الاقتصاد التشاركي حين يحتكر المشاركة
ثامر بن فهد السعيد
عادة ما نقرأ عن عمليات الاستحواذ بوصفها مجرد سباق نحو توسيع الحصة السوقية أو التوسع جغرافيا، غير أن بعض الصفقات تتجاوز هذا الإطار لتعلن عن تحول جوهري في طبيعة القطاع ذاته. وهذا ما تجسده صفقة استحواذ أوبر على دلفري هيرو، التي تقدر قيمة الشركة الألمانية بنحو 13 مليار يورو (14.8 مليار دولار)، أي 41.50 يورو للسهم. وبعد اكتمالها ــ في انتظار الموافقات التنظيمية المتوقعة في النصف الثاني من 2027 ــ ستظهر أكبر منصة لتوصيل الطعام خارج الصين، تعمل في 99 دولة، وبقيمة طلبات مجمعة تقارب 236 مليار دولار استنادا إلى بيانات 2025.
وتأتي هذه الصفقة في سياق تركيز متزايد لسوق المنصات الرقمية، حيث تتجه الشركات الكبرى إلى دمج الخدمات ضمن تطبيق واحد لتعزيز ولاء المستخدمين وزيادة الإيرادات لكل عميل.
ورغم ضخامة قيمة الصفقة، فإن أوبر لا تستحوذ على مطاعم أو أساطيل توصيل، بل تشتري شيئًا أكثر قيمة؛ قاعدة مستخدمين واسعة، وبيانات سلوكية متراكمة، وشبكة تشغيل تمتد عبر عشرات الأسواق. فالأصل الحقيقي في اقتصاد المنصات لم يعد السيارة أو الدراجة أو حتى المطعم، بل المستخدم الذي يفتح التطبيق يوميًا، والبيانات التي يولدها في كل عملية شراء.
وهنا يكمن التحول الجوهري. فعندما ظهر الاقتصاد التشاركي قبل أكثر من عقد، كان قائما على فكرة استغلال الأصول غير المستخدمة: سيارة خاصة، منزل، أو وقت فراغ لشخص يرغب في العمل. كانت المنصة مجرد وسيط يربط بين طرفين. أما اليوم فقد تحولت المنصة لتصبح السوق بذاتها، حيث تدير العلاقة بين جميع الأطراف، وتحدد ترتيب ظهور المطاعم، وآلية التسعير، وحوافز السائقين، والعروض الموجهة لكل عميل، مستندة إلى مليارات البيانات المتدفقة يوميا.
وهذا ما يمنح الشركات الكبرى ميزة يصعب منافستها، تعرف اقتصاديًا بـ"تأثيرات الشبكة". فكل عميل جديد يجذب مطاعم أكثر، وكل مطعم جديد يحسن تجربة العميل، فتزداد الطلبات، وتتحسن كفاءة توزيع السائقين، وتنخفض تكلفة التشغيل، لتدور الحلقة باستمرار. ومع مرور الوقت لا يصبح أكبر منافس هو الأكثر كفاءة فحسب، بل يصبح أيضًا الأصعب في منافسته، حتى دون أن يمارس احتكارًا بالمعنى التقليدي.
ولذلك لم يعد تقييم هذه الشركات يعتمد فقط على أرباحها الحالية، بل على قدرتها المستقبلية في الاحتفاظ بالمستخدم، ورفع متوسط إنفاقه، وإضافة خدمات جديدة داخل التطبيق نفسه؛ من النقل إلى الطعام، ومن البقالة إلى المدفوعات والاشتراكات. وكل خدمة جديدة تخفض تكلفة اكتساب العميل للخدمة التالية، وهو ما يفسر استعداد المستثمرين لدفع مليارات الدولارات مقابل هذه المنصات.
على الصعيد المحلي، لا تقتصر أهمية الصفقة على نقل ملكية "هنقرستيشن" إلى مظلة أوبر العالمية، بل تمتد إلى تأثيرها المحتمل على هيكل المنافسة في سوق يشهد دخول لاعبين أقوياء مثل جاهز وكيتا إلى جانب هنقرستيشن. وفي الأمد القريب، قد يستفيد المستهلك من تقنيات أفضل وعروض أكثر بفضل وفورات الحجم، لكن على الأمد الأبعد ستزداد أهمية دور الجهات التنظيمية في الحفاظ على المنافسة العادلة، وضمان ألا تتحول قوة البيانات وضخامة الشبكات إلى عائق أمام دخول منافسين جدد، أو إلى عامل يضعف القدرة التفاوضية للمطاعم والسائقين. فالمنافسة الحقيقية مستقبلا لن تكون على سرعة التوصيل، بل على من يملك بوابة الوصول إلى العميل.
ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي تحملها الصفقة. فالاقتصاد التشاركي لم يعد قائمًا على مشاركة الأصول كما كان عند ظهوره، بل أصبح قائمًا على امتلاك المنصة التي تدير تلك المشاركة. وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: عندما تصبح منصة واحدة قادرة على إدارة الطلب، وتوجيه المستهلك، وجمع البيانات، وربط النقل بالطعام والتجارة في تطبيق واحد، فهل ما زلنا أمام اقتصاد تشاركي يوسع الخيارات؟ أم أننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة، يكون فيها الاحتكار نتيجة طبيعية لحجم الشبكة، لا لحجم الأصول؟
الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME
وبذلك يبرز سؤال جوهري حول مستقبل الاقتصاد التشاركي: هل ما زالت المنصات مجرد وسطاء أم تحولت إلى محتكرين طبيعيين؟ ومع تزايد تركيز القوة السوقية، يصبح دور الهيئات التنظيمية أكثر أهمية لضمان بيئة تنافسية عادلة، خاصة في الأسواق الناشئة حيث تتسارع عمليات الدمج. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة مزيدا من التدقيق في مثل هذه الصفقات، نظرا لتأثيرها على المستهلكين والشركات الصغيرة.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.