ملخص

لم يختر دانيال داي لويس التمثيل طريقًا ثابتًا للعيش، بل لجأ إليه كحل مؤقت لعجزه عن أن يكون 'شخصًا عاديًا'. ورغم كل نجاح حققه، كان يختفي وينسحب ويبتعد، وكأن التقدير الجماهيري يشكل تهديدًا وليس مكافأة.

يُعرف دانيال داي لويس بأنه أحد أعمق ممثلي جيله، حيث يتمسك بمنهج تمثيلي متطرف يجعله يعيش الشخصية حرفيًا قبل تجسيدها.

خلف صمت مهيب يلف اسمه، تكمن حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، دانيال داي لويس لم يكن يوماً ممثلاً يرتدي الأقنعة، بل رجلاً يخلع روحه عند عتبة كل دور، ليترك جسده وعاءً تسكنه أشباح الشخصيات. هو ذلك "الراديكالي" الذي جعل من السينما طقساً تعبدياً، ومن التمثيل عملية استحضار مضنية تتجاوز حدود الخيال والواقع.

في سكون نظراته، نلمح غضب دانيال بلينفيو وهو يحفر آبار النفط من عروق قلبه. تصبغ الشمس كل شيء بلون الجشع والجنون، وصوت المطر على خزان النفط يشبه الصرخة الأولى للتاريخ الصناعي.

يقف الرجل هناك ممسكًا بزمام العالم، عيناه تتوهجان وصوته يخترق الهواء الحاضر والغائب، وكل حركة منه توحي أنه ليس مخلوقًا من اللحظة بل من الزمن كله: من الطمع القديم، ومن الحب المدفون، ومن الألم الذي يصنع الرجال ويهدمهم. كل مشهد منه يذكرك بأن السينما قد تتحول إلى حياة في هذه اللحظة وحدها.

G2WRg5facAAkAl0.jpeg

الهادئ (مواقع التواصل)

نسمع صرير عظام كريستي براون وهو يتحدى الجمود ليكتب بالقدم اليسرى نشيد الحرية. يرسم بها أحلامه، وفي عينيه بؤرة من الضوء الخافت يلمع مثل نار تحت الرماد، كأنه يحول الألم إلى إبداع حي.

ننتقل إلى نيويورك القرن الـ19، الشوارع مليئة بالغبار والدماء، والأزقة ضيقة ومظلمة، والمباني الخشبية القديمة تتأرجح تحت صرير العربات. رجال ونساء وأطفال يتجمعون على الأرصفة. الجميع مشوش، والحياة هناك حمراء بالدم والخوف.

يظهر دانيال وسط هذه الفوضى مرتدياً معطفاً داكناً، يرفع عينيه إلى السماء المغيمة كما لو كان يقرأ المصير في الغيوم. حركة يده ونظرة عينيه. كل شيء متقن، وكل تفصيل يحكي عن صراع على السلطة، وعن رغبة في الانتقام، وعن صراع الفرد مع المدينة والمصير.

مع أمه وأبيه (غيتي)

مع أمه وأبيه (غيتي)

هو لا يمشي وسط الجموع بل يتحرك كصاعقة تهز الأرض، كل حركة كسكين موجه نحو قلب المدينة، وكل همسة تحدث ارتجاجًا في وجدان المشاهد، وكأن التاريخ نفسه يتوقف لينظر إليه.

اعتزل هذا الممثل الصخب ليمنحنا "الجوهر"، فصار كالنجم الذي لا يظهر إلا نادراً، لكن ضوءه يمحو أثر كل ما سبقه. هذا الرجل الذي عاش ألف حياة ليقنعنا بأن الحياة الواحدة لا تكفي.

لم يكن يوماً ممثلاً عادياً بل مشروع قلق دائم، ومختبراً مفتوحاً للأسئلة الوجودية عن الهوية والفقد والمعنى. منذ ولادته بدا وكأنه وضع في قلب صراع بين الشعر والحياة، وبين المجاز والواقع، فاستقبله والده الشاعر البريطاني سيسل داي لويس بقصيدة تحوي نبوءة عن خيبة وخوف وخيانة محتملة للحب، تمهيداً لمسار إنساني وفني استثنائي.

عام 1995 (مواقع التواصل)

عام 1995 (مواقع التواصل)

اختار التمثيل ليس كمهنة مستقرة بل كحل موقت لعدم القدرة على أن يكون "شخصاً عادياً"، ومع كل نجاح كان يختفي ويبتعد وينسحب، كأن الاعتراف الجماهيري تهديد أكثر من كونه مكافأة.

وحتى حين يظهر يفعل ذلك بطريقة صادمة، مؤكداً أنه ممثل التحولات الجذرية لا الأدوار المريحة. المسرح، حلمه الأول، أصبح موقع انكساره الأكبر، ففي "هاملت" تداخل النص مع ذاكرته الشخصية وصورة والده الميت، حتى بلغ لحظة انهيار غادر فيها الخشبة ولم يعد إليها، مكتفياً بالقول إن ما قاله له "شبح الأب" كان "ثقيلاً على الاحتمال".

لم يكن يوماً ممثلاً عادياً بل مشروع قلق دائم، ومختبراً مفتوحاً للأسئلة الوجودية عن الهوية والفقد والمعنى. منذ ولادته بدا وكأنه وضع في قلب صراع بين الشعر والحياة، وبين المجاز والواقع، فاستقبله والده الشاعر البريطاني سيسل داي لويس بقصيدة تحوي نبوءة عن خيبة وخوف وخيانة محتملة للحب، تمهيداً لمسار إنساني وفني استثنائي.

اغترابه الدائم وتنقله بين البلدان وتسجيله في الفنادق بأسماء مستعارة، وعجزه عن بناء حياة مستقرة، وحتى علاقاته العاطفية الملتبسة بالكتمان والغياب، كلها عناصر لصورة فنان يعيش حالة عبور دائمة لا استقرار فيها، لكنه يعيد اختبار ذاته عبر الشخصيات، كأنه يبحث عن الحياة في الفن، وعن معنى وجوده في كل دور يؤديه.

GyKJ8sOXcAABVME.jpeg

قيل إنه عمل في صناعة الأحذية داخل إيطاليا​​​​​​​ (مواقع التواصل)

إنه فنان تشكل عند تقاطع الحزن والالتزام، والعزلة والبحث الأخلاقي، والذاكرة والخيال. ولهذا السبب تحديداً لم يكن أداؤه يوماً مجرد أداء، بل كان دائماً اختباراً للحدود القصوى لما يمكن أن يتحمله الإنسان حين يجعل من ذاته مادة للفن.

تقمص

يدرك داي لويس تماماً كيف يراه الجمهور "مجنوناً بحق" -بحسب وصفه هو نفسه- يعيش في عالم موازٍ، وتستحوذ عليه قوة التقمص حتى يصبح التحضير للدور أسطورياً بقدر الأداء نفسه.

