للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، تمضي اليابان قدماً في إنشاء جهاز استخبارات مركزي، مستعينةً بحلفائها الغربيين لا سيما الولايات المتحدة، في إطار مساعٍ لتعزيز قدراتها الاستخباراتية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق سعي طوكيو لتعزيز أمنها في مواجهة تحديات إقليمية متزايدة.

أفاد مسؤولون يابانيون لصحيفة "نيويورك تايمز" بأن القادة اليابانيين عقدوا في الأشهر الماضية محادثات سرية مع نظرائهم من الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا، استشاروهم فيها حول التقنيات وآليات التوظيف وأولويات الجهاز الجديد، وهي لقاءات لم تُعلن سابقاً.

وبحسب ما نقلته الصحيفة عن خبراء، فإن النظام الاستخباري الياباني ظل لعقود يعاني من التشتت، حيث تقوم جهات متعددة مثل وزارة الدفاع والشرطة بجمع وتحليل المعلومات دون تبادل فعال، مما زاد من تعرض البلاد للتجسس والتدخل الخارجي.

ويمثل إنشاء جهاز استخبارات داخلي أحد المرتكزات الأساسية في مساعي رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي للتخلص من القيود المفروضة على الدفاع والأمن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وكانت تاكايتشي، المعروفة بمواقفها المتشددة، قد طرحت رؤية لـ"يابان قوية ومزدهرة"، وألغت بالفعل القيود المفروضة على صادرات الأسلحة، كما دفعت نحو أكبر عملية تعزيز للقدرات الدفاعية اليابانية منذ انتهاء الحرب.

أولوية تاكايتشي

وتسعى تاكايتشي إلى تعزيز حماية "أسرار الدولة والتقنيات الحيوية"، والتصدي لـ"عمليات النفوذ الأجنبية"، ولا سيما تلك التي تقودها الصين.

وقال أندرو شيرر، السفير الأسترالي لدى اليابان، الذي قدم مشورة غير رسمية لحكومة تاكايتشي، إن المسؤولين اليابانيين يشعرون بأن قدرات بلادهم الاستخباراتية "ظلت مجمدة عند مستوى عقود مضت".

وأضاف: "من المهم أن تكون تاكايتشي قد جعلت هذا الملف أولوية، وأن تستثمر رصيدها السياسي لإنجازه".

ويُعد شيرر، الذي شغل منصب المدير العام للاستخبارات الوطنية في أستراليا بين عام 2020 وحتى ديسمبر الماضي، أحد أكثر الأصوات تأثيراً في هذا الملف

 وعندما زارت تاكايتشي العاصمة الأسترالية كانبيرا في مايو، شكرت رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي على تعيين سفير يتمتع بخلفية استخباراتية، وفقاً لمسؤولين اطلعا على تفاصيل الزيارة.

وقدّم مسؤولون استخباراتيون من الولايات المتحدة، الحليف الأمني الرئيسي لليابان، مشورة لليابان بشأن أنظمة الدفاع السيبراني وسبل مكافحة التجسس، بحسب ما أفاد به مصدران مطلعان على المناقشات لـ"نيويورك تايمز".

كما ناقش المسؤولون الأميركيون وسائل تشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية وعلى العملاء الأجانب العاملين داخل اليابان، وفقاً للمصدرين.

وزار رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) طوكيو مؤخراً، وبحث، من بين أمور أخرى، إنشاء الجهاز الياباني الجديد، وسبل تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، بحسب شخصين مطلعين على الزيارة.

كما قدم مسؤولون أستراليون المشورة بشأن التكنولوجيا، إضافة إلى استراتيجيات تساعد الوزارات المختلفة على التعاون وتبادل المعلومات، بحسب شيرر.

ذكريات اليابان الإمبراطورية

أثارت خطط تاكايتشي، التي تهدف إلى تركيز عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية تحت إشرافها، وتعزيز تبادلها بين المؤسسات الحكومية، انتقادات داخلية وخارجية، بما في ذلك من الصين، التي اتهمت طوكيو بإحياء النزعة العسكرية.

وقالت النائبة المعارضة ميزوهو فوكوشيما، إن عدم إنشاء جهاز استخبارات مستقل طوال العقود الثمانية الماضية كان خياراً "ينبع من التزام اليابان بأن تكون دولة سلمية تنبذ الحرب، ومن الدروس المستفادة من تاريخها".

وأضافت أن الجهاز الجديد "ينتهك الحق في الخصوصية وغيرها من الحقوق، ويمهد الطريق لقيام مجتمع قائم على المراقبة".

في المقابل، دافعت تاكايتشي وحلفاؤها عن المشروع، الذي يشكل جزءاً من حزمة إصلاحات مقترحة لمنظومة الأمن اليابانية. وتسعى رئيسة الوزراء إلى تشديد قوانين مكافحة التجسس، كما أعربت عن تأييدها لفكرة إنشاء جهاز استخبارات خارجية متخصص على غرار وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، علماً بأن اليابان تعد من بين عدد محدود من القوى الكبرى التي لا تمتلك جهازاً من هذا النوع.

