«لأولئك الذين يسخرون من وضع السينما ليس أمامهم سوى دخول صالة تعرض فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان ليدركوا أن السينما ليست على فراش الموت، بل إنها تستطيع دوماً أن تولد من جديد، ويمكنها أيضاً أن تلد رؤية الإلهام».

تأتي هذه الدورة في وقت تتنافس فيه كبرى المهرجانات السينمائية العالمية على تقديم إنتاجات نوعية تستقطب اهتمام النقاد والجمهور على حد سواء.

جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها رئيس مهرجان ڤينيسيا السينمائي ألبرتو بباربيرا أمام وسائل الإعلام قبل يومين، للإعلان عن تفاصيل الدورة الـ83 للمهرجان الأقدم عالمياً، المقرر تنظيمها في الفترة بين 2 و12 من الشهر التاسع من العام الحالي.

السينما أداة لفهم العالم

حرص المهرجان الإيطالي على حشد ما يثبت هذا القول أثمر عن عشرات الأفلام التي لا يستطيع الناقد أو السينمائي تجاهلها موزّعة في 7 أقسام متوازية تقودها مسابقة مؤلّفة من 20 فيلماً لأسماء مختلطة ما بين مخرجين ذوي خلفيات تشهد بتاريخ كل منهم البارز وبين جدد يطأون ميدان السينما بأعمال تعكس جدّية محاولاتهم.

وأوضح باربيرا في تصريحاته أن الأعمال المختارة تمثل ح,وعاءً فكرياً يبرز دور السينما كوسيلة استثنائية لفهم الواقع المعيش، لافتاً إلى أن الأفلام تعكس بداخلها أبرز الأزمات والقضايا التي تشغل العالم المعاصر.

واحدة من مزايا مهرجان ڤينيسيا هي أن أفلام الافتتاح أجدى وأفضل من أفلام افتتاح مهرجاني برلين وكان اللذين يؤلّفان، مع هذا المهرجان الإيطالي، المناسبات الرائدة في عالم المهرجانات. افتتاح برلين في دورته السادسة والسبعين (فبراير/ شباط الماضي) كان الفيلم الألماني - الأفغاني «لا رجال صالحون» الذي حاول الانتماء إلى سينما الحدث السياسي، لكنه لم يكن ذلك العمل الجيد والموحي بقدر ما كان الفيلم الذي يحاول طرح موضوعه بإلحاح.

أما «كان» فقد اختار فيلماً لاهياً، فكرة وتنفيذاً، لافتتاح دورته التاسعة والسبعين في مايو (أيار) هذا العام، وهو الفيلم الفرنسي «القبلة الكهربائية» لبيير سلڤادوري الذي لم يكن أهلاً لافتتاح مهرجان بحجم وأهمية «كان».

أمّا مهرجان ڤينيسيا فتوجّه، هذا العام، صوب فيلم يدور حول الصحافة والحرية الإعلامية في عام 1996 عندما قام روپرت مردوك ولاري لامب بتأسيس صحيفة «ذا صن». الفيلم هو «حبر» (Ink) والمخرج هو داني بويل الذي من بين أفلامه سلسلةأفلام الزومبي التي انطلقت بفيلم «28 يوماً لاحقاً» ‪28 Days Later في 2008. فيلمه الجديد بيع مسبقاً لمنصة «نتفليكس»، لكنَّ عَرْضَه في ڤينيسيا هو العرض العالمي الأول شأنه في ذلك شأن كل الأفلام المشاركة .في المسابقة. وهذه هي المرّة الأولى التي يشترك فيها بويل في هذا المهرجان.

روني وكيت مارا في «باكينغ فاستارد» (هانواي بيكتشرز).
روني وكيت مارا في «باكينغ فاستارد» (هانواي بيكتشرز).

حفر في كل اتجاه

بعض أفلام ڤينيسيا، هذا العام، ستتميّز بغرابة موضوعاتها وفي مقدّمتها «Bucking Fastard» للألماني ڤرنر هرتزوغ وبطولة الشقيقتين روني مارا وكيت مارا. موضوع شائك هذا الذي يطرحه هرتزوغ؛ إذ يدور حول فتاتين توأمين تشقان نفقاً للوصول إلى حيث تعتقدان أن عالماً من الحب الخالص يكمن في الطرف الآخر من الجبل. ما يميز حضور الفيلم ليس فقط أنها المرّة الأولى التي تشترك فيها الشقيقتان بفيلم واحد، بل أن هرتزوغ كان قد سحبه من مهرجان «كان» ردّاً على رغبة المهرجان الفرنسي عرضه خارج المسابقة.

أحد فرسان السينما الأوروبية الجديدة هو فلوريان زلر الذي سبق له أن حقق الفيلم الناجح «الأب» في سنة 2020، ثم أتبعه بفيلمه (غير الناجح) «الابن» سنة 2022. فيلمه الجديد هو «ملجأ» (Bunker) الذي لا يخلو من الحفر أيضاً كون حكايته تدور حول مهندس (خافييه باردم) يقوم بحفر ملجأ لحساب ملياردير في الوقت الذي تكتشف زوجته (بينيلوبي كروز) أن المشروع الذي سينصرف زوجها له سيؤثر في علاقتهما وحبّها له بعد 17 عاماً من الزواج.

هناك حفر مختلف في الماضي يوفّره المخرج مارتن ماكدونه (McDounaph) عبر «وايلد هورس ناين» من بطولة سام روكول وستيف بوشيمي وجون مالكوڤيتش. يدور حول عميلين للسي آي إيه (روكول ومالكوفيتش) يتم إرسالهما إلى تشيلي لمساعدة الحكم اليميني سنة 1973.