ويقول المخرج بول توماس أندرسون عن أسلوبه "إنه لا يؤدي الشخصية بل يتحول إليها بالكامل. لا يقلدها أو يتقمصها فحسب، بل يعيشها حتى آخر خلية في جسده، مما يجعل عملي كمخرج أكثر سهولة لأن الشخصية تكون حاضرة أمامي بكل تفاصيلها".

من فيلم "قدمي اليسرى" (مواقع التواصل)

من فيلم "قدمي اليسرى" (مواقع التواصل)

في فيلم "قدمي اليسرى" (My Left Foot-1989)، جسد شخصية الكاتب الإيرلندي كريستي براون، وهو مصاب بشلل دماغي، وقد قضى داي لويس التصوير على كرسي متحرك رافضاً الخروج من حالة الشخصية، وعانى كسوراً في الضلوع زمناً طويلاً، بسبب الانحناء على الكرسي المتحرك.

وفي فيلم "آخر الموهيكان" (The Last of the Mohicans-1992)، نام على الأرض أسابيع، وتعلم الصيد البري وصيد الأسماك وبناء الزوارق بيديه، مجسداً شخصيته ومهارتها.

وفي فيلم "عصابات نيويورك" (Gangs of New York-2002)، تعلم ذبح الحيوانات وتدرب على الملاكمة ليجسد وحشية الجزار، ووضع عدسات لاصقة زجاجية لتقليد عين الشخصية الزائفة.

من فيلم ستسيل دماء (مواقع التواصل).png

من فيلم "ستسيل دماء" (مواقع التواصل)

وفي فيلم "سَتَسيلُ دماء" (There Will Be Blood-2007)، أدى دور دانيال بلينفيو، وهو رجل نفط قاسٍ جشع، وقد فرض دانيال العزلة على نفسه وظل بعيداً، ليجسد بعد ذلك طموح الشخصية المخيف.

وقضى عاماً كاملاً في القراءة عن أبراهام لينكولن، استعداداً لفيلم "لينكولن" (Lincoln -2012)، وتعرف على رسائل الرئيس وخطاباته وعصره.

اختار التمثيل ليس كمهنة مستقرة بل كحل موقت لعدم القدرة على أن يكون "شخصاً عادياً"، ومع كل نجاح كان يختفي ويبتعد وينسحب، كأن الاعتراف الجماهيري تهديد أكثر من كونه مكافأة.

وفي فيلم "خيط وهمي" (Phantom Thread-2017)، درس فن خياطة الملابس أشهراً عدة وتعلم الخياطة بدقة، حتى أنه صنع فستاناً على طراز الخمسينيات وانغمس في طبيعة شخصيته المهووسة، لدرجة أنه قرر التقاعد عن التمثيل بعد الفيلم.

من فيلم "خيط وهمي" (مواقع التواصل)

من فيلم "خيط وهمي" (مواقع التواصل)

يغوص داي لويس في جوهر مشاعر شخصياته، وغالباً ما يعزل نفسه عن الأصدقاء والعائلة أثناء التصوير للحفاظ على ارتباطه بالدور، وتأتي هذه الكثافة مكلفة، فهو يعترف بأنه يشعر بالاستنزاف العاطفي ويحتاج إلى وقت كبير للتعافي بعد كل مشروع.

ومع ذلك، لا ينكر أن هذه المنهجية جعلت صحبته مرهقة وعبئاً حقيقياً على عائلته في المنزل، وعلى طاقم التصوير الذي يتحمل تبعات هذا التفرغ المطلق للدور. تخيل مثلاً أن تعمل طوال النهار في موقع تصوير فيلم "عصابات نيويورك" تحت إدارة مارتن سكورسيزي، ثم تجد نفسك مجبراً على تناول الغداء إلى جانب "بيل الجزار"، بعينه الزجاجية ونظرته القاتلة.

اقرأ المزيد

هذه الطريقة المتطرفة في الأداء آتت أكلها، فقد حصد ثلاث جوائز أوسكار ضمن فئة أفضل ممثل في دور رئيس، وهو رقم غير مسبوق.

إذا كان هناك شيء واحد يجد داي لويس صعوبة فيه كممثل، فهو لعب دور "الناس العاديين". روبرت دي نيرو عانى هذا أيضاً. عندما يضطر داي لويس للعب دور رجل يتحرك بنعمة وسهولة داخل مجتمعه، رجل لا يبرز بل يبقى عمداً في الداخل، يبدو داي لويس مرتبكاً.

غيتي.png

لا يقدم أدواراً عادية (غيتي)

فقط عندما تخرج الشخصية عن السيطرة يجد الممثل نطاقه الحقيقي. حل دي نيرو مشكلة الشخص العادي من خلال فترة طويلة من الأعمال الثانوية، أما داي لويس فحلها من خلال عدم محاولة لعب دور رجل عادي مرة أخرى أبداً.

لم يمتلك ممثلون عملوا مع داي لويس سوى الكلمات الطيبة عنه، حتى أولئك الذين لعبوا أدوار خصومه. الصورة التي يرسمونها هي لرجل حساس للغاية، ومجتهد وطيب، وهو دائماً "الممثل الأكثر تحضيراً" على وجه الأرض.

لقد وضع داي لويس معياراً للتحولات "الحربائية" يكاد لا يكون له مثيل، واكتسب سمعة في نظر الجمهور كشخص غريب الأطوار حقاً، وعبقري رومانسي معذب قادم من القرن الـ19.

ليست كل أفلام داي لويس رائعة، ولكن مجمل أعماله كممثل لا تشوبها شائبة تقريباً.

أفلام الأوسكار

تشكل الأفلام الثلاثة التي نال عنها دانيال داي لويس جوائز الأوسكار ذروة مسيرته الفنية، لكنها ليست مجرد محطات تكريم بل تمثل ثلاث مراحل فكرية ونفسية وجمالية مختلفة في تطوره كممثل، وثلاث مقاربات متباينة لمعنى التقمص والسلطة والجسد والهوية. وهذا السجل لم تتفوق عليه سوى الممثلة الأميركية كاترين هيبورن التي لا تُضاهى، وحصلت على أربع جوائز أوسكار لأفضل ممثلة.

دور أسطوري في "قدمي اليسرى" (مواقع التواصل)

دور أسطوري في "قدمي اليسرى" (مواقع التواصل)

من الجسد المعطوب في "قدمي اليسرى" إلى الروح المتوحشة في "سَتَسيلُ دماء"، وصولاً إلى الجسد السياسي المتعب في "لينكولن"، يرسم داي لويس خريطة نادرة لتحولات الإنسان عبر الألم والطموح والسلطة.

