الطاقة في أسبوع: الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية ترفع صادرات الخام.. وظاهرة النينيو تزيد الضغط على الأسواق

ناقلة نفط

تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من التعقيد المتزايد جراء تقاطع التوترات الجيوسياسية مع الظواهر المناخية الحادة. فبينما تؤدي الغارات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية إلى هبوط طاقتها التكريرية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2005، تلجأ موسكو إلى رفع صادراتها من الخام. ومن جهة أخرى، يُرجح أن تؤدي ظاهرة النينيو إلى ازدياد استهلاك الهند من الغاز الطبيعي المسال، مما يفاقم الضغط على السوق العالمية. وفي الإقليم، يسهم تجدد الاشتباكات في الشرق الأوسط في إعادة تشكيل أنماط الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي سياق السباق المحموم على تأمين المعادن النادرة، أعلنت الصين عن ابتكار جديد لاستخلاص الليثيوم من المياه المصاحبة لعمليات النفط والغاز.

ويشهد قطاع الطاقة العالمي تحولات متسارعة في ظل تداخل العوامل الجيوسياسية والمناخية.

الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية تجبر موسكو على زيادة صادراتها النفطية

أسفرت الغارات الأوكرانية المتكررة على منشآت التكرير الروسية عن تراجع طاقتها التكريرية، وتراكم قرابة 135 مليون برميل من النفط الخام الروسي في البحر، مما دفع موسكو إلى تحويل حصة أكبر من الخام نحو التصدير بدلاً من التكرير المحلي.

ووفقًا للتقديرات، خرج نحو ثلث طاقة التكرير الروسية من الخدمة عقب استهداف عدد من المصافي، من بينها غازبروم نفتيخيم سالافات وأفيبسكي، لتتراجع القدرة التشغيلية إلى نحو 3.91 مليون برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ عام 2005.

وفي ظل انخفاض الطلب المحلي على الخام، اتجهت روسيا إلى زيادة صادراتها البحرية رغم تراجع إنتاجها إلى 8.93 مليون برميل يوميًا في يونيو، أي أقل بنحو 830 ألف برميل يوميًا من حصتها ضمن اتفاق أوبك+.

إلا أن زيادة الصادرات اصطدمت باختناقات في موانئ التصدير، حيث تواجه شحنات خامي سوكول وساخالين بليند تأخيرات تمتد لأيام خلال عمليات نقل الشحنات بين الناقلات، فيما تتراكم شحنات خام إسبو (ESPO) بالقرب من ميناء كوزمينو، مع تراجع عدد المشترين المستعدين للتعامل مع النفط الروسي الخاضع للعقوبات.

كما تواصل ناقلات “الأسطول الخفي” الروسي التكدس قبالة السواحل المصرية وفي محيط جزر رياو الإندونيسية، بينما تلجأ بعض السفن إلى إخفاء وجهاتها أو البقاء دون حركة، في ظل تزايد حذر المشترين من مخاطر العقوبات الثانوية.

وبالرغم من زيادة الصادرات الروسية البحرية إلى متوسط 4.13 مليون برميل يوميًا في الأسابيع الأربعة حتى 28 يونيو، وهو أعلى رقم منذ بداية 2022، فإن الإيرادات هبطت نحو 200 مليون دولار أسبوعيًا إلى 1.68 مليار دولار، بفعل تراجع الأسعار العالمية، وتوسع الخصم على خام الأورال، وتأخر الشحنات.

وتشير هذه التطورات إلى أن روسيا تنجح في الحفاظ على تدفقات صادراتها، لكنها تفعل ذلك بتكلفة أعلى وكفاءة أقل، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاعها النفطي نتيجة تعطل التكرير، وارتفاع تكاليف النقل، واستمرار القيود المرتبطة بالعقوبات.

ظاهرة النينيو تعزز الطلب الهندي على الغاز وتزيد الضغط على الأسواق

أشار تقرير صادر عن مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) إلى أن ظاهرة النينيو قد تدفع الهند إلى زيادة استهلاك الفحم والغاز الطبيعي المسال، في وقت تواجه فيه صادرات الطاقة من الشرق الأوسط مخاطر متزايدة نتيجة الحرب واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، ما يهدد بتشديد أسواق الطاقة العالمية مع تزامن ارتفاع الطلب الآسيوي واستمرار الضغوط على الإمدادات.

