تواجه أسواق السندات العالمية موجة ضغط جديدة بفعل القفزة الأخيرة في أسعار الطاقة، مما يتسبب في خسائر للمستثمرين الذين كانوا يراهنون على انتهاء فترة البيع الحاد التي شهدتها الأسواق هذا العام، ويثير تساؤلات حول مصداقية السياسات النقدية للبنوك المركزية.

ويأتي هذا الضغط في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمية، مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة.

شهدت عوائد السندات الحكومية البريطانية القياسية هذا الأسبوع أطول سلسلة إغلاقات يومية فوق 5% منذ نحو عشرين عاماً، فيما بلغت عوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى لها منذ 2011، واقتربت نظيرتها اليابانية من مستويات لم تسجلها منذ التسعينيات.

كما استقر العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً دون أعلى مستوياته منذ عام 2007، في حين بلغت عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل هذا الأسبوع أعلى مستوياتها في أكثر من عام.

أكبر خسارة شهرية منذ مارس

بلغت موجة البيع حدة لترفع متوسط العائد على مؤشر بلومبرغ العالمي للسندات الحكومية إلى 3.68%، متجاوزاً الذروة التي سجلها قبل ثلاثة أعوام، ليكون أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. ويتجه المؤشر حالياً لتسجيل أكبر خسارة شهرية له منذ مارس.

يأتي الضغط المتزامن على عوائد السندات قصيرة وطويلة الأجل قبيل عطلة نهاية أسبوع قد تشهد مزيداً من التطورات الجيوسياسية. كما يُنتظر صدور سلسلة من قرارات البنوك المركزية المهمة الأسبوع المقبل، بما في ذلك مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان وبنك إنجلترا.

تداعيات تراجع أسعار السندات وارتفاع عوائدها ؟

ومن شأن استمرار موجة البيع في أسواق السندات أن يزيد المخاوف بشأن عدم استدامة مستويات الدين العالمية، ويرفع تكاليف اقتراض الشركات حول العالم، ويزيد خطر تحول المستثمرين بعيداً عن الأسهم.

وعلق تورستن سلوك، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى أبولو غلوبال مانجمنت في نيويورك، على ارتفاع العوائد في أسواق الدين السيادي قائلاً: "هناك العديد من القوى المماثلة التي تؤثر في السوق حالياً".

وأوضح "أسعار النفط ترتفع. وهذا يخلق مشكلات لبنك إنجلترا، كما يخلق مشكلات لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وبالمناسبة أيضاً للبنك المركزي الأوروبي".

توترات الشرق الأوسط تضغط على السندات

تعرضت أسواق الديون العالمية لضغوط حادة هذا العام بفعل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط. ففي حين تراجعت أسعار الخام في يونيو مع تبلوُر وقف لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، أدى تجدد الأعمال العدائية إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً هذا الشهر، مع صعود خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل يوم الخميس.

كما واجهت سوق السندات ضغوطاً جراء مرونة الاقتصاد الأميركي، في ظل استمرار قوة سوق العمل وأرقام النمو.

Sat, 27 2026

وقد ساهم ذلك في تغيير توقعات مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، لتتحول من خفض أسعار الفائدة إلى رفعها.

نهج رئيس الفيدرالي الجديد

كما بدأ المتداولون يستوعبون نهج رئيس الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، في إعادة هيكلة اتصالات البنك لتقليل التوجيهات المستقبلية، ما يزيد احتمالية حدوث أي تغيير في السياسة النقدية في وقت أقرب من المتوقع.

ارتفعت الرهانات على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يومي 28 و29 يوليو، إذ تشير الاحتمالات الضمنية في السوق حالياً إلى فرصة واحدة من أصل ثلاث (33%).

قال مارك كابانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى "بنك أوف أميركا": "نعلم أن وارش لا يريد تقديم توجيهات مستقبلية للسوق، وهذا أمر مقبول". "لكن في هذه الحالة ستكون لدى السوق قدرة أكبر على تسعير النتيجة التي ترى أنه ينبغي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي اتخاذها، أو تسعير نتيجة قد تدفع البنك إلى التفكير في رفع أسعار الفائدة".

قد يعني تقليص مجلس الاحتياطي الفيدرالي للتوجيهات المستقبلية أن قراره المقبل قد يشكل مفاجأة أياً كان الاتجاه الذي سيتخذه.

وقبل كل شيء، يتعين على وارش وزملائه إقناع الأسواق بأن البنك المركزي يُسيطر تماماً على التضخم.