في فيلم "قدمي اليسرى" (My Left Foot-1989) للمخرج جيم شيريدان، قدم واحداً من أكثر الأدوار الجسدية تطرفاً في تاريخ السينما. الفيلم يروي السيرة الذاتية لكريستي براون، الكاتب والرسام الإيرلندي المصاب بالشلل الدماغي، الذي لا يستطيع التحكم إلا في قدمه اليسرى. الدور لم يكن تحدياً تمثيلياً فحسب، بل اختباراً جسدياً ونفسياً قاسياً، إذ قرر داي لويس أن يعيش الحالة بالكامل، فبقي على كرسي متحرك طوال فترة التصوير ورفض الخروج من الشخصية حتى خارج الكاميرا، وأجبر الطاقم على إطعامه وحمله ونقله كما لو كان مصاباً فعلاً. هذا الانغماس أدى إلى إصابته بكسور في ضلعين أثناء التصوير، لكنه أيضاً منح الأداء صدقية نادرة.

يغوص داي لويس في جوهر مشاعر شخصياته، وغالباً ما يعزل نفسه عن الأصدقاء والعائلة أثناء التصوير للحفاظ على ارتباطه بالدور، وتأتي هذه الكثافة مكلفة، فهو يعترف بأنه يشعر بالاستنزاف العاطفي ويحتاج إلى وقت كبير للتعافي بعد كل مشروع.

ما يميز أداء داي لويس هنا ليس فقط الدقة الحركية أو محاكاة الإعاقة، بل قدرته على تحويل الجسد المعطوب إلى فضاء درامي مكتمل. كريستي براون ليس مجرد ضحية، بل إنسان متمرد وساخر وعنيد، وعاشق للحياة على رغم القيود القصوى.

عبر نظرات العين وتشنجات الوجه وحركات القدم الوحيدة القادرة على التعبير، بنى داي لويس شخصية غنية بالتناقضات، تجمع بين العجز الجسدي والقوة الداخلية. لم يكن الفيلم قصة شفقة بل سيرة مقاومة، وكان أداؤه نقطة تحول ضمن مفهوم "التمثيل المنهجي" في السينما المعاصرة، إذ لم يعد التقمص مجرد تقنية، بل تجربة وجودية كاملة. لهذا، لم يكن فوزه بأوسكاره الأول مفاجئاً، بل بدا كاعتراف تاريخي بأداء تجاوز حدود الحرفة إلى حدود التضحية.

ملصق "ستسيل دماء" (مواقع التواصل)

ملصق "ستسيل دماء" (مواقع التواصل)

بعد ما يقارب عقدين، عاد داي لويس ليقدم أداء مختلفاً جذرياً في "ستسيل دماء" (There Will Be Blood-2007)  للمخرج بول توماس أندرسون. إذا كان "قدمي اليسرى" فيلماً عن الجسد المكسور، فإن "ستسيل دماء" هو فيلم عن الروح المفترسة.

هنا يجسد داي لويس شخصية دانيال بلينفيو، منقب النفط القاسي الأناني والطموح بلا حدود، الذي يصعد اجتماعياً واقتصادياً على أنقاض الآخرين في أميركا مطلع القرن الـ20.

أداء داي لويس في الفيلم ليس محاكاة لشخصية تاريخية بل خلق لكائن سينمائي جديد، مزيج من وحش رأسمالي ونبي كاذب ورجل أعمال يرى في البشر أدوات لا أكثر. الصوت الذي اخترعه للشخصية، وهو صوت خشن وبطيء ومشوب ببرود قاتل أصبح لاحقاً علامة فارقة في تاريخ الأداء السينمائي. الجسد هنا ليس معطوباً، لكنه مهدد دائماً بالانفجار. النظرات والوقفات الطويلة والصمت المريب، كلها أدوات لبناء شخصية تخيف لأنها عقلانية، لا لأنها مجنونة.

الباحث عن النفط (مواقع التواصل)

الباحث عن النفط (مواقع التواصل)

ما يجعل أداء داي لويس في "ستسيل دماء" استثنائياً أنه لا يسعى إلى تبرير الشخصية ولا إلى إداناتها المباشرة، بل يعرضها كقوة طبيعية، كزلزال أخلاقي يمشي على قدمين. دانيال بلينفيو ليس شريراً بالمعنى التقليدي، بل تجسيد لاقتصاد بلا ضمير ولسياسة بلا أخلاق، ولنظام اجتماعي يرى النجاح قيمة مطلقة حتى لو جاء على حساب الإنسان نفسه. عبر هذا الدور، لم يقدم داي لويس شخصية فردية فحسب، بل قدم استعارة كاملة عن الرأسمالية الأميركية في لحظة تأسيسها العنيفة.

لهذا بدا أداؤه أكبر من الحياة، لكنه خلال الوقت نفسه شديد الواقعية، ومخيف في صدقه ومقنع في قسوته. أوسكاره الثاني لم يكن مكافأة لدور ناجح فحسب، بل عُدَّ اعترافاً بأداء أعاد تعريف مفهوم "الشر" في السينما الحديثة.

HAqCMRoaYAAe7W-.jpeg

ملصق لينكولن (مواقع التواصل)

ثم جاء "لينكولن" (Lincoln-2012) للمخرج ستيفن سبيلبرغ ليقدم لنا وجهاً ثالثاً لداي لويس، مختلفاً تماماً عن الجسد المعطوب في "قدمي اليسرى" وعن الوحش الاقتصادي في "ستسيل دماء".

هنا نحن أمام جسد سياسي مرهق، وعقل استراتيجي وروح مثقلة بالمسؤولية. يجسد داي لويس شخصية أبراهام لينكولن الرئيس الـ16 للولايات المتحدة خلال مرحلة حاسمة من التاريخ الأميركي، وهي معركة تمرير التعديل الدستوري الذي ينهي العبودية.

التحدي في هذا الدور لم يكن تقنياً فحسب، بل رمزياً. لينكولن ليس شخصية عادية، بل أيقونة تاريخية متخمة بالصور والخطب والأساطير. أي ممثل يؤدي هذا الدور يخاطر بأن يتحول إلى نسخة متحفية جامدة، أو إلى تمثال حي بلا روح.

لكن داي لويس اختار طريقاً مختلفاً، إذ لم يجسد لينكولن الرمز، بل لينكولن الإنسان. صوته هنا هادئ وناعم، يكاد يكون هامساً بعيداً من النبرة الخطابية المعتادة في تصوير الرؤساء. جسده متعب ومنحني قليلاً، وخطواته بطيئة، وعيناه محملتان بحزن لا ينفصل عن الحكمة.

في دور لينكولين (مواقع التواصل).png

في دور لينكولن (مواقع التواصل)

ما يميز أداء داي لويس في "لينكولن" قدرته على تحويل السياسة إلى دراما إنسانية. لا نرى رئيساً يتخذ قرارات مجردة، بل رجلاً يعيش صراعاً أخلاقياً عميقاً بين المبادئ والواقع، بين العدالة والممكن، بين الحلم الوطني والدماء التي تُراق لتحقيقه.

عبر هذا الأداء يصبح تمرير قانون دستوري فعلاً درامياً مكثفاً، لا يقل توتراً عن أية معركة عسكرية. لينكولن هنا ليس بطلاً أسطورياً بل إنسان متعب يحاول أن يكون عادلاً في عالم غير عادل. أوسكاره الثالث جاء تتويجاً لمسيرة نادرة، لكنه أيضاً اعتراف بأداء استطاع أن يعيد إنسانية رمز تاريخي ضخم دون أن ينتقص من مكانته.

