الحرب تجفف إمدادات البلاستيك وتنعش تدوير النفايات في مصر
ملخص
تُعد منطقة الشرق الأوسط المصدر العالمي الأهم لمادة البولي إيثيلين، حيث يعبر نحو 85% من صادراتها مضيق هرمز.
وتعتمد صناعة البلاستيك العالمية بشكل كبير على الإمدادات القادمة من المنطقة، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبر المضيق ذا تداعيات واسعة.
في أزقة "حي الزبالين" في القاهرة، يتلقى بيتر روماني، العامل في إعادة التدوير، مكالمات متكررة من مصانع تبحث عن البلاستيك لتعويض نقص الإمدادات الناجم عن الحرب.
يُعدّ الشاب البالغ 25 سنة واحداً من بين مئات الأفراد والشركات المختصّة في إعادة تدوير النفايات وتصنيعها في كل أنحاء مصر، والتي استفادت أخيراً من الزيادة الكبيرة في الطلب على خلفية إغلاق مضيق هرمز، في خضمّ الحرب التي اندلعت في المنطقة بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي.
أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى اضطراب الأسواق العالمية، إذ يعبره جزء كبير من إمدادات النفط والغاز والمواد الخام للبلاستيك.
غير أنّه انعكس إيجاباً في حي منشية ناصر المترامي الأطراف في شرق القاهرة، حيث بَنَت أجيال من جامعي القمامة أحد أكثر أنظمة إعادة التدوير غير الرسمية تطوّراً في العالم.
يقول روماني لوكالة الصحافة الفرنسية، بينما كان واقفاً إلى جانب كُتل ضخمة من البلاستيك المضغوط "قبل الحرب، كنّا نحن الذين نتّصل بالمصانع كي نعرض عليهم خاماتنا (موادنا)"، مضيفاً "لكن ما إن اندلعت الحرب، تغيّر الوضع، وباتت المصانع هي التي تتواصل معنا وتسأل: ما الكمية الموجودة لديكم؟ وهل يمكنكم التسليم اليوم؟ هل يمكنكم تسليم كل ما لديكم؟ لم يحصل ذلك قَطّ سابقا".
أكثر من ثلث النفايات
تقع منشية ناصر، وهي منطقة ذات غالبية مسيحية قبطية تقطنها أكثر من 115 ألف نسمة، أسفل هضبة المقطم حيث تواجه القلعة التاريخية في القاهرة.
في هذه المنطقة، تجرى معالجة أكثر من ثلث نفايات العاصمة، وفقاً للأرقام الحكومية، وهناك، تعيش العائلات في المكان حيث تعمل، وغالباً ما يفصلها عن جبال النفايات درجٌ أو ستارة، الأمر الذي يعرّضها لروائح كريهة أو لأبخرة البلاستيك وغيرها من الأخطار الصحية.
في الطبقات السفلية، يعمل رجال على فرز المواد البلاستيكية والكرتون والورق والمعادن والزجاج في أكوام مرتّبة مخصّصة للورش والمصانع.
وفي الطبقات العلوية، ينكب الأطفال على الدراسة بينما تجهّز الأمهات الغذاء على صوت التلفزيون المسموع من غرف المعيشة الضيّقة، وكل ذلك وسط ضجيج آلات تقطيع وضغط النفايات المُفرزة الصادر من الأسفل.
وفي الأزقة الضيقة، تنتشر رائحة النفايات بكثافة في الهواء بينما تتحرّك شاحنات النقل والعربات الصغيرة لتفرغ حمولة القمامة التي تُجمَع يومياً، وحيث يركض الأطفال وهم يطاردون كرات القدم.
النقد مقدّماً
يتخصّص روماني في منتج متعدّد الإيثيلين (polyethylene) المُعاد تدويره، وهو أحد أكثر أنواع البلاستيك استخداماً في العالم ومكوّن رئيس في التعبئة والتغليف.
وبحسب "مجموعة خدمات معلومات السلع المستقلة" المعنية بالتسعير، يُعَدّ الشرق الأوسط مورداً عالمياً رئيساً لمتعدّد الإيثيلين، الذي تمر نسبة 85 في المئة تقريباً من صادراته عبر مضيق هرمز.
