ملخص

تمكنت سوريا من تحقيق موسم قمح استثنائي، حيث تجاوز الإنتاج 2.5 مليون طن، وتم تسويق أكثر من مليوني طن، مما يعزز الأمن الغذائي ويقلص الاعتماد على الاستيراد.

يأتي هذا الموسم القياسي في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى تعزيز مخزونها الاستراتيجي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، الذي يشكل غذاءً رئيسياً للسكان.

في وقت تشير فيه التوقعات إلى أن إنتاج القمح هذا العام يقدر بـ2.5 مليون طن، أعلنت الحكومة السورية تمكنها من تسويق 2.08 مليون طن منذ بداية موسم الحصاد، مقابل تسويق 900 ألف طن عام 2025، والرقم مرشح للزيادة مع استمرار عمليات بيع المزارعين القمح للدولة، مما اعتبرته وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مؤشراً قوياً إلى وفرة الإنتاج هذا العام، وسط توقعات بتعزيز المخزون الاستراتيجي ودعم الأمن الغذائي في البلاد.

تبلغ المساحة المزروعة بالقمح هذا الموسم نحو مليون و268 ألف هكتار، وتنتشر في 11 محافظة، تتصدرها الحسكة التي سلمت حوالي 900 ألف طن ويتجاوز إنتاجها مليوناً و200 ألف طن، تليها الرقة بـ341 ألف طن تقريباً، ثم حلب بـ262 ألف طن.

الأقماح التي تم تسويقها توزعت بنسبة 54.4 في المئة، أي مليون و129 ألف طن، للقمح الطري (المخصص لصناعة الخبز)، والبقية قمح قاسٍ بنسبة 45.6 في المئة، تعادل 947 ألف طن.

يعود الفضل في هذه القفزة الإنتاجية إلى تحسن هطول الأمطار بعد موسم جفاف قاس أثر على المحاصيل السابقة وأدى إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى عودة محافظات رئيسية في الشمال والشمال الشرقي مثل الحسكة والرقة إلى دائرة الإنتاج.

هذا التطور في إنتاج القمح جاء بعد أعوام من تراجع المحاصيل بسبب الجفاف وقلة الأمطار، إذ قدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بنحو 1.2 مليون طن، تم تسويق 900 ألف طن منه، أي أقل من المتوسط بأكثر من 60 في المئة، وذلك بسبب تراجع الأمطار عن معدلاتها الطبيعية بأكثر من 50 في المئة.

وكانت الحكومة السورية حددت سعر طن القمح بـ333 دولاراً، مما أثار استياء الفلاحين، معتبرين أن هذا السعر لا يغطي كلفة الإنتاج المرتفعة، مما استدعى تدخل الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أصدر مرسوماً بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة، تعادل 80 دولاراً وفقاً لسعر الصرف آنذاك، وتضاف هذه المكافأة إلى سعر الشراء الأساس الذي حددته الحكومة.

سوريا تحتاج يومياً إلى 4500 طن طحين لتأمين خبز سكانها

وأكد محللو الاقتصاد في حديثهم لـ"اندبندنت عربية" أن موسم القمح والحبوب هذا العام كان جيداً بصورة عامة، وإذا ما استمر تحسن الأمطار في الموسم المقبل، فإنه سيمكن سوريا من امتلاك القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح بنسبة كبيرة، خصوصاً أن القمح يشكل الغذاء الرئيس للسكان، إذ يصل استهلاك سوريا اليومي من الطحين إلى 4500 طن، تنتج 4 ملايين و380 ألف ربطة خبز يومياً، وتراوح حصة الفرد اليومية من الخبز بين 250 و500 غرام، وتتصدر مدينة حلب قائمة المحافظات الأكثر استهلاكاً للخبز بسبب كثافتها السكانية وازدياد اعتماد السكان عليه بوصفه مكوناً رئيساً للغذاء.