إذا نظرنا إلى هذه الأفلام الثلاثة معاً، نكتشف أنها لا تمثل فقط قمم مسيرة دانيال داي لويس، بل تشكل ثلاث رؤى مختلفة للإنسان في مواجهة القوة. في "قدمي اليسرى"، القوة داخلية تنبع من إرادة الحياة على رغم الجسد العاجز. وفي "ستسيل دماء"، القوة خارجية تدميرية، تتجسد في المال والسلطة والطموح. وفي "لينكولن"، القوة أخلاقية سياسية، تقوم على القدرة على التوفيق بين المبادئ والواقع.

مع جائزة الأوسكار  عام 1990 (أ ف ب).jpg

مع جائزة الأوسكار عام 1990 (أ ف ب)

ما يجمع هذه الأدوار ليس موضوعها، بل منهج داي لويس في الاقتراب منها. في كل مرة لا يؤدي الدور من الخارج، بل يدخل إليه من الداخل ويعيش فيه، ويعيد تشكيل جسده وصوته ونفسيته حتى يصبح من الصعب الفصل بين الممثل والشخصية. هذا الأسلوب ليس مجرد تقنية تمثيلية بل موقف فلسفي من الفن، يرى في الأداء تجربة وجودية لا عرضاً ترفيهياً.

لهذا، فإن أوسكارات دانيال داي لويس الثلاث ليست مجرد جوائز على رف الإنجاز، بل علامات على مسار فني نادر، يتعامل مع التمثيل بوصفه بحثاً عن المعنى لا عن الشهرة، وعن الحقيقة لا عن الإعجاب.

GMRXsXEWQAAvTaO.jpeg

وضع معياراً للتحولات "الحربائية" يكاد لا يكون له مثيل (مواقع التواصل)

ومن خلال هذه الأعمال، قدم ثلاث دراسات إنسانية متكاملة عن الجسد والسلطة والضمير، جعلت منه ليس فقط أحد أعظم الممثلين في التاريخ، بل أحد أكثرهم تأثيراً في فهمنا لما يمكن أن يفعله الأداء حين يبلغ أقصى درجات الصدق والالتزام.

ماذا قالوا عنه

قدمت مجموعة من خبراء السينما آراءها عن دانيال داي لويس. ترى الناقدة البريطانية روبي كولين أن ما يميزه ليس فقط موهبته التمثيلية، بل "الهالة" التي تحيط بكل دور يؤديه، والتي تنبع من حجم التحضير الهائل الذي يكرسه لكل شخصية، والتزامه بالبقاء داخلها طوال فترة التصوير.

وجوه مختلفة (مواقع التواصل)

وجوه مختلفة (مواقع التواصل)

وتشير كولين إلى القصص التي أصبحت شبه أسطورية حول منهجه، مثل مناداته بـ"السيد الرئيس" أثناء تصوير فيلم لينكولن، أو خضوعه لتدريب مهني في الجزارة عندما استعد لدوره في "عصابات نيويورك".

لكنها تؤكد أن الأهم ليس هذه الحكايات في حد ذاتها، بل كيفية ترجمة هذا الجهد على الشاشة. فبحسبها، يمتلك داي لويس حضوراً سينمائياً طاغياً وقدرة على ملء الفراغات الدرامية الهائلة بشخصيته، كما فعل في فيلم "ستسيل دماء"، إذ جعل من شخصية دانيال بلينفيو محور المشهد الطبيعي القاسي والفاقد للحياة.

ما يميز أداء داي لويس في "لينكولن" قدرته على تحويل السياسة إلى دراما إنسانية. لا نرى رئيساً يتخذ قرارات مجردة، بل رجلاً يعيش صراعاً أخلاقياً عميقاً بين المبادئ والواقع، بين العدالة والممكن، بين الحلم الوطني والدماء التي تُراق لتحقيقه.

وتضيف أنه في "لينكولن" لم يكتف بتجسيد الرئيس الأميركي بل اخترق الطبيعة الأيقونية للدور، مقدماً شخصية نابضة بالحياة تتجاوز حدود التقليد التاريخي.

في المقابل، يوضح نيك جيمس (مجلة سايت أند ساوند) أن جدية داي لويس في التعامل مع مهنته "تفوق الخيال"، ويصفه بأنه مزيج مثالي بين التمثيل الكلاسيكي الإنجليزي والتمثيل المنهجي الأميركي، إذ يدمج المدرستين في أداء واحد متماسك.

من فيلم "مغسلتي الجميلة" (غيتي)

من فيلم "مغسلتي الجميلة" (غيتي)

ويشير جيمس إلى معضلة فريدة في مسيرة داي لويس، تتمثل في كيفية أن يظل مراقباً للطبيعة البشرية في حين أنه يتمتع بشهرة طاغية. لذلك، بحسبه، يُعرف داي لويس ببحثه الدقيق عن أسباب لرفض الأدوار أكثر من قبولها، مما يجعل كل ظهور له حدثاً نادراً ومثيراً للاهتمام.

ويشدد جيمس على قدرته "الحربائية" المذهلة، مبرزاً التناقض الحاد بين شخصيتيه في "ستسيل الدماء" و"لينكولن"، إلى درجة يصعب معها تصديق أنهما من أداء الممثل نفسه. ويربط جيمس بين الندرة الزمنية لأعماله وقوة تأثيرها، إذ إن غيابه الطويل عن الشاشة يمنح حضوره المتجدد طزاجة خاصة. ويختم بالإشارة إلى ما يسميه "هوية وسطية عبر الأطلسي"، تتيح له التحرك بسلاسة بين السينما البريطانية والأميركية، على نحو يتفوق حتى على ممثلين إنجليز بارزين مثل هيو غرانت.

afp.jpg

يُعرف ببحثه الدقيق عن أسباب لرفض الأدوار أكثر من قبولها (أ ف ب)

فيما يؤكد مايكل روسر (مجلة سكرين إنترناشيونال) أن أحد مفاتيح النجاح المتكرر في مسيرة داي لويس يتمثل في دقته الشديدة في اختيار المشاريع التي يعمل عليها. فبالنسبة إليه، لا يكفي أن يكون المخرج اسماً كبيراً مثل ستيفن سبيلبرغ كي يوافق على الدور، بل يجب أن يكون المشروع استثنائياً بحق.

ويستشهد روسر بتجربة "لينكولن"، إذ رفض داي لويس الدور في البداية على رغم إلحاح سبيلبرغ، قبل أن يقتنع بعد بحث وتحضير طويلين. ويرى روسر أن هذا النوع من الأدوار يستجيب له مصوتو الأوسكار، لا سيما لأنهم يميلون إلى المشاريع المرموقة ذات الطابع التاريخي أو السيَري.