وبحسب التقرير، قد تضطر الهند إلى توليد نحو 17.7 تيراواط/ساعة إضافية من الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري بين يوليو 2026 ويونيو 2027، مع احتمال ارتفاع الفجوة إلى 24 تيراواط/ساعة في حال جاءت تأثيرات إل نينيو أشد من المتوقع. ويعزى ذلك إلى زيادة الطلب على التبريد بالتزامن مع تراجع إنتاج الكهرباء من طاقتي الرياح والمياه.

وتأتي هذه التوقعات في وقت تعمل فيه محطات الكهرباء الحرارية (التي تستخدم الغاز او الفحم) في الهند عند مستويات تشغيل مرتفعة بالفعل. فقد ارتفع إنتاجها بنسبة 12.5% على أساس سنوي خلال يونيو إلى 122.37 تيراواط/ساعة، مع زيادة متوسط معامل التشغيل إلى 72.3%، فيما استحوذ الفحم على نحو 86% من إنتاج الكهرباء التقليدية. وفي المقابل، انخفض إنتاج الطاقة الكهرومائية بنحو 20% بسبب ضعف الأمطار الموسمية، بعدما سجلت البلاد عجزًا تراكميًا في الهطول بلغ 42% خلال الفترة من 1 إلى 24 يونيو، بينما حافظت محطات الكهرباء على مخزونات قوية من الفحم بلغت 43.05 مليون طن.

ورغم إضافة الهند 44.6 غيغاواط من الطاقة الشمسية خلال عام 2025، يرى التقرير أن محدودية قدرات تخزين الكهرباء وتحديث شبكات النقل ستجعل الفحم والغاز الطبيعي المسال الخيار الأسرع لتغطية أي نقص في الإمدادات خلال فترات ذروة الطلب.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على الهند، إذ قد يؤدي ارتفاع الطلب الآسيوي على الغاز إلى تشديد المنافسة على الإمدادات الشحيحة القادمة من الشرق الأوسط في وقت تتصاعد فيه مخاطر الشحن عبر مضيق هرمز بسبب الحرب، ما يبقي علاوة المخاطر مرتفعة ويدعم أسعار النفط والغاز.

شركات الشحن تغير مساراتها مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز

بدأت تداعيات تجدد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران تتجاوز الجانب الأمني لتعيد رسم خريطة الشحن في مضيق هرمز، في وقت يواجه فيه منتجو الطاقة في الشرق الأوسط ومستوردو النفط في آسيا وأوروبا ارتفاعًا في تكاليف النقل والتأمين واضطرابًا في سلاسل الإمداد.

وتظهر بيانات Windward أن شركات الشحن باتت تفضل الممر الملاحي الشمالي المحاذي للسواحل الإيرانية، بعدما أصبح الممر الجنوبي على طول الساحل العماني أكثر عرضة للهجمات. ففي 15 يوليو، عبرت 13 من أصل 18 سفينة متجهة إلى الخليج عبر المسار الإيراني، بينما استخدمت سفينة واحدة فقط الممر الجنوبي، في مؤشر على أن اعتبارات السلامة أصبحت المحرك الرئيسي لقرارات الملاحة.

ومع تجدد المواجهات، فإن حركة العبور لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية، إذ لم يعبره سوى 29 سفينة في 15 يوليو، أي نحو 22% فقط من مستويات ما قبل الحرب. كما تكشف بيانات Vortexa أن 7 ناقلات من أصل 22 ناقلة من فئة Long Range (LR)، كانت موجودة في الخليج عند اندلاع الحرب في 28 فبراير، لا تزال داخل المنطقة بعد أكثر من أربعة أشهر، ما يعكس استمرار الحذر وارتفاع كلفة تشغيل الأساطيل.

