صندوق النقد: الاقتصاد الفرنسي يظهر صلابة رغم تداعيات الحرب
أشاد الصندوق بقوة الاقتصاد الفرنسي رغم التحديات الخارجية، لكنه حذر من تأثير الحرب وارتفاع الأسعار على النمو والتضخم، داعياً إلى ضبط المالية العامة.
أفاد صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد الفرنسي أثبت مرونة في التعامل مع الصدمات المحلية والعالمية، لكنه أشار إلى أن الظروف أصبحت أصعب مع انتقال تأثيرات الصراع في الشرق الأوسط إلى النشاط الاقتصادي وزيادة تكاليف الطاقة، محذراً من أن هذه التطورات ستخفض النمو وتعيد التضخم.
تأتي توقعات الصندوق في وقت تسعى فيه فرنسا إلى موازنة دعم النمو مع خفض العجز بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية العالمية.
جاء ذلك في تقرير المشاورات السنوية الخاصة بالمادة الرابعة مع فرنسا، الذي وافق المجلس التنفيذي للصندوق على نتائجه في 17 يوليو (تموز)، ونُشر الأربعاء؛ حيث توقع الصندوق أن يتباطأ نمو الاقتصاد الفرنسي إلى 0.6 في المائة خلال عام 2026، مقارنة مع 0.9 في المائة عام 2025، قبل أن يتعافى تدريجياً إلى 0.9 في المائة عام 2027، و1.2 في المائة عام 2028.
وأشار الصندوق إلى أن تأثيرات الصراع بدأت تظهر على فرنسا بارتفاع أسعار الطاقة، مما زاد التضخم وأضعف الاستهلاك المحلي، مع بقاء حالة عدم اليقين الجيوسياسي خطراً رئيسياً على النمو.
وأشار إلى أن التضخم، الذي تراجع إلى 0.9 في المائة في عام 2025، من المتوقع أن يرتفع مجدداً إلى 2.3 في المائة خلال العام الحالي، بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، قبل أن ينخفض تدريجياً إلى 1.7 في المائة في عام 2027.
إشادة بإدارة أزمة الطاقة
ووصف صندوق النقد رد فعل الحكومة تجاه صدمة الطاقة بأنه ملائم، لكنه طالب بأن تكون أي تدخلات دعم جديدة «محدودة ومؤقتة وتستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، مع الإبقاء على حوافز السوق وضبط التكاليف المالية».
وفي الوقت نفسه، شدد الصندوق على ضرورة مواصلة ضبط المالية العامة، في ظل استمرار ارتفاع الدين العام والعجز المالي وضغوط الإنفاق، معتبراً أن الدورة الانتخابية المقبلة تمثل فرصة لوضع استراتيجية متعددة السنوات لتعزيز النمو وتحقيق الاستدامة المالية.
وحث المجلس التنفيذي السلطات الفرنسية على تنفيذ «ضبط مالي موثوق وصديق للنمو» يركز على ترشيد الإنفاق، بهدف خفض عجز الموازنة إلى أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.
الدَّين العام يواصل الارتفاع
وتنبأ الصندوق، بالرغم من تحسن الأرقام المالية في 2025، بارتفاع الدين العام إلى 118.5% من الناتج المحلي في 2026 مقابل 115.7% سابقاً، ثم إلى 120.3% في 2027 و121.1% في 2028.
كما توقع أن يبلغ عجز الموازنة 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، مقابل 5.1 في المائة في العام السابق.
إصلاحات لتعزيز النمو
وأكد الصندوق أن الإصلاحات الهيكلية الطموحة، سواء على المستوى الفرنسي أو الأوروبي، ستكون ضرورية لتعزيز مرونة الاقتصاد ورفع معدلات النمو، مشيداً بالإجراءات الرامية إلى تقليص القيود التنظيمية، وتحفيز التمويل الخاص، ودعم الابتكار والتحول الأخضر.
كما أوصى بمواصلة إصلاح سوق العمل من خلال تعزيز الحوافز على العمل، وتشجيع إطالة الحياة المهنية، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وتحسين دمج المهاجرين، إلى جانب تطوير المهارات بما يتماشى مع متطلبات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
القطاع المالي... متانة مستمرة
وأشار التقرير إلى أن القطاع المصرفي الفرنسي لا يزال يتمتع بقدر كبير من المتانة، وأن مخاطر الاستقرار المالي ما زالت تحت السيطرة بفضل قوة رؤوس الأموال والإشراف الرقابي الفعال، داعياً في الوقت نفسه إلى مواصلة مراقبة المخاطر المرتبطة بصناديق الاستثمار وتعزيز الجاهزية لمواجهة الهجمات السيبرانية.
مخاطر قائمة
وحذَّر صندوق النقد من أن المخاطر لا تزال تميل إلى الجانب السلبي؛ مشيراً إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط، أو حدوث تصحيح حاد في قطاع الذكاء الاصطناعي، أو تصاعد حالة عدم اليقين السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل، قد يؤدي إلى إضعاف النمو بصورة أكبر.
وفي المقابل، رأى الصندوق أن انحسار التوترات الجيوسياسية وعودة التوافق السياسي حول إصلاحات اقتصادية طموحة، بدعم من تنسيق أوروبي أعمق، من شأنهما تعزيز الثقة والاستثمار ودفع الاقتصاد الفرنسي إلى تحقيق نمو أقوى.
وتُعد فرنسا ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا، ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.3 تريليون دولار، بينما يشكل قطاع الخدمات أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي. وتعد السياحة والصناعات المتقدمة والطيران والمنتجات الفاخرة والطاقة النووية من أبرز ركائز الاقتصاد.
وخلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد الفرنسي تحديات متلاحقة، شملت تداعيات جائحة «كوفيد-19»، وأزمة الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، ثم تأثيرات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة. وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة لاحتواء الدين العام والعجز المالي، مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، في وقت يستعد فيه الاقتصاد لدخول دورة انتخابية قد تزيد من صعوبة تنفيذ الإصلاحات المالية والهيكلية.
يظهر التقرير أن الاقتصاد الفرنسي لا يزال هشاً أمام الصدمات الخارجية، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. وتوقعات النمو الضعيفة قد تثقل كاهل المالية العامة التي تعاني أصلاً من عجز مرتفع. وينصح الصندوق بإصلاحات هيكلية على المستويين المحلي والأوروبي لتعزيز التنافسية. ويرى مراقبون أن القرارات الحكومية بعد الانتخابات المقبلة ستحدد مسار الانضباط المالي.
المصدر الأصلي: aawsat.com
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.