ويضيف أن داي لويس يذهب في منهجه إلى مستوى لا يرغب كثير من الممثلين في بلوغه، إذ يقدم أداءات أكبر من الحياة نفسها، وكان من الممكن أن تبدو مبتذلة لو أداها ممثلون أقل موهبة.

إلا أنه، بفضل صدقيته المنهجية، يضفي عليها واقعية تجعلها مقنعة وجديرة بالجوائز. ويستثني روسر من هذا المسار الناجح فيلم "Nine-2009"، معتبراً إياه إخفاقاً نادراً، إذ حاول فيه داي لويس دفع نفسه نحو اتجاه مختلف عبر دور موسيقي مرتبط بعالم فيديريكو فيليني، لكنه في المجمل يحتفظ بمعدل نجاح مرتفع جداً.

خلال تصوير فيلم 9 مع نيكول كيدمان (أ ف ب).jpg

خلال تصوير فيلم 9 مع نيكول كيدمان (أ ف ب)

وضمن سياق متصل، يتحدث المخرج البريطاني ستيفن فريرز وهو مخرج فيلم "مغسلة ملابسي الجميلة" (My Beautiful Laundrette-1985) عن داي لويس من زاوية مختلفة، تعكس علاقته المبكرة به في فيلم مغسلة ملابسي الجميلة.

يرى أن داي لويس يمتلك قدرة خاصة على تحويل حتى الشخصيات غير التقليدية إلى شخصيات بطولية، ويصف هذه السمة بأنها ليست "إنجليزية جداً" في تقاليد التمثيل المحلي.

ويشير إلى أنه كان معروفاً في شبابه بكونه على رأس قوائم الجاذبية، إذ كان وسيماً ومثيراً للاهتمام، إلى جانب كونه ممثلاً جيداً وشاباً لافتاً. غير أن فريرز يعترف بأنه لا يستطيع تحليل ما يميزه بدقة أو تحديد جوهر شخصيته الفنية.

الجزار (مواقع التواصل).png

الجزار (مواقع التواصل)

ويقول إنهم خلال تلك الفترة لم يتوقعوا أن يصبح نجماً عالمياً، تماماً كما لم يتوقعوا أن يحقق الفيلم نفسه النجاح الذي غيَّر مسارات حياتهم المهنية. بالنسبة إليه، كان ببساطة "دان"، من دون أن تبدو عليه بوادر أسطورة سينمائية قادمة.

بهذه الشهادات المتقاطعة تتشكل صورة مركبة لدانيال داي لويس، تجمع بين الصرامة المنهجية والانتقائية الشديدة والقدرة الفريدة على التحول، وهي عناصر لا تفسر فقط نجاحه النقدي والجماهيري، بل أيضاً مكانته الاستثنائية في تاريخ التمثيل المعاصر.

الاعتزال والعودة

مصير النجوم المشهورين أحياناً يجعل حتى قرار الاعتزال يبدو وكأنه أداء تمثيلي آخر، كأنه وقفة درامية تحمل بعض الغموض والانتظار. ومن يذكر أن داي لويس لم يسهل على نفسه الأمور بهذا الخصوص، فقد اعتزل مرة سابقة بين عامي 1997 و2001.

من أحدث أفلامه شقائق النعمان (مواقع التواصل.png

من أحدث أفلامه شقائق النعمان (مواقع التواصل)

بعدما لعب دور البطولة في فيلم "ذا بوكسر"(The Boxer-1997) ، اختفى عن شاشة السينما لمدة خمسة أعوام حتى أقنعه المخرج مارتن سكورسيزي بالعودة من خلال فيلم "عصابات نيويورك" (Gangs of New York).

خلال تلك الفترة، قيل إنه عمل في صناعة الأحذية داخل إيطاليا، وأوضح ضمن حديث لصحيفة "ذا غارديان"، "لم أرغب حقاً في المشاركة في الأفلام. أردت فقط أن أمضي بعض الوقت بعيداً من كل شيء. في كثير من الأحيان أحتاج ذلك".

وخلال عام 2017، قبل ثلاثة أشهر من إطلاق فيلم "فانتوم ثريد"، قال فريق النجم "دانيال داي لويس لن يعمل كممثل بعد الآن. وهو ممتن للغاية للجمهور وجميع المتعاونين معه على مر الأعوام، هذا قرار خاص ولن يدلي هو أو ممثلون عنه بأي تعليق آخر حول هذا الموضوع".

في حين أن الدافع وراء اعتزاله لم يكن واضحاً، فقد أعرب داي لويس عن رغبته في الابتعاد من التمثيل من قبل.

من فيلم الملاكم (IMDB)

من فيلم الملاكم (IMDB)

لكنه حديثاً كسر عهده الأخير بالمشاركة في فيلم من إخراج ابنه رونان وشارك في كتابة النص أيضاً. يحمل الفيلم عنوان "شقائق النعمان" (Anemone)، يصنف كدراما عائلية ببطولة جماعية تدور أحداثها في المملكة المتحدة، ويشارك فيه داي لويس إلى جانب شون بين وسامانثا مورتون، مستكشفاً الروابط المعقدة والعميقة التي تجمع بين الإخوة والآباء والأبناء.

وضمن مقابلة مع مجلة "رولينغ ستون" تحدث داي لويس الأب عن عودته للتمثيل، قائلاً "كان من الأفضل لو التزمت الصمت... يبدو الأمر مجرد هراء مبالغ فيه. لم أكن أنوي التقاعد أبداً، حقاً، توقفت عن هذا النوع من العمل تحديداً لأتمكن من العمل في عمل آخر"، في إشارة لفيلمه "Phantom Thread-2017". وكشف الثنائي داي لويس (الأب والابن) أنهما بدآ كتابة السيناريو عام 2020.

مع ابنه رونان (أ ف ب).jpg

مع ابنه رونان مخرج أحدث أفلامه (أ ف ب)

وقال دانيال "كان لدي بعض الحزن المتبقي لأنني كنت أعلم أن رونان سيخرج أفلاماً، فكرت، ألن يكون من الرائع لو استطعنا العمل معاً؟".

ومع مرور الوقت، برز سؤال حول ما إذا كان سيفكر في التمثيل في الفيلم أم لا؟ أوضح داي لويس الأب كيف تم التعامل معه، بالقول "عندما كان لدينا سيناريو ولم نكن متأكدين من الخطوات التالية، كان هناك جزء مني بدأ يشعر، كما تعلمون، ببعض التحفظات في شأن العودة إلى الحياة العامة مرة أخرى".

وأخبر ابنه أنه حر في فعل ما يشاء بالسيناريو، لكن رونان أوضح له أنه لن ينجزه من دونه، وشرح داي لويس الأب تحفظاته قائلاً "كان مجرد خوف بسيط، قلق من العودة إلى صناعة الأفلام"، موضحاً أنه كثيراً ما "أحب" العمل.

وأضاف "لكن كانت هناك جوانب من أسلوب الحياة رافقت عملي منذ البداية، ولم أستوعبها قط حتى اليوم، هناك شيء ما في هذه العملية جعلني أشعر بالفراغ في نهايتها".

