تتابع تل أبيب عن كثب تصاعد العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، في ظل بقائها بمنأى عن الاحتكاك المباشر منذ اتفاق التهدئة الأخير، مع إبدائها استعداداً للعودة للمواجهة حال تبدل الموقف الأميركي المعارض لذلك، بينما ينذر اتساع رقعة الضربات الإقليمية بالرجوع لسيناريو الصراع المفتوح.

تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة تنعكس بصورة مباشرة على الحسابات الأمنية والدفاعية للاحتلال.

ولأول مرة منذ تجدد الصراع، أطلقت إسرائيل، الأحد، صواريخ اعتراضية بعدما اعتبرت أن شظايا صواريخ إيرانية أُطلقت باتجاه مدينة العقبة الأردنية، تهديداً محتملاً لمدينة إيلات.

وعلى الرغم من غياب المشاركة الإسرائيلية في الجولة الراهنة وعدم تعرضها لاستهداف إيراني مباشر، فقد تعهد وزير الدفاع يسرائيل كاتس يوم الأحد بـ"الرد بقوة" تجاه أي اعتداء إيراني محتمل.

وقال كاتس، في تصريحات أوردتها صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إنه "إذا أطلقت إيران صواريخ على إسرائيل، فسنهاجمها بكل قوتنا"، مضيفاً أن تل أبيب "مستعدة لاتخاذ إجراءات دفاعية وهجومية إذا تغير الموقف الأميركي".

من جانبه، أكد رئيس الأركان إيال زامير أن المؤسسة العسكرية تتابع بدقة الأحداث الجارية في إيران مع الحفاظ على أقصى درجات التأهب، مردفاً أن الجيش جاهز لاستئناف المعارك بلا توقف وبأقصى فاعلية ضد أي طرف يعتدي عليها.

وكانت الولايات المتحدة قد خاضت الحرب ضد إيران إلى جانب إسرائيل في أواخر فبراير الماضي، وسط تنسيق عسكري بين البلدين.

إلا أن هذه الحرب، ومع استمرارها، كشفت تبايناً متزايداً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية إدارة العمليات العسكرية، بل وحول جدوى مواصلتها.

وبرز هذا الخلاف الشهر الماضي عندما تبادلت إسرائيل وإيران الهجمات لأول مرة منذ هدنة أبريل، إذ أجرى ترمب اتصالاً بنتنياهو، طالبه خلاله بوقف التصعيد، معتبراً أن الولايات المتحدة كانت تقترب من التوصل إلى اتفاق مع إيران، حسبما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز"، الأحد، عن مسؤولين مطلعين على تفاصيل الاتصال.

ورغم معارضة إسرائيل، وقّع ترمب لاحقاً "مذكرة التفاهم" مع إيران لوقف القتال وبدء مفاوضات تهدف إلى إنهاء النزاع، إلا أن وقف إطلاق النار لم يدم طويلاً، قبل أن تستأنف واشنطن وطهران تبادل الضربات. ومنذ انهيار الهدنة، لم تشن إيران هجمات مباشرة على إسرائيل.

وكان نتنياهو قد حذر الأسبوع الماضي من أن إسرائيل ستلحق "أضراراً هائلة" بإيران إذا تعرضت لهجوم.

وقال خلال مؤتمر في جنوب إسرائيل: "أقول لقادة إيران، لا تراهنوا على أن الهدوء سيستمر إذا هاجمتمونا"، مضيفاً أن الرد الإسرائيلي سيكون "أقوى بكثير" مما كان عليه خلال الحرب، في وقت سابق من هذا العام.

دوافع نتنياهو لاستئناف الحرب

ووفق "نيويورك تايمز"، يمتلك نتنياهو دوافع سياسية وشخصية لاستئناف الحرب، في ظل اقتراب الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر.

ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي ضغوطاً داخلية، بينما يعتبر كثير من الإسرائيليين أن نتائج الحرب جاءت محدودة أو حتى مخيبة للآمال، في وقت لم تتحقق فيه أهداف معلنة، مثل القضاء على برنامج إيران النووي، أو تهيئة الظروف لإسقاط النظام الإيراني.

ووفق الصحيفة الأميركية، خرجت القيادة الإيرانية من الحرب "وهي لا تزال تحتفظ بقبضتها على السلطة"، فيما صمد برنامجها النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية أمام الضربات الأميركية والإسرائيلية، ولم يتناول الاتفاق الذي تفاوضت عليه واشنطن ملف دعم طهران لجماعات موالية لها في المنطقة، مثل "حزب الله" اللبناني.