وكانت الحكومة رفعت سعر ربطة الخبز من 400 ليرة (3 سنتات) إلى 4 آلاف ليرة (30 سنتاً)، بعد سقوط النظام البائد، وفي منتصف يونيو (حزيران) الماضي خفضت عدد الأرغفة في الربطة الواحدة من عشرة إلى ثمانية أرغفة فحسب، بعدما كان قد انخفض سابقاً من 12 إلى 10 أرغفة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، لمواجهة ارتفاع كلفة إنتاجها.

ويأتي إنتاج الخبز من المخابز العاملة تحت إشراف المؤسسة السورية للمخابز الحكومية، التي تحتاج إلى 2220 طناً من الطحين يومياً لإنتاج نحو 2.16 مليون ربطة خبز يومياً، فيما تستهلك المخابز الخاصة 2280 طناً من الطحين، بما يعادل 2.22 مليون ربطة.

صياغة برامج دعم لتحفيز الفلاحين وربط التسعير بالدولار

ورأى المتخصص في الشؤون الزراعية راشد زيتون أن الكميات التي تمكنت الحكومة من تسويقها حتى الآن تشكل مؤشراً مهماً لاستعادة الاكتفاء الذاتي من القمح وبقية الحبوب التي تشتهر بها سوريا، كالعدس والحمص، لذلك يجب اعتبار ما تحقق هذا العام بمثابة محفز لرسم خطط التوسع في زراعة القمح بتمعن، وضمن خطط دقيقة تستهدف الاستغناء عن الاستيراد نهائياً، ولكن الأهم هو صياغة آلية لكلف الإنتاج بما يبدو مناسباً للمزارعين والفلاحين جميعاً، ومن دون استثناء، بحيث تضمن الربح والجدوى للكبير والصغير منهم.

أضاف زيتون أنه يجب على الحكومة، ومنذ الآن، دراسة كلفة الإنتاج والعمل على دعم الفلاح، سواء من خلال أسعار مدخلات الإنتاج، خصوصاً الأسمدة والمبيدات التي تأثرت بإغلاق مضيق هرمز، أو من خلال تأمين تمويل موسمي غير مرهق له، والعمل على تعزيز القروض الحسنة وتوسيعها بما يمكن معه استهداف الفلاحين في كل المحافظات المنتجة.

اقرأ المزيد

وحذر زيتون من أن تسعير القمح ودفع ثمنه للفلاحين بالليرة السورية سيؤثر في أوضاعهم، خصوصاً في ظل عدم استقرار سعر الصرف، ورأى أن الأفضل ربط سعر القمح بالدولار لضمان عدم خسارة الفلاحين، بخاصة أن غالب كلفة الإنتاج الزراعي مرتبطة بالدولار، مثل البذار والأسمدة والأدوية الزراعية، لافتاً إلى أنه كان قراراً صائباً أن تقوم الحكومة بتسعير الوقود بالليرة السورية، وإلا لكانت كلفة النقل والحصاد أكثر إرهاقاً للفلاحين والمزارعين.

وشدد المتخصص الزراعي على أنه كلما تمكن الفلاح من ضمان أرباح جيدة من محصوله، فإن ذلك يعني أنه سيبادر إلى توسيع إنتاجه في الموسم المقبل، وبالمحصلة فإن ذلك يعني أن سوريا قد استعادت موقعها في إنتاج القمح بعدما تراجع بصورة حادة خلال أعوام الحرب، وحولها إلى دولة مستوردة تدفع مئات الملايين من الدولارات سنوياً، أي أكثر من نصف مليار دولار، لتأمين حاجات شعبها من القمح والخبز.

تقسيط ثمن القمح ليس في مصلحة المزارع

وعمدت الحكومة السورية هذا العام إلى تنظيم عمليات تسلم القمح من الفلاحين عبر منصة رقمية بهدف تحسين إدارة تسويق محصول القمح، إذ يقوم المزارع بحجز موعد إلكتروني لتسليم قمحه، ثم تقوم مؤسسة الحبوب بتحويل ثمن أقماحه عبر تطبيقات مثل "شام كاش"، الذي انتشر في البلاد بعد سقوط النظام البائد، أو من خلال فروع المصارف الحكومية.