مع رفاقه (أ ف ب).jpg

مع رفاقه (أ ف ب)

وتحدث دانيال داي لويس عن طريقته في التمثيل، "لا أحبذ التفكير في التمثيل من منظور المهارة إطلاقاً... بالطبع، هناك تقنيات يمكن تعلمها، وأعلم أن المنهجية أصبحت هدفاً سهلاً هذه الأيام، أشعر ببعض الغضب هذه الأيام لسماعي أنواعاً مختلفة من الناس يتلفظون بعبارات مثل "المنهجية الكاملة"، والتي أعتقد أنها تعني ضمناً أن الشخص يتصرف بجنون بصورة متطرفة، يميل الجميع إلى التركيز على التفاصيل الأقل أهمية في العمل، ويبدو أن هذه التفاصيل تنطوي دائماً على نوع من جلد الذات أو تجربة تسبب للفرد انزعاجاً شديداً أو عدم استقرار عقلي. ولكن بالطبع، في حياة الممثل، يجب أن يكون التركيز الأساس على العمل الداخلي".

مواقفه السياسية

نادرة هي المواقف السياسية للممثل الإنجليزي، لا يعلق كثيراً على ما يدور حوله من أحداث. لكن خلال عام 2005، رافق بعثة منظمة "أطباء بلا حدود" إلى قطاع غزة، واعترف أنه ذهب إلى هناك بعقل يتخذ موقفاً محايداً تجاه حرب لم يعرف عنها إلا ما يتيحه الإعلام الغربي، وما يقدم الكتاب الغربيون من مشاهد انتقائية.

مع أطفال في غزة عام 2005 (مواقع التواصل).jpeg

مع أطفال في غزة عام 2005 (مواقع التواصل)

لكنه خلال أسبوع واحد استطاع أن يكتشف الحقيقة المرعبة، بعدما التقى العائلات الفلسطينية داخل القطاع، وتحدث إلى الأطباء النفسيين المرافقين له ضمن البعثة.

وبعد الرحلة كتب مقالة يصف فيها رحلته إلى غزة بعنوان "داخل العقول الجريحة" (Inside Scarred Minds)، نشره في "التايمز". وهنا مقتطفات منه:

 كان المدنيون الضحايا الرئيسين للعنف الذي يمارسه الطرفان في الصراع داخل الشرق الأوسط. ففي قطاع غزة يرد الجيش الإسرائيلي على رشق الحجارة بالرصاص. ويرد على التفجيرات الانتحارية وهجمات المسلحين الفلسطينيين بهدم البيوت وتجريف بساتين الزيتون بحثاً عن المنفذين، ولمعاقبة عائلاتهم، ولإقامة مناطق عازلة لحماية المستوطنات الإسرائيلية. ويمنع الوصول إلى القرى ويضاعف الحواجز، فيعزل سكان غزة عن العالم الخارجي.

ويحاول متخصصو منظمة أطباء بلا حدود مساعدة العائلات الفلسطينية على التكيف مع ضغوط العيش ضمن هذه القيود، عبر زيارتهم، ومعالجة الصدمات الشديدة، والاستماع إلى قصصهم. وأحياناً تكون زياراتهم الإشارة الوحيدة إلى أن هؤلاء الناس لم يُهجروا أو يُتركوا لمصيرهم.

في غزة عام 2005 (مواقع التواصل)

في غزة عام 2005 (مواقع التواصل)

تأتي دبابات إسرائيل وجرافاتها المدرعة من دون إنذار، وغالباً خلال الليل. والضجيج وحده، لشعب أُجبر على تحمل هذه الانتهاكات عاماً بعد عام، كفيل بأن يجمد الروح. يتمركز القناصة الإسرائيليون على أسطح المباني. ويؤمر أصحاب البيوت بالمغادرة، ولا يُمنحون حتى وقتاً لجمع أوانيهم وأوراقهم وملابسهم قبل أن تسحق الجرافات المباني غير المحمية كما تسحق الديناصورات البيوض، وأحياناً تحطم بيتاً فوق آخر ثم تغطي الأنقاض بطبقة من التراب.

وكل من يُضبط داخل منطقة الاقتحام يُطلق عليه النار. وحتى من يختبئون داخل بيوتهم قد يتعرضون لإطلاق النار أو القصف عبر الجدران والنوافذ والأسطح. والراية البيضاء التي يحملها العاملون الإنسانيون لا توفر حماية تُذكر، إذ أطلقت علينا طلقات تحذيرية مرتين قبل نهاية الأسبوع.

أعلى 3 أفلام تقييمًا للأوسكاري الكبير.jpeg

أعلى 3 أفلام تقييماً للأوسكاري الكبير (مواقع التواصل)

أحياناً ترفض عائلة مغادرة منطقة يجري تطهيرها، اعتقاداً منها أنه إن غادرت فستخسر كل شيء. والبقاء مخاطرة هائلة. وأحياناً يترك بيت قائماً ليخصص لتمركز الجنود الإسرائيليين، وتجبر العائلة على البقاء فيه لتكون درعاً لهم.

خلال عام الماضي (2004) هدم بمعدل 120 بيتاً كل شهر، ما خلف 1207 مشردين شهرياً. وخلال الأعوام الأربعة الماضية جرى تهجير 28483 من سكان غزة قسراً. ودُمر أكثر من نصف الأراضي الصالحة للاستعمال في غزة، ومعظمها بساتين حمضيات وحقول زيتون وزراعات فراولة. وخلال العام الماضي قُتل 658 فلسطينياً جراء العنف داخل غزة، إلى جانب عشرات الإسرائيليين.

دانيال داي لويس وغوردون وورنيك في فيلم مغسلتي الجميلة (تشانل 4كوبالشترستوك.jpg

دانيال داي لويس وغوردون وورنيك في فيلم مغسلتي الجميلة (تشانل 4كوبالشترستوك)

هذا الحرث المتواصل، بيتاً بعد بيت وبستاناً بعد بستان، يحول المجتمع إلى أرض قاحلة، متناثرة ومغروسة بمحصول مشوه من الزجاج المكسور والمسامير والكتب والممتلكات المتروكة. ونحن نشق طريقنا نحو منزل أبو صقر وعائلته، إحدى العائلات التي سنزورها اليوم، فإننا نطأ على تواريخ محطمة وطموحات مكسورة.

لا يزال بيت أبو صقر قائماً، لكن طابقه العلوي وسطحه يحتلهما جنود إسرائيليون. ترافقنا حفيدته ميرفت، طفلة لطيفة وخجولة في السابعة من عمرها، ترتدي نظارات معدنية حمراء، وشعرها مضفور في جديلتين أنيقتين مربوطتين بشرائط مزهرة.

ترتدي سروالاً أحمر زاهياً وسترة جينز. خلال أبريل (نيسان) الماضي سمعت والدتها سيارة جيب إسرائيلية تتوقف عند الطريق العسكري أمام البيت. أُطلق مقذوفٌ ما، وعندما عادت ميرفت، وكانت تلعب في الخارج، كانت تبكي ووجهها مغطى بالدم.

