أسبوع باريس يحتفي بالحرفة العربية.. وتصاميم تحمل إرثاً ثقافياً برؤية عالمية
اختتام عرض أزياء المصمم اللبناني إيلي صعب موسم خريف وشتاء 2026-2027 في أسبوع الأزياء الراقية في باريس. Credit: Photo by Victor Boyko/Getty Images

تتألق منصات أسبوع الأزياء الراقية بباريس كل موسم كفضاء يلتقي فيه الحرف اليدوية التقليدية مع الرؤى الإبداعية الجريئة، حيث تسعى بيوت الأزياء إلى تقديم تصاميم تتجاوز الجماليات إلى استكشاف قضايا الهوية والذاكرة والطبيعة والخيال.

وتأتي هذه المشاركات العربية في سياق تنامي حضور المصممين من الشرق الأوسط على الساحة العالمية، حيث يمزجون بين التراث المحلي والتقنيات العصرية.

خلال موسم خريف وشتاء 2026-2027، واصل المصممون العرب حضورهم في هذا المشهد العالمي من خلال مجموعات حملت توجهات متنوعة، جمعت بين تقنيات صناعة الكوتور الدقيقة والإرث الثقافي، مع البحث عن لغة تصميم معاصرة تعكس خصوصية كل دار أزياء.

أقنعة ملوّنة وغريبة في عرض إيلي صعب الباريسي.
أقنعة ملوّنة وغريبة في عرض إيلي صعب الباريسي. Credit: Photo by Victor Boyko/Getty Images

قدّم المصمم اللبناني إيلي صعب مجموعة استندت إلى التوازن بين القصات الانسيابية والبنى الهندسية، من خلال فساتين ضيقة بقصّة حورية البحر، وتصاميم واسعة بطابع ملكي، إلى جانب بدلات التوكسيدو المصممة للنساء والرجال.

تنوعت الألوان بين الباستيل الناعم والعنابي والأسود والأرجواني والأزرق العميق، بالإضافة إلى التدرجات المعدنية كالفضي والذهبي والشمبانيا. وبرزت الأقمشة المنسدلة والتطريزات الفاخرة واللآلئ والكريستال كعناصر محورية في التشكيل.

حضور لافت للأقمشة المنسدلة والتطريزات الغنية واللآلئ والكريستال.
حضور لافت للأقمشة المنسدلة والتطريزات الغنية واللآلئ والكريستال.Credit: Photo by Victor Boyko/Getty Images

أما المصمم السوري رامي العلي، فقد استند في مجموعته إلى الروابط الثقافية التي تشكلت عبر التاريخ في المنطقة العربية، مستلهماً عناصر من الحرفية التقليدية، والعمارة، والإرث الفني.

اعتمد العلي على مفهوم الانتقال من العتمة إلى الضوء، مستحضراً مشاهد الفجر في المنطقة، من ألوان الصحراء إلى انعكاسات الضوء على مياه الخليج. وترجم هذه الفكرة عبر تصاميم تجمع بين البنية الهندسية والخطوط الانسيابية، مع قصّات منحوتة وتفاصيل حرفية دقيقة.

حملت مجموعة رامي العلي عنوان "خيوطٌ من نور: فجرٌ جديد" في أسبوع الأزياء الراقية بباريس.
حملت مجموعة رامي العلي عنوان "خيوطٌ من نور: فجرٌ جديد" في أسبوع الأزياء الراقية بباريس. Credit: Photo by Benjamin Cremel/Getty Images

برز حضور الضوء كعنصر بصري أساسي في المجموعة من خلال التطريزات والزخارف اللامعة والخامات ذات التأثيرات البراقة، فيما استندت لوحة الألوان إلى درجات مستوحاة من لحظات شروق الشمس، شملت البيج الرملي، والعاجي، والذهبي بدرجاته المختلفة، إلى جانب الانعكاسات المعدنية الهادئة.

وتحدث رامي العلي عن دلالات مجموعته لدى CNN بالعربية قائلاً: "تعكس كل مجموعة كوتور محطة في مسيرتي"، وأضاف: "على الصعيد الإبداعي، تعكس هذه المجموعة رغبتي في تكريم غنى إرثنا الثقافي المشترك، مع إعادة تقديمه من خلال رؤية معاصرة للهوت كوتور، بينما على الصعيد الشخصي، فهي تجسد معاني الصمود، والتجدد، والإيمان بأن الجمال والأمل يحضران دائمًا".

رامي العلي وتصاميم تستحضر مشاهد الفجر في المنطقة العربية، من دفء الرمال الصحراوية إلى انعكاسات النور على مياه الخليج.
رامي العلي وتصاميم تستحضر مشاهد الفجر في المنطقة العربية، من دفء الرمال الصحراوية إلى انعكاسات النور على مياه الخليج.Credit: Photo by Behrouz MEHRI / AFP via Getty Images

أما من الصحراء فقد استمد المصمم اللبناني طوني ورد مصدر إلهام مجموعته "همسات الكثبان"، التي ركزت على التحولات البصرية للطبيعة من خلال تقنيات التشكيل النحتي للأقمشة، والثنيات ذات الطابع الهندسي، وتفاصيل الكروشيه، إلى جانب التطريزات اللامعة.

