لما أُعلن عن جمع قطاعي الطاقة والصناعة تحت قيادة وإدارة واحدة، دون اندماج الكيانين، قال الخبراء: «هذا نور على نور».

ويأتي هذا القرار في إطار جهود الإصلاح الإداري التي تهدف إلى تعزيز التنسيق بين القطاعات الحيوية لتحقيق أقصى استفادة من الموارد.

يرى المتابعون المدركون لمسار الإدارة العامة أن الدمج أو الفصل لم يعد مفضلًا، لأن هذه الخيارات تبدو ممتازة نظريًا لكنها قد لا تستثمر، كما حدث سابقًا حين دُمجت الصناعة مع الطاقة دون استثمار مناسب. فالدمج عملية معقدة تتأثر بالنزعات البشرية، حيث يسعى البعض للتمسك بصلاحياته وموظفيه وعلاقاته، فيما يسلّم آخرون الأمور بفرح. ومن يتحفظ يكون محقًا، وهكذا تتطور القناعات.

وعموما ما يجري في القطاع العام من إصلاح وتطوير ودمج او فصل او إلغاء في الكيانات الحكومية هدفه المستقر في أدبيات الحكم هو المصلحة العليا للشعب السعودي، وهذا جوهر (الحكم الصالح)، وهو روح الرؤية الآن، ولا يهم أين تذهب الآراء والتفسيرات، في الدمج أو الفصل، أو الإلغاء!

من هذه النظرة نرى أن توحيد القيادة أو توحيد الهرم الإداري في (منظومة الطاقة والصناعة) ليكون ضمن مسؤوليات ومهام الأمير عبدالعزيز بن سلمان، قرار إيجابي للمصلحة العامة وتدعمه مبررات موضوعية فنية عديدة نظرا للعلاقة العضوية الكبيرة بين القطاعين. ومن خبرتنا في الصحافة الاقتصادية في الثلاثة عقود الماضية كنا دوما في دائرة التجاذب الفني والإداري بين قيادات المنظومتين، وكان دورنا غالبا البقاء في منطقة الحياد والالتزام بالمصلحة العليا للبلاد. والحياد الموضوعي ضروري لأن كل طرف لديه المبررات الفنية، خصوصا في بلد (ينمو) وتواجهه التحديات الكبرى، وهدفه الأسمى نشر الأعمار في كل المجالات.. وفي الأرياف والقرى وفي رؤوس الجبال، وبين كثبان الرمال، وفي حواضر المدن.

أخبارالصحافة

من التحديات المستمرة التي تواجه بلادنا تحقيق الانسجام بين الطاقة والصناعة، فالأخيرة لا تقوم دون إمداد طاقة مستقر وأسعار داعمة، وهذه هي الميزة التنافسية للبلد. أما الطاقة فهي سلعة نادرة ونعمة تتطلب كفاءة عالية. وفي النقاشات العامة والخاصة، كانت القضية الأساسية: من يتحمل كلفة الدعم؟ وأين تُرحل: للمستثمر، أو المستهلك، أو المالية العامة؟ وكل طرف لديه مبرراته.

ولكن التكلفة على الاقتصاد الكلي للبلد وتعطل مشاريعه وتأخر مصالحه.. أحياناً نرى لا منافح عنها؛ وكانت هذه هي منطقة الألم الكبرى المقلقة حتى يُقيض الله من يتصدى لها، ويأخذ بيده زمام الأمور للعلاج الحاسم.

وهذا الذي نراه بعد تكليف الامير عبدالعزيز بهذه المهمة، وندعو الله مخلصين أن يكتب الله لقيادة بلادنا وقيادات المنظومتين النجاح والتوفيق، فالنجاح سوف يمتد اثره ويتعدى للأجيال القادمة، والآن كلنا نجني الثمار التي وضعها قادة الطاقة والصناعة قبل خمسين عاما؛ إنه ماراثون إنجاز لا تنطفئ شعلته. وهذا ما نتطلع إليه، فالتحول والريادة في قطاع الطاقة - الذي هو مستقبل ورخاء بلادنا وأجيالها على مدى الـ 100 سنة القادمة - ترتبط بشدة بوجود قطاع صناعي متطور، واستثمار امثل لثرواتنا الطبيعية.