أعلن دانيال داي لويس اعتزاله علم 2017 (غيتي).jpg

أعلن دانيال داي لويس اعتزاله علم 2017 (غيتي)

قاموا بغسلها، لكن عينها اليمنى كانت مهشمة. بعد شهر، جرى تركيب عين اصطناعية لها داخل غزة. كانت غير مريحة، فاحتاج الأمر إلى توصية خاصة من وزارة الصحة الفلسطينية لتمويل رحلة إلى مصر للحصول على عين تناسبها جيداً.

تحتاج ميرفت إلى تغيير هذه العين كل ستة أشهر، ولذلك يجب على الوزارة في كل مرة التفاوض مع إسرائيل للحصول على إذن عبور الحدود. يسمح لـ50 سيارة فقط بالعبور يومياً، وعلى كل واحدة أن تحمل سبعة أشخاص...

سيرة ذاتية

لا تسير حياته وفق خط مستقيم، بل تتقدم وتتراجع، تختفي وتعود، كأنها تنتمي إلى إيقاع داخلي لا يخضع لقوانين الشهرة أو السوق. هو ليس ممثلاً يتراكم إنتاجه بانتظام، بل فنان يظهر عندما يشعر أن لديه ما يقوله، ويختفي حين يرى أن الصمت أصدق من الأداء.

gangs-of-new-york-4.jpg

من "عصابات نيويورك" (مواقع التواصل)

ولد دانيال داي لويس في لندن خلال الـ29 من أبريل 1957، داخل بيت غارق في الثقافة والفن. كان والده سيسيل داي لويس شاعراً كبيراً وشاعر بريطانيا الرسمي خلال سنواته الأخيرة. ووالدته جيل بالكون ممثلة مسرحية وسينمائية.

منذ الطفولة، عاش بين الكتب والمسرح والكلمات، لكنه لم يكن الطفل الهادئ المتوقع في بيت أدبي. كان متمرداً وصعب المراس، وكثير المشكلات في المدرسة إلى حد دفع والديه إلى نقله من مدرسة حكومية جنوب لندن إلى مدرسة خاصة في كنت، حيث لم يتحسن أداؤه كثيراً. وعلى رغم ذلك، كان يمتلك طاقة داخلية كبيرة، لكنها لم تجد طريقها سريعاً إلى التمثيل. في مراهقته، انجذب إلى النجارة والحرف اليدوية، وكان يفكر بجدية في أن يصبح عاملاً أو صانعاً لا فناناً. غير أن هذا الميل إلى العمل اليدوي، الذي بدا في حينه ابتعاداً من الفن، سيتحول لاحقاً إلى أحد مفاتيح شخصيته الفنية، إذ سيعامل التمثيل لاحقاً كما لو كان حرفة دقيقة تتطلب الصبر والانغماس الكامل.

من أفلامه (مواقع التواصل)

من أفلامه (مواقع التواصل)

في نهاية المطاف، اتجه إلى التمثيل والتحق بمدرسة Bristol Old Vic Theatre School، إحدى أعرق المدارس المسرحية في بريطانيا. وهناك، انغمس كلياً في فن الدراما، وبدأ مساراً مهنياً بدا في بدايته تقليدياً بين المسرح والأدوار الصغيرة في التلفزيون والسينما. كان ظهوره السينمائي الأول عام 1971 ضمن فيلم "Sunday Bloody Sunday"، وهو لا يزال فتى، لكن هذا الظهور لم يكن سوى إشارة مبكرة لمسيرة طويلة لم تتضح معالمها بعد.

التحول الحقيقي بدأ خلال منتصف الثمانينيات. ففي السابع من مارس (آذار) 1986، شهدت الولايات المتحدة عرض فيلمين بريطانيين خلال اليوم نفسه، كان كلاهما من بطولة ممثل شاب غير معروف تقريباً آنذاك، هو دانيال داي لويس.

الفيلم الأول " A Room With a View"، إذ جسد شخصية شاب أرستقراطي ضمن عمل رومانسي أنيق مقتبس من رواية إي. أم. فورستر. والفيلم الثاني كان "My Beautiful Laundrette"، ولعب به دور شاب مثلي متمرد يعيش داخل لندن متعددة الثقافات خلال الثمانينيات.

GMRXqqNW8AA4GRG.jpeg

ولد في لندن (مواقع التواصل)

كان التباين بين الدورين صادماً. في أحدهما، بدا داي لويس تجسيداً للرقي والكبت العاطفي، وضمن الآخر كان جسداً حياً للغضب والهامش والتمرد. كتب المخرج ستيفن فريرز في صحيفة "نيويورك تايمز" أن داي لويس كان "الأمل الأبيض في إنجلترا الآن"، في إشارة إلى موهبة استثنائية ظهرت فجأة وبقوة. منذ تلك اللحظة، أصبح واضحاً أن هذا الممثل لا يشبه غيره، وأنه يمتلك نطاقاً تمثيلياً يحتاج معظم الممثلين أعواماً طويلة لمقاربته.

وخلال الأعوام التالية، كان داي لويس جزءاً من موجة من الممثلين البريطانيين الذين اجتاحوا هوليوود وأحدثوا تأثيراً كبيراً. لكنه سرعان ما تميز عن أقرانه، ليس فقط بسبب موهبته بل بسبب اختياراته. فبدلاً من ترسيخ صورته كممثل رومانسي أنيق، انجذب إلى الأدوار الصعبة وغير المريحة، التي تتطلب منه تفكيك نفسه وإعادة بنائها داخل شخصية أخرى.

GyKJ8sSWsAA04PE.jpeg

كان داي لويس جزءاً من موجة من الممثلين البريطانيين الذين اجتاحوا هوليوود ​​​​​​​(مواقع التواصل)

عام 1988، لعب بطولة فيلم "The Unbearable Lightness of Being" إلى جانب جولييت بينوش، والمقتبس عن رواية ميلان كونديرا. وللتحضير للدور، تعلم اللغة التشيكية وبقي في الشخصية طوال فترة التصوير التي استمرت أشهراً. لكن التحول الأكبر جاء عام 1989 مع فيلم "My Left Foot"، إذ جسد شخصية الكاتب والرسام الإيرلندي المصاب بالشلل الدماغي كريستي براون، الذي لا يستطيع التحكم إلا في قدمه اليسرى.

لم يكن هذا الدور مجرد تمثيل، بل تجربة جسدية ونفسية قاسية. بقي داي لويس على كرسي متحرك حتى خارج الكاميرا، وأجبر الطاقم على إطعامه وتحريكه، وأصيب خلال التصوير بكسور في ضلعين نتيجة انغماسه الكامل في الحالة الجسدية للشخصية.

هذا التفاني الاستثنائي أثمر عن أول جائزة أوسكار في مسيرته، إلى جانب جائزة بافتا وعدد كبير من الجوائز الأخرى، مؤكداً أنه ليس مجرد ممثل موهوب، بل ظاهرة فنية نادرة.

