فتحت البيانات الرسمية الصادرة عن «هيئة الرقابة على الصادرات والواردات» باب التساؤلات بشأن واقع التصنيع المحلي، وذلك على خلفية الصعود الهائل في واردات الذهب المصرية خلال النصف الأول من العام الحالي والتي قفزت بأكثر من 15 ضعفاً.

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الأسواق المالية العالمية والمحلية تقلبات مستمرة تؤثر بصورة مباشر على خيارات المستثمرين والمدخرين.

وصلت قيمة المشتريات المصرية المستوردة من المعدن الأصفر في النصف الأول من 2026 إلى نحو 4.05 مليار دولار، مواجهةً بذلك الرقم المسجل في الفترة المقابلة من العام السابق البالغ 249.6 مليون دولار، ما يعكس نسبة صعود بلغت 1523.2 في المائة، بينما شكّلت هذه الواردات نسبة 8.42 في المائة من مجموع الاستيراد غير البترولي للبلاد لتعتلي صدارة قائمة السلع الأكثر استيراداً.

رئيس «شعبة الذهب والمجوهرات» بالاتحاد العام للغرف التجارية هاني ميلاد أرجع هذه الطفرة إلى «العرض والطلب في المقام الأول»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنه «مع زيادة الطلب محلياً على السبائك تتم زيادة الواردات لتلبية الطلب المحلي عبر التصنيع»، لافتاً إلى أن «نفس الفترة من العام الماضي شهدت زيادة في المعروض بدرجة كبيرة مما قلّص عمليات الاستيراد».

في حين أرجع نائب رئيس «شعبة الذهب» بالغرفة التجارية لطفي منيب زيادة الواردات من الذهب إلى «توجيه قطاع من المواطنين لجزء من مدخراتهم لشراء الذهب بالتزامن مع انتهاء الشهادات البنكية ذات العائد المرتفع بـ27 في المائة خلال الشهور الأولى من العام الجاري وانخفاض العائد، الأمر الذي انعكس على الأسواق بزيادة الطلب».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كثيراً من المواطنين فضّلوا شراء الذهب بمدخراتهم المالية باعتباره البديل الأنسب، مع النظر إلى الزيادات الكبيرة التي تحققت في العام الماضي، واستمرار الفائدة في الانخفاض بالبنوك».

كما أوضح أن «الذهب الخام المستورد يتم تصنيع السبائك منه، أما نصف المشغول فيتم استخدامه في بعض الموديلات المصنعة محلياً»، لافتاً إلى أن «الإقبال الأكبر ارتبط بتصنيع السبائك لتلبية الطلب عليها في الفترة الماضية كوسيلة للادخار مفضّلة لدى المشترين».

سبائك ذهبية ذات أوزان كبيرة (صفحة شركة «بي تي سي» على «فيسبوك»)

وفي السياق ذاته، بيّنت تقارير مجلس الذهب العالمي الصادرة بشهر أبريل الماضي نمو الإقبال على اقتناء العملات والسبائك الذهبية داخل السوق المصرية ليصل إلى 5.7 طن خلال الربع الأول من عام 2026 محققاً زيادة سنوية بنسبة 22 في المائة.

ويشير خبير أسواق الذهب أسامة زرعي إلى أسباب أخرى لزيادة الواردات المصرية من الذهب، وهي مرتبطة بـ«تنفيذ عمليات بيع جرت بخصومات كبيرة مع هبوط أسعار الذهب مما زاد الاستيراد». ويشرح: «شركات كبرى اشترت بأسعار أقل من سعر السوق، ومع التغيرات في سعر الصرف (الجنيه) نتيجة ضغوط الحرب الإيرانية أصبحت هناك مكاسب محققة للمستوردين».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «سوق المشغولات الذهبية في مصر بدأت تعاني منذ ما يزيد على عامين بسبب ضعف الإقبال على شراء المشغولات، في مقابل الإقبال الكبير على شراء السبائك كوسيلة للادخار وحفظ قيمة الأموال، وهو ما دفع بعض الشركات لإغلاق خطوط صناعة المشغولات الخاصة بها، والاكتفاء بتصنيع السبائك التي تنفذ سريعاً والمفضّلة لدى المواطنين».

ويوضح زرعي أن «دعم وتشجيع تصنيع المشغولات الذهبية محلياً بحاجة إلى تحركات على عدة مستويات مرتبطة بتوفير دعم للصناعة التي تحتاج لتسهيلات كثيرة لتكون لديها القدرة على المنافسة». ويشير إلى أن «الإقبال على شراء المشغولات المصنعة في مصر بالخارج جيد؛ لكن الصناعة نفسها تواجه عقبات».

السوق المصرية عانت من نقص في توافر السبائك الذهبية (صفحة شركة «بي تي سي» على «فيسبوك»)

كما يلفت الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن «قفزة الواردات من خام الذهب في صورته التي تحتاج للتصنيع تعكس بشكل واضح زيادة التصنيع المحلي لبعض المشغولات الذهبية بشكل عام والسبائك بشكل خاص». وتوقع «وجود زيادة في الصادرات من المشغولات والسبائك خلال النصف الثاني من العام الجاري بعدما أثرت الاضطرابات الناتجة عن الحرب الإيرانية على حركة التجارة العالمية».

ويضيف العمدة لـ«الشرق الأوسط» أن «زيادة التصنيع المحلي تنعكس على السوق المصرية التي باتت توفر السبائك والمشغولات المصنوعة محلياً مع وجود عدد من الشركات العاملة في السوق المصرية».

من جهته، يؤكد عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي» محمد أنيس لـ«الشرق الأوسط» أن «المصريين بالخارج لعبوا دوراً أيضاً في زيادة كميات الذهب المستوردة؛ لكون عدد ليس بالقليل من العاملين بالخارج يفضلون شراء الذهب بدلاً من العودة بمدخرات بالعملة الأجنبية». ويشير إلى أن هذا الأمر تزامن مع تسجيل تحويلات المصريين بالخارج أعلى أرقام في الربع الثاني من العام الجاري.

ووفق بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري مطلع الشهر الجاري، فإن تحويلات المصريين بالخارج سجلت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) الماضي «نحو 43.1 مليار دولار بنسبة زيادة وصلت إلى 31.2 في المائة».

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

تعكس هذه المؤشرات تحولاً واضحاً في سلوك المستهلكين نحو الأصول الآمنة وسط تحديات اقتصادية متشابكة. ويبقى قطاع الذهب في مصر رهناً لحركة أسعار الصرف ومستويات السيولة النقدية المتاحة في السوق. كما أن تركيز الشركات على إنتاج السبائك بدلاً من المشغولات يوضح مدى التغير في الأولويات الاستهلاكية. وتستمر مراقبة هذه المؤشرات لمعرفة مدى قدرة قطاع التصنيع المحلي على مواكبة حجم الطلب المتنامي.