فخ المحافظ الدفاعية .. شيخوخة الاستثمار تهدد شهية المخاطرة بالأسواق
في عام 1974، عثرت السلطات على الجندي الياباني "هيرو أونودا" في أدغال الفلبين، حيث ظل مختبئًا ويقاتل بمفرده لمدة 30 عامًا كاملة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، رافضًا تصديق أن المدافع قد سكتت وأن العالم قد بدأ حقبة جديدة بعد تلك الحرب الدامية. ورغم أن تلك الحادثة التاريخية قد وقعت منذ عدة عقود، إلا أنها تتكرر حرفيًا كل يوم في أسواق المال في العديد من الدول عبر ما يُعرف بـ"فخ المحفظة الدفاعية". فبينما تطوي الأسواق صفحة التصحيحات وتبدأ دورات صعودية جديدة ورابحة، يظل آلاف المستثمرين متحصنين في خن…
فخ المحافظ الدفاعية .. شيخوخة الاستثمار تهدد شهية المخاطرة بالأسواق
قبل أكثر من نصف قرن، اكتشفت السلطات الفلبينية جندياً يابانياً يدعى هيرو أونودا، كان لا يزال يخوض حرباً انتهت فعلياً قبل ثلاثين عاماً، متشبثاً بأوهامه في أدغال البلاد.
وتتجلى هذه الظاهرة في ميل المستثمرين إلى الاحتماء بالأصول الآمنة حتى بعد زوال الأسباب التي دعت إلى الحذر، مما يحول التحوط المؤقت إلى استراتيجية دائمة تقيد العوائد.
رغم أن تلك الواقعة التاريخية تعود إلى عقود مضت، إلا أنها تتكرر يومياً في أسواق المال العالمية من خلال ما يصطلح عليه 'فخ المحفظة الدفاعية'.
فبينما تطوي الأسواق صفحة التصحيحات وتبدأ دورات صعودية جديدة ورابحة، يظل آلاف المستثمرين متحصنين في خنادق أصول الملاذ الآمن.
وهو سلوك حذر منه معهد المحللين الماليين الذي ذكر أن هذا النوع من التحصن يعمي المستثمر عن رؤية الفرص، ليتحول حذره إلى حالة عجز دائم تمنعه من اللحاق بقطار الابتكار والتكنولوجيا.
كما يشير المعهد إلى أن هذه الأموال قد تتحول مع مرور الوقت إلى ثروة تتآكل بفعل تكلفة الفرصة البديلة، بينما يواصل أصحابها الاستعداد لأزمات ربما انتهت بالفعل.
تشير إحصاءات معهد شركات الاستثمار الأمريكي إلى أن أصول صناديق أسواق النقد في الولايات المتحدة تجاوزت 7 تريليونات دولار خلال عام 2025، وهو رقم قياسي، مدعومة بارتفاع أسعار الفائدة وزيادة الإقبال على الأصول منخفضة المخاطر.
ولا يرتبط هذا التحول بعمر المستثمر فقط، بل يمتد إلى المحافظ الاستثمارية نفسها، التي تميل مع مرور الوقت وتراكم الثروة إلى تقليص المخاطر تدريجيًا، فيما يشبه ما يمكن وصفه بـ"شيخوخة الاستثمار".
وفي هذه الحالة، يصبح الحفاظ على رأس المال أكثر أهمية من البحث عن مكاسب جديدة ليبرز سؤال مهم: هل تمثل المحافظ الدفاعية استراتيجية حكيمة لحماية الثروة، أم أنها قد تتحول مع الوقت إلى فخ يقلص فرص النمو ويضعف القدرة على مواجهة التضخم؟
الخوف يتحول إلى استراتيجية استثمار
ترتكز المحافظ الدفاعية عادة على أصول منخفضة المخاطر، مثل السندات الحكومية، وأذون الخزانة، وصناديق أسواق النقد، إلى جانب الأسهم التي تتميز بتوزيعات أرباح مستقرة في قطاعات مثل المرافق العامة والرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية.
ويؤكد خبراء فانجارد أن قدرة المستثمر على تحمل المخاطر تتراجع تدريجيًا مع اقترابه من أهدافه المالية أو سن التقاعد، وهو ما يفسر اعتماد معظم الصناديق الموجهة للتقاعد على خفض الوزن النسبي للأسهم وزيادة مخصصات السندات مع مرور الوقت.

ويمكن قياس أثر هذا التحول من خلال مقارنة الأداء طويل الأجل بين المحافظ الموجهة للنمو والمحافظ الدفاعية.
