدولية – صحيفة "وول ستريت جورنال" – ذا كونفرزيشن – بلومبرج - أويل برايس

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

وبما أن الطلب على البنزين غير مرن، فمن المرجح أن تظل الأسعار مرتفعة حتى مع تراجع الخام. ويحتاج العالم إلى زيادة طاقته التكريرية لتجنب مثل هذه الأزمات مستقبلًا. ويبقى التأثير الأكبر على المستهلكين الذين يتحملون وطأة هذه الفجوة التكريرية.