وفي المقابل، يواجه نتنياهو معادلة معقدة تتمثل في الحفاظ على علاقته مع الرئيس الأميركي، الذي بات ينظر إلى الحرب باعتبارها عبئاً سياسياً متزايداً من دون مخرج واضح، إذ أن استئناف إسرائيل للحرب دون موافقة واشنطن، قد يعرّض علاقاتها مع أهم حلفائها للخطر.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين، أحدهما إسرائيلي وآخر أميركي، قولهما إن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل عزمها تصعيد هجماتها على إيران خلال الأيام المقبلة، مع تفضيلها في هذه المرحلة إبقاء إسرائيل خارج دائرة التصعيد الحالي.

وبحسب المسؤولين، ناقشت واشنطن وتل أبيب، في إطار المشاورات بينهما، احتمال أن تُقدم إيران على "كسر قواعد الاشتباك" عبر استهداف إسرائيل، وهو ما قد يستدعي رداً إسرائيلياً داخل إيران. إلا أن الولايات المتحدة لا ترغب في انخراط إسرائيل في التصعيد.

حشود أميركية إضافية في إسرائيل

ونقلت الولايات المتحدة خلال الساعات الأخيرة الماضية، معدات وذخائر إضافية إلى إسرائيل مخصصة للمقاتلات الأميركية، وذلك ضمن ترتيبات استباقية. كما وصلت إلى إسرائيل طائرات تزويد بالوقود جواً.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي لوكالة "رويترز"، الأحد، إن تل أبيب تستعد لاستقبال مزيد من طائرات التزود بالوقود الأميركية.

وأضاف المسؤول أن الولايات المتحدة قررت تعديل انتشار قواتها في المنطقة وتعزيز أسطول طائرات التزود بالوقود الموجودة بالفعل في إسرائيل بطائرات إضافية.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير آخر، إن عشرات الطائرات الأميركية للتزود بالوقود يُتوقع أن تصل إلى إسرائيل.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن الولايات المتحدة بدأت إرسال مزيد من الطائرات الحربية إلى المنطقة. وتشمل التعزيزات مقاتلات F-16 تابعة للقوات الجوية الأميركية قادمة من ألمانيا، ومقاتلات شبحية من طراز F-35 قادمة من بريطانيا، إضافة إلى طائرات أخرى للتزود بالوقود جواً.

 وذكرت "نيويورك تايمز"، أن أوامر إعادة انتشار الطائرات صدرت قبل الهجوم الإيراني الذي استهدف قوات أميركية في الأردن، الجمعة، وأودى بحياة جنديين من الجيش الأميركي، وفقدان عسكري ثالث وإصابة آخرين.

ومنذ اندلاع الصراع بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي، نشرت الولايات المتحدة عشرات طائرات التزود بالوقود في إسرائيل.

ولفت المسؤول العسكري الإسرائيلي، خلال حديثه لـ"رويترز"، إلى أن الولايات المتحدة، اختارت نشر بعض الطائرات في قواعد لسلاح الجو الإسرائيلي، إلى جانب مطارات تجارية، بهدف الحد من تعطيل حركة الطيران المدني وبناء على اعتبارات تشغيلية ولوجستية.

وكان موقع "أكسيوس" قد ذكر، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أن إدارة ترمب أبلغت إسرائيل بأنها سترسل عشرات الطائرات الإضافية قبل احتمال توسيع العمليات العسكرية ضد إيران.

وفي مايو الماضي، قال مسؤول بسلطة المطارات الإسرائيلية، إن نحو 70% من النشاط في مطار بن جوريون تأثر بسبب المساحات والموارد التي تشغلها الأنشطة العسكرية الأميركية.

ووفقاً لمتحدث باسم وزيرة النقل الإسرائيلية، ميري ريجيف، وافقت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين على نقل بعض الطائرات إلى قواعد عسكرية، بينما بلغ عدد الطائرات العسكرية الأميركية الموجودة في إسرائيل 98 طائرة حتى 25 يونيو الماضي.

تنعكس هذه المعطيات بوضوح على طبيعة التنسيق العسكري والاستراتيجي بين تل أبيب وواشنطن، خصوصاً مع وجود تباينات محتملة في تقدير الموقف بشأن أمد الصراع وطبيعته. وتظل الخطوات الإسرائيلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى استمرار الهدوء أو عودة التصعيد المتبادل بين الأطراف الفاعلة في الملف الإيراني. وتبقى الجهود الدبلوماسية والضغوط السياسية عناصر محورية في تحديد ما إذا كانت المواجهة ستتخذ طابعاً شاملاً أم ستنحصر في مسارات محدودة.