نعود لموضوعنا وهو التوحيد لـ (الهرم الإداري)، فهذا الأمر يضع أمامنا هموم الطاقة وملفات الصناعة، ومنها:

الهم الأول، هو توفر (اللقيم) وهو حاجة صناعة المستقبل التحويلية الأساسية، والذي يرتبط مباشرة بقطاع الطاقة. هنا المطلوب الموازنة بين استثمار كل جزئ من الطاقة الأحفورية، مع تحفيز الصناعات المحلية لتعزيز قدرتها التنافسة عالميًا. الحكومة السعودية منذ انطلاق صناعة البتروكيماويات وهي تدعم هذا القطاع. ما نحتاجه هو حوكمة هذا الأمر بدقة عالية، (وهنا أهمية الهرم القيادي في المنظومتين)، فهو القادر على حسم الموقف، مع حرصه على مصلحة القطاعين، واتاحة الفرصة لكل منهما لابتكار افضل الحلول وتحقيق النتائج.

الهم الثاني، (أمن الطاقة)، وهو مفهوم رسّخه الأمير عبدالعزيز، وفيه تتكامل المنظومتان، لأن أمن الطاقة ليس فقط ضمان تدفقها، بل في تكامل كل مكوناتها، لوجستيا وصناعيا، وابتكاريا. أمن الطاقة، مثلا، يتحقق عبر المكونات بكل تفرعاتها وتنوعها، وتصنيعها وتوطينها، وقيادة الريادة فيها. وهذا مرتبط بشكل كبير في منظومة صناعية متطورة تضع في أولويتها خدمة قطاع الطاقة.

الهم الثالث، (التحول الطاقي) الجديد المتمثل في الطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، ونقل الطاقة بكل مافيها من محطات ومكونات وغيرها.

الهم الرابع، وهو ارتباط كل مكونات قطاع الطاقة بالثروة المعدنية، والتي تملك منها المملكة مخزونات كبيرة. هذه تتطلب التوظيف الأمثل، وتغطية الاحتياج المحلي الذي يدعم ريادة المملكة، ويبني لها الجسور نحو الريادة في كافة أشكال الطاقة.

الهم الخامس، يخص كفاءة الطاقه. الأمير عبدالعزيز سوف ينقل بقوة تجربة كفاءة الطاقة إلى القطاع الصناعي الذي هو الأكثر استهلاكا لكل أنواع الطاقة، خاصة مع توجهات الثورة الصناعية الرابعة.

الهم السادس، او همنا الوطني الأكبر. إنه (موضوع تمكين الموارد البشرية في منظومة الصناعة الوطنية). هذا الملف تحفه التساؤلات والأمنيات وبعض الحسرات. فبعد نصف قرن من دعم منظومة الصناعة: ماذا انجزنا في هذا الملف، كم عدد الذي تم توظيفهم من السعوديين؟ لماذا المؤشرات متدنية؟ لماذا الصناعه كثيفة العمالة الرخيصه؟ لماذا مصانعنا المتقدمه تتحول الى مراكز تدريب للعماله حتى يتأهلوا للهجرة إلى أوروبا وأمريكا؟

الهم السابع، هو ملف (الأبحاث والتطوير والابتكار). هنا يجب الاعتراف أن المملكة حققت خطوات إيجابية في منظومة البحث والابتكار الصناعي عبر دمج الحلول التقنية المتقدمة بالواقع الإنتاجي. وهذا يحتاج وقفة أخرى مطولة.

ويضاف إلى هذه تطلعات وطنية كبرى تحقيقها ربما يتجاوز المنظومتين. التفوق الصناعي الذي نتطلع اليه من تكامل عمل الطاقة والصناعه هو (توطين الذكاء الاصطناعي في المصانع). في هذا السياق، لعلنا نستفيد من التجربة الصينية في دمج الذكاء الاصطناعي بالصناعة والتي تعد نموذجًا فريدًا قام على التخطيط الاستراتيجي المرحلي الذي بدأ بالإطار التنظيمي ثم الانتقال إلى التطبيق الواسع عبر مبادرة «الذكاء الاصطناعي بلس»، التي نجحت في بناء أكثر من 40,000 مصنع ذكي، ونشر التطبيقات في أكثر من 300,000 مصنع خلال سنوات قليلة. والأمر المهم أن هذه القفزة تحققت بعد أن اعتمدت الصين الدعم الحكومي الضخم (صناديق استثمارية بعشرات المليارات، وقسائم تدريب نماذج تتحمل الدولة 80 % من تكلفتها).