وقال المحلل الاقتصادي السوري معن الحسين إن الإجراءات التنظيمية التي اتبعتها الحكومة لتنظيم شراء القمح وخلق قنوات للتسديد تبدو جيدة، وتعبر عن حسن إدارة أهم محصول غذائي في البلاد، ولكن اللجوء إلى تقسيط ثمن القمح أدى إلى خلق حال من الإرباك لدى الفلاحين الذين يبدون في حاجة إلى الحصول على ثمن إنتاجهم كاملاً، محذراً من أن تؤدي سياسة التقسيط إلى زعزعة الثقة بين الحكومة والفلاحين، بخاصة إذا طال أمد صرف المستحقات لأشهر، مما قد يسبب أزمة سيولة لدى الفلاحين في وقت يحتاجون فيه إلى المال لتسديد ديون الموسم الحالي والاستعداد للموسم المقبل.

الدعم والأمطار يمكن أن يوصلا الإنتاج إلى 4 ملايين طن

ووصف المتخصص السوري إنتاج سوريا من القمح، الذي تجاوز 2.5 مليون طن، بالمعجزة التي تحققت بعد مواسم قاسية من الجفاف وقلة الأمطار وهجرة الفلاحين لأراضيهم، قائلاً "اليوم لدى سوريا فرصة لرفع إنتاجها إلى 3 ملايين، ثم 4 ملايين طن خلال الأعوام الخمسة المقبلة، إذا كانت مواسم الأمطار جيدة، وكان نظام الري متطوراً وقادراً على تلبية حاجات المحصول في شقه المروي بطريقة علمية ومرشدة، إلى جانب تبني سياسات داعمة للقطاع الزراعي".

وأكد أنه لا خيار أمام الحكومة إلا دعم الزراعة والمزارعين إذا ما أرادت تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والحبوب في الأعوام المقبلة والاستغناء عن الاستيراد، مشيراً إلى أن دعم زراعة القمح محلياً أرخص وأقل كلفة على الحكومة من الاستيراد الخارجي على المدى الطويل، إذ علينا أن ننظر إلى الأمر من زواياه المتعددة، فما يمكن أن تدفعه الدولة من دعم للمزارعين لن تجني مقابله قمحاً يكفي حاجة البلاد فحسب، بل إن الجني الحقيقي هو في تنمية وتطوير الريف السوري، وخلق دوران في الاقتصاد المحلي ككل، وخلق فرص للتعافي والاستقرار في المجتمعات المحلية من خلال توفير فرص العمل، وكل ذلك يأتي في سياق امتلاك القرار الغذائي، خصوصاً في أوقات الأزمات، فمن يزرع القمح لا يجوع ولا يصادر قراره، بحسب تعبير المتخصص السوري.

ويذكر أن 50 إلى 55 في المئة من المساحات المزروعة بالقمح في سوريا تعتمد كلياً على مياه الأمطار، أي الزراعة البعلية، وتختلف نسبة الإنتاج بحسب كميات الأمطار، في حين تزرع البقية بالري، اعتماداً على الأنهار والسدود.

وكانت سوريا شهدت أخيراً عودة لافتة للاهتمام بزراعة القمح البلدي (المحلي) بعد انقطاع طويل دام نحو أربعة عقود، ونفذت هذا المشروع مجموعة مجتمعية في مدينة طرطوس الساحلية للحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل السورية.

ومع استمرار تحسن الأمطار، قد تتمكن سوريا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح بنسبة كبيرة، خاصة أن القمح يشكل أساس الغذاء اليومي. إلا أن التحديات لا تزال قائمة، إذ أثار تحديد سعر الشراء بـ333 دولاراً للطن استياء الفلاحين، مما دفع الرئيس أحمد الشرع إلى إصدار مكافأة تشجيعية. ويستهلك السوريون يومياً حوالي 4500 طن من الطحين، مما يجعل أي تقلبات في الإنتاج تؤثر مباشرة على الأمن الغذائي.