مؤشر السندات يتراجع 20% عن الذروة

لا تزال صناديق السندات تعاني من التداعيات، بعدما تفاجأ صناع السياسات في العالم بحدوث موجة التضخم عقب جائحة كورونا. ولا يزال مؤشر "بلومبرغ" القياسي للسندات العالمية منخفضاً بنحو 20% من الذروة التي سجلها في أوائل عام 2021.

كتب محللون في بنك "باركليز"، من بينهم أنشول برادهان، في مذكرة بحثية يوم الخميس: "من شأن رفع الفائدة أن يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم سعر الفائدة النهائي عند مستويات أعلى، مما يؤدي إلى تقلص الفارق بين عوائد السندات القصيرة والطويلة الأجل "أما قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، إذا لم يتم شرحه بشكل جيد، فقد يؤدي على الأرجح إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل".

ضعف الين يرفع عوائد السندات اليابانية

كما تتراجع أسعار السندات في آسيا أيضاً. تواصل عوائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات صعودها وسط مخاوف من أن البنك المركزي لا يرفع الفائدة بالسرعة الكافية لكبح الضغوط التضخمية الناجمة عن تراجع الين.

اقرأ أيضاً : الين الياباني يتراجع إلى أدنى مستوى في 4 عقود مقابل الدولار

Thu, 23 2026

يأتي ذلك رغم إبداء صناع السياسات انفتاحاً على تسريع وتيرة رفع الفائدة، وذلك قبيل اجتماعهم المرتقب الأسبوع المقبل.

سيركز المتداولون في المملكة المتحدة على توقعات بنك إنجلترا وتعليقات المحافظ أندرو بيلي لتأكيد التوقعات برفع أسعار الفائدة مرتين بحلول نهاية العام. ويوازن البنك المركزي البريطاني بين مخاطر ارتفاع التضخم المدفوع بأسعار الطاقة وبين ضعف سوق العمل وتباطؤ النمو.

تُعد عوائد السندات القياسية في أستراليا الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة، مع وجود مخاطر تشير إلى إمكانية استمرار صعودها.

قد تعزز بيانات التضخم الأسبوع المقبل وخطاب محافظ بنك الاحتياطي الأسترالي ميشيل بولوك التوقعات برفع سعر الفائدة للمرة الرابعة هذا العام.

البنوك المركزية تقرر بناءً على بيانات تاريخية

قالت بوجا كومرا، الاستراتيجية لدى "تي دي سيكيوريتيز" (TD Securities) في لندن: "تواجه البنوك المركزية موقفاً معقداً، لأن كافة البيانات الاقتصادية المؤكدة باتت تقيس الأداء الماضي فقط". و"إنها في موقف صعب، وهذا وضعٌ يعاني منه العالم أجمع في الوقت الحالي".

كان صندوق 'آي شيرز لسندات الخزانة لأجل 20 عاماً فما فوق" التابع لشركة "بلاك روك" من بين أبرز المتضررين، ويستخدمه المستثمرون على نطاق واسع للاستثمار في أداء الديون الحكومية الأميركية طويلة الأجل.

تراجع سعر وثيقة الصندوق المتداول بما يقارب 5% خلال الشهر الماضي، لتتجاوز خسائره التراكمية نصف قيمته المسجلة في 2020.

قالت أتسي شيث، كبيرة مسؤولي الائتمان لدى "موديز ريتنغز" في نيويورك:"نعتقد أننا دخلنا مرحلة اقتصادية جديدة على المستوى الكلي". وهذا يعني "تضخماً أعلى بصورة هيكلية، وما يترتب عليه من أسعار فائدة مرتفعة، إلى جانب اتساع العجز المالي، واحتمال تفاقم حالة عدم اليقين العالمية وتحميل تبعاتها على الميزانيات الحكومية".

ويزيد استمرار موجة البيع في سندات الدين من المخاوف بشأن استدامة مستويات الدين العام في العديد من الدول، كما يرفع تكاليف الاقتراض للشركات والحكومات على حد سواء. وقد يدفع ذلك المستثمرين إلى إعادة توجيه استثماراتهم بعيداً عن الأسهم، مما يزيد الضغط على أسواق المال. ويراقب المحللون عن كثب قرارات البنوك المركزية الكبرى، خاصة الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، التي قد تتأثر بارتفاع التضخم الناجم عن زيادة تكاليف الطاقة. ومن شأن أي إشارة إلى تشديد نقدي إضافي أن يزيد من تقلبات السندات العالمية.