ركّزت مجموعة المصمم اللبناني طوني ورد على الحرفية اليدوية بشكل واضح.
ركّزت مجموعة المصمم اللبناني طوني ورد على الحرفية اليدوية بشكل واضح. Credit: Photo by Benjamin Cremel/Getty Images

وكشفت المجموعة عن تركيز واضح على الحرفية اليدوية، حيث جمعت التصاميم بين الحركة، والملمس، والدقة في التنفيذ، فيما عكست القطع أكثر من 800 ساعة من العمل اليدوي داخل مشاغل دار الأزياء، في إشارة إلى الوقت والمهارة التي تتطلبها صناعة الأزياء الراقية.

عارضات طوني ورد في الكواليس.
عارضات طوني ورد في الكواليس. Credit: Photo by Francois Durand/Getty Images

وعن تطور رؤيته الإبداعية منذ تقديم أول مجموعة "كوتور" في باريس حتّى اليوم، قال ورد لموقع CNN بالعربية: "عندما قدمت أول مجموعة "كوتور" في باريس، كان تركيزي منصباً على التعبير عن الإبداع من خلال الحرفية الراقية، الأمر الذي لم يتغير. لكن ما تطور هو الطريقة التي أروي بها القصص. اليوم، تبدأ كل مجموعة بعاطفة أو فكرة تنمو لتتحول إلى عالم متكامل، حيث يحمل كل تصميم، وتقنية، وتفصيل غاية ومعنى. ومع ذلك، يبقى جوهر هوية الدار ثابتاً، وهو الاحترام العميق لفن الهوت كوتور وللحرفيين الذين يقفون خلفه".

تداخل الأقمشة المتباينة في عرض ورد.
تداخل الأقمشة المتباينة في عرض ورد. Credit: Photo by Benjamin Cremel/Getty Images

في المقابل، استند المصمم اللبناني جورج حبيقة في مجموعته إلى حوار بين الدقة المعمارية والخفة، حيث ظهرت التصاميم باستخدام الدانتيل، والساتان، والحرير، والأورغانزا، إلى جانب التطريزات الغنية والخرز المتلألئ واللمسات اللامعة التي أضافت بعداً بصرياً للإطلالات.

ثنائيّة الدقة المعمارية والخفة في مجموعة المصمم اللبناني جورج حبيقة.
ثنائيّة الدقة المعمارية والخفة في مجموعة المصمم اللبناني جورج حبيقة. Credit: Photo by GEOFFROY VAN DER HASSELT / AFP via Getty Images

وغلب اللون الأسود على أولى تصاميم اللبناني زهير مراد، مع قماش المخمل في الفساتين الطويلة والعباءات الواسعة، قبل الانتقال تدريجياً إلى تصاميم أكثر إشراقاً تضمنت تنانير مزينة بالورود وتطريزات براقة.

حافظ مراد على التطريز اليدوي والخرز اللامع والقصات التي تبرز القوام، مع تصاميم جمعت بين الخامات الداكنة والعناصر المزينة بالفراشات، في انعكاس لفكرة التناقض التي رافقت المجموعة.

شكّلت الفراشات عنصرًا أساسيًّا في عرض المصمم اللبناني زهير مراد.
شكّلت الفراشات عنصرًا أساسيًّا في عرض المصمم اللبناني زهير مراد. Credit: Photo by Laurent Hou / Hans Lucas / AFP via Getty Images

بدورها، استكشفت مجموعة المصمم السعودي محمد آشي مفاهيم الهوية، والتحول، والإخفاء، عبر تصاميم جمعت بين القصات النحتية والخامات الدرامية. وظهرت هذه الرؤية من خلال استخدام الريش، والكورسيهات النحتية، والبنى المستوحاة من الأصداف، والطرح، والشراريب، واللمسات اللامعة.

كما ساهمت قصات الخصر الضيقة والأحجام المبالغ بها في تقديم إطلالات تتجاوز الشكل التقليدي للجسد، لتقترب من عوالم خيالية تمزج بين العناصر الإنسانية والطبيعية.

ويُظهر هذا الموسم استمرار اهتمام دور الأزياء العربية بالحرفية اليدوية والتفاصيل الدقيقة، مما يعكس تنافسها في سوق الكوتور العالمي. كما أن الاقتباس من عناصر الطبيعة كالصحراء والبحر والشمس يؤكد على ارتباط هذه التصاميم بالجغرافيا والمناخ، ويعزز فكرة تجسيد الهوية الثقافية في أعمالهم.