الأنيق (مواقع التواصل)

الأنيق (مواقع التواصل)

لكن النجاح لم يجعله أكثر استقراراً، بل العكس. بعد هذا الإنجاز عاد إلى المسرح، وهناك تعرض لانكسار كبير أثناء أدائه لدور "هاملت" على خشبة المسرح الوطني في لندن. تداخل النص مع ذاكرته الشخصية، ومع صورة والده المتوفى، إلى حد أنه انهار نفسياً وغادر العرض ولم يعد إليه.

لم يقدم تفسيراً واضحاً لما حدث، مكتفياً بالقول إن ما قاله له "شبح الأب" خلال تلك الليلة كان "ثقيلاً على الاحتمال". كان ذلك الانسحاب لحظة مفصلية، ليس فقط في مسيرته بل في علاقته بالفن نفسه.

عاد إلى السينما خلال أوائل التسعينيات بثلاثية من الأعمال الكبيرة التي رسخت مكانته العالمية، أولها "The Last of the Mohicans-1992" وجسد ضمنه شخصية رجل حدود أميركي عاش في البرية، وقد سبق التصوير تخييمه فعلياً في الطبيعة ليعيش نمط حياة الشخصية، ثم "The Age of Innocence-1993" مع مارتن سكورسيزي، إذ ارتدى ملابس القرن الـ19 وجاب شوارع نيويورك بها حتى خارج موقع التصوير.

1111.jpeg

من فيلم "بإسم الأب" (مواقع التواصل)

وخلال العام ذاته، لعب دوراً مؤثراً في "In the Name of the Father-1993" الذي نال عنه ترشيحه الثاني للأوسكار، مجسداً شاباً بريئاً يُدان ظلماً في قضية سياسية حساسة.

في ذروة هذا التألق، تراجع مرة أخرى عن هوليوود. وخلال هذه الفترة، أصبح أباً للمرة الأولى بعدما أنجبت له الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني ابنه غابرييل عام 1995. وعندما عاد إلى العمل، كانت مشاريعه أقل استقبالاً من أعماله السابقة، مثل "The Crucible-1996"، و"The Boxer-1997".

بعدها اختفى تماماً تقريباً، وظهرت قصص عن تركه التمثيل ليصبح صانع أحذية في إيطاليا. وعلى رغم أن هذه القصص لم تكن دقيقة حرفياً، فإنها كانت متجذرة في واقع حقيقي، إذ أصبح مفتوناً فعلاً بصناعة الأحذية اليدوية، وكان يقضي وقتاً طويلاً يراقب الحرفيين ويتعلم منهم.

GY1dt0xXMAYEuBy.jpeg

مُنح لقب فارس من الأمير ويليام​​​​​​​ (مواقع التواصل)

بالنسبة إلى داي لويس، لم يكن هذا الابتعاد نزوة بل امتداداً لطبيعته. قال ذات مرة إن أكثر ما يستمتع به هو "فقدان الذات الذي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الفهم التفصيلي لحياة أخرى"، وليس عبر مظاهر خارجية سطحية مثل العرج أو إطلاق الشارب.

كان بإمكان هذا الانسحاب أن يكون نهائياً، لولا أن مارتن سكورسيزي أعاده إلى السينما عام 2002 بدور بيل "الجزار" في فيلم "Gangs of New York"، إذ كان الدور صاخباً ودموياً، ومتطرفاً في عنفه وحضوره، ونال عنه داي لويس ترشيحاً جديداً للأوسكار وفاز مرة أخرى بجائزة بافتا.

مع ستيفن سبيلبيرغ (أ ف ب).jpg

مع ستيفن سبيلبيرغ (أ ف ب)

بعد ذلك، أصبحت أعماله نادرة ومتباعدة. أضاف إلى سيرته فيلم "The Ballad of Jack and Rose-2005"، ثم جاء أداؤه الاستثنائي في "There Will Be Blood-2007"، إذ جسد شخصية منقب نفط في بدايات القرن الـ20.

استغرق جمع التمويل للفيلم وقتاً طويلاً، مما منح داي لويس عامين كاملين للتحضير للدور. تعلم عن التعدين، وطور صوتاً وحركة ونفسية للشخصية بدقة مذهلة. النتيجة كانت أداء أيقونياً منحه أوسكاره الثاني، وجعل اسمه يتردد على نطاق واسع باعتباره أعظم ممثل في جيله.

خلال عام 2009، لعب دور البطولة في الفيلم الموسيقي "Nine"، ثم جاء التحدي الأكبر عام 2012 حين جسد شخصية أبراهام لينكولن، الرئيس الـ16 للولايات المتحدة، في فيلم "Lincoln" من إخراج ستيفن سبيلبرغ.

مع زوجته ريبيكا (أ ف ب).jpg

مع زوجته ريبيكا (أ ف ب)

لم يكن سبيلبرغ قادراً على إقناعه بسهولة، بل تلقى في البداية رسالة رفض مفصلة. وعندما قبل أخيراً، عاش داي لويس داخل الشخصية بصورة كاملة، وتحدث بلهجة ريفية طوال فترة التصوير، وطلب من الجميع مناداته بـ"السيد الرئيس" حتى خارج الكاميرا. كان الأداء مزيجاً نادراً من الوقار والإنسانية، ومنحه أوسكاره الثالث ليصبح أول رجل في التاريخ يفوز بجائزة أفضل ممثل ثلاث مرات.

وخلال عام 2014، مُنح لقب فارس من الأمير ويليام تقديراً لخدماته في مجال الدراما. وبعد ثلاثة أعوام، أعلن اعتزاله التمثيل خلال يونيو (حزيران) 2017، مؤكداً أن هذا القرار نهائي. لكنه، على عادته، عاد بعد صمت طويل، إذ أعلن عن عودته إلى الشاشة في فيلم "Anemone" من إخراج ابنه رونان داي لويس.

في حياته الشخصية، يعيش داي لويس حياة هادئة بعيدة من الأضواء داخل مقاطعة ويكلو في إيرلندا، مع زوجته الكاتبة والمخرجة ريبيكا ميلر ابنة الكاتب المسرحي الشهير آرثر ميلر، وابنيهما رونان وكاشيل بليك. إلى جانب ابنه الأكبر غابرييل من علاقة سابقة مع إيزابيل أدجاني. بعيداً من الشهرة، يفضل العزلة والعمل اليدوي، والعيش بإيقاع خاص لا يخضع لزمن الصناعة ولا لضغط الجمهور.

اعتزال داي لويس السينما عام 2017 عزز صورته كفنان نادر الوجود، يظهر كل بضع سنوات ليقدم أداءً استثنائيًا ثم يختفي. هذه الاستراتيجية جعلت جمهوره ينتظر عودته بفارغ الصبر، رغم أنه لم يعُد حتى الآن. وتظل مسيرته الفنية نموذجًا للتفاني الفني الذي يضع الجودة فوق الكم، وتذكرة بأن العظمة تحتاج إلى التضحية بكل شيء.