فبحسب البيانات التاريخية، حقق مؤشر إس آند بي 500 متوسط عائد سنوي يقترب من 10% على مدى عقود، بينما تراوح متوسط عوائد المحافظ الدفاعية التي تعتمد بدرجة كبيرة على السندات قصيرة الأجل والسيولة بين 4% و5% سنويًا.
وهو ما يعني أن استثمارًا أوليًا بقيمة 100 ألف دولار ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 10% يمكن أن يرتفع إلى نحو 673 ألف دولار خلال 20 عامًا، في حين لا يتجاوز 241 ألف دولار إذا حقق عائدًا سنويًا قدره 4.5% فقط، أي أن الفارق يتجاوز 430 ألف دولار.
ويشير خبراء الاستثمار إلى أن هذه الفجوة تمثل ما يعرف بـ"تكلفة الفرصة البديلة"، إذ إن الإفراط في تبني الاستراتيجيات الدفاعية منذ وقت مبكر قد يحد من تقلبات المحفظة، لكنه في المقابل قد يقلص بصورة كبيرة قدرتها على تحقيق نمو طويل الأجل.
وهو ما يجعل تجنب المخاطر يحمل بدوره تكلفة استثمارية لا تقل أهمية عن المخاطر نفسها.
الأزمات تعيد رسم شهية المخاطرة
لم يكن التحول نحو المحافظ الدفاعية نتيجة التقدم في العمر فقط، بل جاء أيضًا انعكاسًا لسلسلة من الصدمات التي غيّرت سلوك المستثمرين تجاه المخاطر.
فمنذ الأزمة المالية العالمية في 2008، مرورًا بجائحة كورونا، ثم موجة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت المحافظة على رأس المال هدفًا لا يقل أهمية عن تحقيق العائد.
ولا يقتصر هذا التحول على زيادة الاستثمار في السندات، بل امتد إلى مختلف فئات الأصول الدفاعية.
واستعادت السندات مكانتها داخل المحافظ الاستثمارية بعد سنوات من التراجع، حيث تشير بلاك روك إلى أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين إلى مستويات تجاوزت 5% خلال دورة التشديد النقدي الأخيرة.

ولم يقتصر التحول على المستثمرين الأفراد، بل انعكس أيضًا على قرارات البنوك المركزية ومديري الأصول؛ إذ واصلت البنوك المركزية تعزيز احتياطياتها من الذهب.
وأظهر مجلس الذهب العالمي أن مشتريات البنوك المركزية تجاوزت 1000 طن سنويًا للعام الثالث على التوالي خلال 2024، في استمرار لأعلى وتيرة شراء منذ بدء تسجيل البيانات.
الحذر المفرط قد يصبح مخاطرة
ورغم أن المحافظ الدفاعية توفر قدرًا أكبر من الاستقرار خلال فترات الاضطراب، فإن الإفراط في الاعتماد عليها قد يفرض تكلفة خفية تتمثل في تراجع النمو طويل الأجل للثروة.
وتشير دراسة جيه بي مورجان أسيت مانجيمينت في تقريرها السنوي دليل الأسواق إلى أن المستثمرين الذين يغادرون الأسهم بعد فترات الهبوط غالبًا ما يفقدون أفضل أيام التعافي، وهو ما ينعكس بصورة كبيرة على العائد التراكمي للمحفظة.
ولا يقتصر ثمن الإفراط في الحذر على انخفاض العوائد، بل يمتد إلى تآكل القيمة الحقيقية للثروة.
فوفقًا لأبحاث فانجارد، أدى الاحتفاظ بالنقد أو بالأصول منخفضة العائد مقارنة بالتضخم على مدى العقود الثلاثة الماضية إلى فقدان النقد أكثر من 40% من قوته الشرائية الحقيقية، بما يعكس أن تجنب المخاطر بصورة مطلقة قد يتحول بمرور الوقت إلى خسارة فعلية.
وامتد أثر هذا التحول على الأسواق المالية إلى تمويل الابتكار؛ إذ أظهرت البيانات أن استثمارات رأس المال الجريء في الولايات المتحدة بلغت نحو 242.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مقارنة بذروة تجاوزت 358 مليار دولار في عام 2021.
ورغم تحسن النشاط مقارنة بعام 2023، فإنه ظل أقل كثيرًا من مستويات ما بعد الجائحة، ويعكس ذلك استمرار حذر المستثمرين تجاه تمويل الشركات الناشئة مقارنة بذروة شهية المخاطرة التي شهدتها الأسواق بعد الجائحة.