ومن المتوقع أن يبدأ الجهاز الجديد، الذي تبلغ ميزانيته نحو 407 ملايين دولار، عمله بحلول ديسمبر، وأن يضم في مرحلته الأولى مئات الموظفين، بينهم مهندسو برمجيات ومحللو أمن سيبراني ومسؤولو ارتباط خارجي. وذكرت وسائل إعلام يابانية أن الجهاز يعتزم تنظيم اختبارات لتوظيف كوادر جديدة العام المقبل.

وسيكون الجهاز الجديد المحور الرئيسي لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها في اليابان، كما سيتولى تنسيق عمل نحو 33 ألف شخص يعملون في مجال الاستخبارات داخل أجهزة الدولة المختلفة، بما في ذلك الشرطة ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية.

وتضم اليابان بالفعل مكتباً تابعاً لمجلس الوزراء مكلفاً بتنسيق تدفق المعلومات، إلا أنه يفتقر إلى الصلاحيات التي تمكنه من إلزام الأجهزة المختلفة بتبادل التقارير الاستخباراتية.

وفي إطار التغييرات المقترحة من تاكايتشي، ستنشئ اليابان أيضاً مجلساً مستقلاً للاستخبارات، يتولى مهام مركز القيادة الرئيسي، برئاسة رئيسة الوزراء.

وقال متحدث باسم الأمانة العامة لمجلس الوزراء، في بيان، إن إنشاء جهاز الاستخبارات الجديد ضروري، في جانب منه، لمواجهة سرقة المعلومات السرية عبر الهجمات الإلكترونية، والتصدي لحملات التضليل الهادفة إلى التأثير في السياسات العامة.

وأضاف أن الحكومة تعمل على تقييم "أنشطة الكيانات الأجنبية وضمان أمن المعلومات في القطاعين العام والخاص".

جنة للجواسيس

تعود جذور مشكلات الاستخبارات اليابانية إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين جرى تفكيك جهازها الأمني الذي كان يوماً من أكثر الأجهزة قوة، في ظل الاحتلال الأميركي لليابان.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت طوكيو تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجال الاستخبارات الخارجية، بينما تراجع التأييد الداخلي لإنشاء جهاز تجسس مستقل بسبب التجاوزات التي ارتكبها جهاز الشرطة الخاصة "توكّو" قبل الحرب.

وخلال العقود التالية، اكتسبت اليابان سمعة باعتبارها "جنة للجواسيس"، إذ كانت الأجهزة الأمنية تعمل بمعزل عن بعضها، وكان من السهل التأثير في السياسيين والأكاديميين والصحافيين، فيما تمكن العملاء الأجانب من العمل بحرية، وفقاً لـ"نيويورك تايمز".

وفي عام 2013، شرع رئيس الوزراء الياباني الأطول بقاءً في المنصب، شينزو آبي، في إلغاء كثير من القيود التي فرضت بعد الحرب العالمية الثانية على الدفاع وجمع المعلومات الاستخباراتية.

وكان آبي، الذي اغتيل عام 2022 بعد مغادرة منصبه، يُعد أحد أبرز الموجهين السياسيين لتاكايتشي.

وبوصفهما من المحافظين المتشددين داخل الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم، تقاسم الاثنان قناعة مفادها أن اليابان أمضت وقتاً طويلاً في الاعتذار عن فظائع الحرب، بدلاً من إعادة بناء مؤسساتها الأمنية.

وأنشأ آبي مجلس الأمن القومي والأمانة العامة التابعة له، على غرار النموذج الأميركي، كما تبنى قانوناً لحماية أسرار الدولة بهدف الحد من سمعة اليابان باعتبارها دولة تعاني تسرب المعلومات. وكان يسعى إلى جعل اليابان دولة "طبيعية" قادرة على حماية نفسها والاضطلاع بدور عالمي أكثر تأثيراً.

وتواصل تاكايتشي السير على نهج آبي، إذ أنشأت حكومتها أيضاً لجنة مختصة بمراجعة الاستثمارات الأجنبية، على غرار لجنة مماثلة في الولايات المتحدة، للتصدي لسرقة التقنيات الحساسة.

ويرى محللون أن نجاح تاكايتشي سيعتمد على قدرتها على إزالة الحواجز داخل البيروقراطية اليابانية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها.

وتعكس هذه التحركات رغبة طوكيو في تعزيز سيادتها الأمنية في ظل تصاعد التوترات مع الصين. ومن المتوقع أن يواجه الجهاز الجديد تحديات تتعلق بالتنسيق بين الأجهزة القائمة وبناء الثقة مع الشركاء. كما أن دعم أستراليا الاستخباراتي يبرز أهمية التحالفات الإقليمية في هذا المجال.