وتستورد مصر نحو 40 في المئة من موادها البلاستيكية الخام، بشكل رئيس من دول الخليج وأوروبا والصين وكوريا الجنوبية، وفقاً لغرفة الصناعات الكيماوية.
وأفاد ثلاثة عاملين في المجال، بأن أسعار مواد التغليف والبلاستيك تضاعفت أكثر من مرتين بالنسبة إلى بعض المنتجات، مما دفع المصنّعين نحو البدائل المُعاد تدويرها محلياً.
اقرأ المزيد- التخلص من القمامة في مصر عمل شاق
- خطر البلاستيك على صحة الإنسان سيتفاقم في الأعوام المقبلة
- هل تدفع مصر فاتورة التوترات في مضيق هرمز؟
ويقول رزق يوسف الذي يتولى بشكل أساس إعادة تدوير مادة "بولي إيثيلين تيريفثالات" (PET) البلاستيكية المستخدمة على نطاق واسع في تعبئة المشروبات وتغليف المواد الغذائية، إن "المصانع التي اعتادت التأخّر في الدفع، باتت تدفع نصف المبلغ نقداً مقدماً والنصف الآخر عن طريق شيكات، لأنها تريد أن تضمن الحصول على الخامة (المادة)"، ويضيف أن "الطلب زاد بنسبة 200 في المئة"، مشيراً إلى أن أسعار بعض أنواع البلاستيك المعاد تدويره ارتفعت بنسبة تصل إلى 60 في المئة.
طفرة موقتة؟
انعكس الاضطراب في الأسواق العالمية إيجاباً على الشركات المحلية المعنية بسلسلة التصنيع.
وتقول المديرة التنفيذية لمصنع في مدينة السادات مُختص بصناعة البوليستر الكيماوي من الزجاجات البلاستيكية المستعملة، فيروز السيد "نحن نعمل في هذا المجال منذ 16 عاماً"، مضيفة أنهم لم يتمكنوا من اختراق أسواق جديدة بعيدة مثل البرازيل، إلا منذ الأزمة الأخيرة.
من جانبها، تشير نسمة العريف التي تعمل في قسم التسويق والمبيعات في شركة متخصصة بتحويل النفايات البلاستيكية إلى مواد تغليف جديدة، إلى أن الطلب على منتجات الشركة المعاد تدويرها ارتفع بنسبة نحو 40 في المئة.
وتقول "شهدنا زيادة كبيرة في الطلب... خصوصاً من شركات الأغذية والمشروبات، لأننا نقدّم بديلاً متوافراً عن الخامات المستوردة".
على رغم المكاسب، يعتقد العاملون في القطاع أن الازدهار قد يتلاشى بمجرد استقرار طرق الإمداد.
ويشير يوسف إلى أن انخفاض الأسعار والطلب بدأ بعد فترة وجيزة من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهر الماضي أن المفاوضات مع إيران تتقدم، ويضيف "بعد منشور واحد فقط (لترمب على وسائل التواصل الاجتماعي)، شهدت الأسواق هدوءاً... بعد الحرب أنا لست متأكداً من أن هذا الوضع سيستمر أم لا".
غير أن ترمب أعلن في وقت سابق من هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة ستعيد فرض حصارها على الموانئ الإيرانية و"السيطرة" على مضيق هرمز، وذلك في ظل تجدد التصعيد مع طهران.
وبعد ذلك، عادت الطلبات إلى مستوياتها السابقة، بحسب روماني ويوسف.
ويقول يوسف "لقد اعتدنا على الأمر"، مضيفاً "ما إن تحصل مشكلة هناك، إلا ويبدأ الزبائن بالاتصال بنا".
وتسلط هذه الأزمة الضوء على أهمية منظومات إعادة التدوير غير الرسمية في مصر والدور الذي يمكن أن تلعبه في مواجهة نقص المواد الخام. كما تثير تساؤلات حول قدرة هذه القطاعات على الاستمرار في تلبية الطلب المتزايد في ظل تحديات صحية وبيئية قاسية يعاني منها العاملون في هذا المجال.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.