عدوى شيخوخة الاستثمار تصيب المؤسسات الكبرى أيضًا
لم يعد التحول نحو الاستثمار الدفاعي مقتصرًا على الأفراد مع اقترابهم من التقاعد، بل أصبحت سمة واضحة لدى المؤسسات المالية الكبرى، التي باتت تعيد هيكلة محافظها في ضوء عالم يتسم بتقلبات جيوسياسية ومالية متزايدة.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن صناديق التقاعد في الدول الأعضاء تدير أصولًا تتجاوز 60 تريليون دولار أمريكي، وتواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في تحقيق عوائد كافية لتغطية التزاماتها المستقبلية، مع الحد من المخاطر في الوقت نفسه.
ويعكس حجم هذه المؤسسات تأثير قراراتها في الأسواق العالمية؛ إذ تدير بلاك روك أصولًا تتجاوز 11.5 تريليون دولار، بينما تدير فانجارد ما يزيد على 10 تريليونات دولار، وفق أحدث بيانات الشركتين.
ويعني ذلك أن أي تعديل طفيف في توزيع الأصول داخل هذه المحافظ قد يترجم إلى تدفقات بمليارات الدولارات بين الأسهم والسندات والأصول الدفاعية الأخرى خاصة في ظل توجه العديد من هذه الصناديق إلى الأصول التي توفر تدفقات نقدية مستقرة.
وفي هذا الإطار يرى "لاري فينك"، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، أن المستثمرين أصبحوا أكثر اهتمامًا بـ"مرونة المحافظ" من السعي وراء أعلى العوائد.
موازنة الأصول باستمرار
تكشف تجارب الأسواق خلال العقدين الماضيين أن المحافظ الاستثمارية لا تتحول إلى الدفاعية بسبب التقدم في العمر فقط، وإنما أيضًا نتيجة تراكم الأزمات، وتغير البيئة الاقتصادية، وارتفاع حالة عدم اليقين.
ويعكس صندوق التقاعد الحكومي النرويجي، أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم بأصول تجاوزت 1.9 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2025، هذا النهج.
إذ شكلت الأسهم نحو 71% من أصوله، وأدوات الدخل الثابت 26%، والعقارات غير المدرجة قرابة 2%، إلى جانب استثمارات محدودة في البنية التحتية للطاقة المتجددة.

ويكشف هذا التوزيع أن حتى أكبر المستثمرين المؤسسيين لا يتخلون عن الأسهم، وإنما يعيدون موازنة المخاطر بصورة منهجية، بدلًا من التخارج الجماعي من الأصول عالية المخاطر.
ومع ذلك، تشير خبرات المؤسسات الاستثمارية الكبرى إلى أن المشكلة لا تكمن في تبني استراتيجية دفاعية عند الحاجة، بل في بقائها دائمة حتى بعد تغير الظروف.
فالتاريخ يظهر أن الأسواق مرت بدورات متكررة من الصعود والهبوط، وأن كثيرًا من أكبر المكاسب تحققت بعد الفترات التي بلغ فيها التشاؤم ذروته.
ولهذا، تؤكد العديد من المؤسسات المالية أن بناء المحافظ الاستثمارية لم يعد يقوم على الاختيار بين المخاطرة أو الأمان، بل على القدرة على إعادة موازنة الأصول باستمرار بما يتناسب مع تغير الأوضاع الاقتصادية والأهداف المالية للمستثمر.
وربما لا يكون أخطر ما يواجه المستثمر هو التقلبات نفسها، بل في أن تتحول قراراته المؤقتة أثناء الأزمات إلى استراتيجية دائمة، فيجد نفسه بعد سنوات وقد نجح في حماية ثروته من الخسائر... لكنه حرمها في الوقت نفسه من النمو.
المصادر: أرقام - صندوق النقد الدولي- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- معهد شركات الاستثمار الأمريكي- فانجارد للأبحاث- مورننجستار- جيه بي مورجان اسيت مانجيمينت- معهد المحللين الماليين المعتمدين- وكالة رويترز
{{displayname}}
{{profession}}
{{followercount}}
{{aboutme}}
وبينما تبدو المحافظ الدفاعية ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب، فإن الإفراط في التمسك بها قد يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية بفعل التضخم، خاصة مع تفويت فرص النمو في القطاعات الديناميكية. ومن المرجح أن يظل هذا الجدل قائماً مع استمرار تدفق الأموال إلى أدوات الدخل الثابت، مما يطرح تساؤلات حول قدرة الأسواق على استعادة شهية المخاطرة.
المصدر الأصلي: أرقام
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.