والآلية الحكومية الصينية المنسقة بـ (حوكمة عالية) هي التي مكنت الصين من الاستفادة من الذكاء لاصطناعي ليس في الصناعة، بل في مجالات عديدة. في كلمته خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي 2026 والاجتماع رفيع المستوى بشأن الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي الذي عُقد في شنغهاي (17يوليو 2026)، طرح الرئيس الصيني «شي جين بينغ» رؤية شاملة تركز على التعاون الدولي والمسؤولية البشرية. هنا الصين تدعو إلى تكامل العمل الجماعي الدولي بعد تجربتها الناجحة في الداخل.

ربما نقول ان هذه الملفات ثقيلة، وقد تضيف أعباء جديدة على الامير عبدالعزيز. بالتأكيد المسؤولية كبيرة، ولكن عذرنا ان الامير عبدالعزيز تميزت سيرته في انجاز الملفات الصعبة. وايضا يدعم راينا حجم الإنجازات التي تحققت في الوزارتين. فالأمور الاساسيه تم العمل عليها وترتيبها بالذات الاستراتيجية الصناعية. وفي وزارة الطاقة أحدث الأمير عبدالعزيز تحولاً مؤسسياً جذرياً، ناقلاً إياها من الاعتماد اللوجستي والبشري على «أرامكو السعودية» إلى كيان إداري وفني مستقل يمتلك قدراته الذاتية ويستقطب أفضل الكفاءات الوطنية. كما تم تأسيس إدارات متخصصة في السياسات، التنظيم، والرقابة، مما مكن الوزارة من بناء «ذاكرة مؤسسية» مستقلة قادرة على اتخاذ القرارات السيادية وإدارة ملفات الطاقة المعقدة (مثل النووي، الهيدروجين، وكفاءة الطاقة، تسويق المنتجات البتروليه ومعالجة محطات الوقود، هيكلة قطاع الكهرباء).

وفيما يخص استقطاب الكفاءات وتنوع الخبرات، تبنى الأمير عبدالعزيز مشروع استراتيجي لبناء الموارد البشرية في القطاع عبر برنامج (طاقات واعدة) للتدريب المكثف على رأس العمل والذي أطلقته الوزارة لاستقطاب وتطوير الخريجين الجدد وتأهيلهم للعمل في قطاع الطاقة. وهذا برنامج متقدم في التاهيل والاختيار، والأمير عبدالعزيز يتابعه شخصيا إنجازاته، وإذا عرف بخروج متدرب من البرنامج يتصل عليه ليعرف الأسباب.

لقد نقل الأمير عبدالعزيز الوزارة من مرحلة (الإدارة بالمساندة) إلى مرحلة (كفاءة القيادة)؛ فالوزارة اليوم تستكمل مستهدفات إستقطاب الكوادر الوطنية المتخصصة وفق منهجية احترافية، واصبحت (بيئة العمل) ممكنة وجاذبة، والعاملون في الوزارة يتلقون عروض الاستقطاب من جهات عديدة. ونضج الخبرة وتحقق المعرفة امر يحرص عليه الأمير عبدالعزيز لاهمية ضمان استقلالية القرار الاستراتيجي للمملكة في قطاع الطاقة، ولاهمية تعزز قدرتها على قيادة التحولات الكبرى مثل مزيج الطاقه السعودي لخفض الاستهلاك المحلي إلى ثلاثة ملايين برميل نفط يوميا.

أخيراً، نقول، نحن على ثقة بنجاح خطوة توحيد القياده، فحكمة وخبرة وسعة النظر للأمور التي نعرفها عن الأمير عبدالعزيز، ومدى اهتمامه بكل هموم وتحديات الاقتصاد السعودي وحيويته، وهذا مناط الأمر ومحرك الملفات والمعيار لاختيار القيادات، وهذا الذي يجعلنا نبارك ونفرح بالإنجازات التي تكرس الاستقرار وتعزز الوحدة الوطنية لبلادنا.

إن توحيد الهرم الإداري بين الطاقة والصناعة يضع همومًا حيوية على الطاولة، أبرزها توفير اللقيم لصناعة المستقبل وتحقيق أمن الطاقة. ويُتوقع أن يسهم هذا التوجه في تسريع وتيرة التحول الصناعي والاستفادة المثلى من الثروات الطبيعية، مما يعود بالنفع على الأجيال القادمة. فالتجارب السابقة تؤكد أن نجاح هذه المنظومة يتطلب حوكمة دقيقة وقرارات حاسمة تراعي مصلحة القطاعين معًا.