بينيلوبي كروز ستكون بين الحاضرين هذا العام (وورنر)
بينيلوبي كروز ستكون بين الحاضرين هذا العام (وورنر)

كروز وباردم والشقيقتان مارا كما مالكوفيتش وروكول سيحضرون عروض أفلامهم، كذلك روبرت باتنسون (نشاهده حالياً في «الأوديسة») ممثلاً فيلم «برايمتايم» الذي يدور حول صحافي أودع تحقيقاته برنامجاً تلفزيونياً ناجحاً. الفيلم من إخراج لانس أوبنهايم ذي الخلفية في السينما التسجيلية. هذا الفيلم هو أحد الأعمال الأميركية المشاركة في هذا المهرجان بجانب فيلم «رفقة» (Company) لكيسي أفلك، وفيلم «أسس الفلسفة» (The Basics of Philosophy) لبول شرادر الذي سبق أن كتب فيلم مارتن سكورسيزي «سائق التاكسي»، ثم انطلق صوب الإخراج منجزاً 30 فيلماً حتى الآن.

اشتراكات لمخرجين عرب

من الأفلام الأخرى المشتركة في المسابقة «عودة لبوينس آيريس» للإيطالي ماركو بيكيس و«جندي صغير طيّب» (Un Bon Petit Sodat) للفرنسية ستيفاني بريز، و«انظر للخلف» للكوري هيروكازي كوري-إيدا» والإيطالي ناني موريتي سيعرض «سيحدث ذلك الليلة» (It Will Happen Tonight) وهو اعتاد سابقاً على عرض أفلامه في مهرجان «كان».

هناك أيضاً فيلم عربي متسابق للمصرية مي الطوخي بعنوان «امرأة مجهولة»، وفيلم فلسطيني تسجيلي بعنوان «المواطن أسامة» لأحمد حسونة (خارج المسابقة). يعرض الفيلم حياة رجل فلسطيني عليه واجبان حتميان هما العناية بعائلته وتنفيذ مهامه المتلاحقة كمصوّر فوتوغرافي وكل ذلك في أتون ما تعيشه مدينة غزّة.

ملصق فيلم «لا فردوس إذا قتلتك امرأة» للكردي العراقي الأصل هلكوت مصطفى
ملصق فيلم «لا فردوس إذا قتلتك امرأة» للكردي العراقي الأصل هلكوت مصطفى

خارج المسابقة أيضاً «لا فردوس إذا قتلتك امرأة» للكردي العراقي الأصل (نرويجي الإقامة) هلكوت مصطفى، حيث نرى محترفة قتل عراقية تعود إلى العراق كي تنقذ شقيقتها المحتجزة من قبل عناصر «داعش». ويقدّم الفلسطيني مؤيد عليان (يعيش في أمستردام) فيلمه الجديد «حوار مع البحر». هذا المخرج سبق أن حقق بضعة أفلام من قبل من بينها «بيت في القدس» (2023)، و«تقارير عن سارا وسليم» (2018) وكلاهما يطرحان دراميات عاطفية تقع أحداثها في فلسطين من دون أن تكون حديثة التوجه.

اللبناني رامي قُديّه سبق أن حقق فيلماً تسجيلياً بعنوان «دواليب الحرب» (Wheels of War) لحساب تلفزيون «الجزيرة». فيلمه الجديد قد يكون الروائي الأول له، ويدور حول امرأتين تخططان لسرقة بنك في نفس العام الذي شهد الحجز على الودائع المصرفية في لبنان.

السياسة عالقة في أهداب مهرجان ڤينيسيا، هذا العام، كشأنها في الأعوام السابقة (وكشأنها في مهرجانات عديدة أخرى)، لكن ذلك يتبع حرص المهرجان الإيطالي على تعدد التوجهات وليس تبنيها. من بين هذه التوجهات، لجانب ما سبق، فيلم الأميركية باربرا كوبل التسجيلي «يونيون تاون». هذا الفيلم مؤلف من 3 حكايات حول مطالبات العمّال الأميركيين في 3 مؤسسات (بينها أمازون) برفع أجورهم.

فيلم آخر ذو صلة بالسياسة ولو كنتيجة لما يقع هو «Dau» للروسي الأصل (نُزعت عنه هويّته) إليا خزانوفسكي الذي يُعرض في المسابقة الرسمية. هناك فيلم إيراني مشترك في هذه المسابقة هو «قليل من الضوء» لعلي أصغري. في المقابل هناك فيلم إسرائيلي لأموش غيتاي بعنوان «الطريق إلى أريحا» الذي يدور حول الصراع الدائر في غزّة.

يحتل مهرجان ڤينيسيا السينمائي مكانة رائدة بين المحافل السينمائية الكبرى إلى جانب مهرجاني برلين وكان، نظراً لحرصه الدائم على اختيار أعمال افتتاح ذات ثقل فني ومضمون مؤثر. وتبرز الدورة الـ83 بتنوع موضوعاتها وقوة أعمالها المنافسة في أقسامها المختلفة، بدءاً من الأفلام التي تتناول قضايا الصحافة والإعلام وصولاً إلى الأعمال ذات الطابع الإنساني المعقد. ويمثل العرض العالمي الأول للأفلام المشاركة ركيزة أساسية لتعزيز مكانة المهرجان كمنصة إطلاق رئيسية للإنتاجات السينمائية الدولية الكبرى. ويبقى متابعو السينما على موعد مع تقييم مدى نجاح هذه التشكيلة الغنية في ترك بصمة واضحة على الساحة الفنية العالمية.