ولا يقتصر تأثير الأزمة على انخفاض عدد السفن، بل يمتد إلى تغيير أنماط تشغيلها. فقد أصبحت الناقلات تستغرق وقتًا أطول لإكمال رحلاتها، فيما أعادت بعض السفن توزيع رحلاتها أو عادت إلى الخليج بعد تسليم شحناتها، بينما تراجعت وتيرة دوران الأسطول مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

وبالنسبة لأسواق الطاقة، فإن استمرار تدفق النفط والغاز من الخليج لا يعني عودة التجارة إلى طبيعتها. فكل يوم تقضيه الناقلة داخل الخليج أو في انتظار العبور يقلل الطاقة الاستيعابية الفعلية للأسطول العالمي، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما ينعكس على تكلفة إيصال النفط والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

ويشير ذلك إلى أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءًا دائمًا من تكلفة تجارة الطاقة العالمية. وإذا استمرت الهجمات، فمن المرجح أن تبقى علاوة المخاطر مرتفعة، مع استمرار الضغوط على المصدرين الخليجيين والمستوردين الآسيويين الذين يعتمدون على مضيق هرمز. كما قد يدفع ذلك دول الخليج إلى تسريع الاستثمار في مسارات تصدير بديلة وخطوط أنابيب تقلل الاعتماد على المضيق وتعزز مرونة تدفقات الطاقة.

الصين تطور تقنية لاستخراج الليثيوم من المياه المصاحبة لإنتاج الغاز

نجحت شركة سينوبك الصينية المملوكة للدولة في اختبار تقنية جديدة لاستخراج الليثيوم من المياه المصاحبة لإنتاج الغاز الطبيعي، في خطوة تعكس توجه شركات النفط الكبرى للاستفادة من أصولها التقليدية لتأمين إمدادات المعادن الحيوية اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة.

وأجرت الشركة التجربة في حقل يوانبا للغاز، باستخدام تقنية طورتها داخليًا تعتمد على الامتزاز وإزالة الامتزاز السريعين، وتمكنت من إنتاج كربونات الليثيوم بدرجة صناعية بعد استكمال جميع مراحل الاستخراج والمعالجة.

وقالت سينوبك إن التقنية الجديدة تخفض تكاليف الإنتاج بأكثر من 35% مقارنة بطرق الاستخراج التقليدية، مع تقليص مراحل المعالجة ورفع كفاءة استخلاص الليثيوم، ما قد يفتح المجال أمام استغلال المياه المصاحبة لإنتاج النفط والغاز كمصدر تجاري جديد لهذا المعدن.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل سعي الصين إلى تعزيز أمن إمدادات المعادن الاستراتيجية، إذ لا تمتلك سوى نحو 7% من موارد الليثيوم العالمية، بينما تعتمد على الواردات لتلبية نحو 70% من احتياجاتها، رغم أنها أكبر مستهلك للمعدن في العالم.

كما تأتي في وقت يتوقع فيه نمو الطلب العالمي على الليثيوم إلى نحو 3.5 مليون طن من مكافئ كربونات الليثيوم بحلول عام 2036، مدفوعًا بالتوسع في إنتاج السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، ما يزيد أهمية تطوير مصادر إنتاج جديدة خارج المناجم التقليدية والمحاليل الملحية.

وتبرز التجربة أيضًا تحولًا أوسع في استراتيجية شركات النفط والغاز، التي باتت تنظر إلى البنية التحتية القائمة وعمليات الإنتاج التقليدية باعتبارها منصة لتطوير أعمال مرتبطة بالمعادن الحيوية وتقنيات الطاقة النظيفة، بدلًا من الاكتفاء بإنتاج الوقود الأحفوري.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توسع سينوبك في قطاع التنقل الكهربائي، إذ وقعت مؤخرًا اتفاقية مع شركة BYD لتطوير شبكة محطات الشحن السريع، كما استثمرت في شركة CATL، أكبر منتج لبطاريات السيارات الكهربائية في الصين، ضمن خطتها لإنشاء 10 آلاف محطة لتبديل بطاريات المركبات الكهربائية، في إطار استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر النمو استعدادًا لمرحلة تحول الطاقة العالمية.

{{displayname}}

{{profession}}

{{followercount}}

{{aboutme}}

وتشير المعطيات إلى أن روسيا تواجه تحديات متزايدة في إدارة صادراتها النفطية، إذ يؤدي تعطل التكرير إلى تراكم الخام وارتفاع التكاليف. في الوقت نفسه، قد يؤدي الطلب الهندي المتزايد على الغاز إلى مزيد من الضغط على الأسواق العالمية، خاصة مع استمرار ظاهرة النينيو. ومن المتوقع أن تظل أسواق الطاقة عرضة للتقلبات في ظل هذه المعطيات.