"استمتع ولا عليك من أحد" الكلمة الهاوية الغاوية

2026-07-19T12:00:00.359Z

ينتقد المقال ثقافة "استمتع ولا عليك من أحد" و"ما عليك من أحد" التي انتشرت عبر وسائل التواصل، معتبراً أنها تحوّل العناية بالنفس إلى ذريعة للأنانية المطلقة والتقصير في الواجبات الأسرية والاجتماعية وقطع الأرحام تحت شعار الراحة النفسية. ويؤكد الكاتب أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن الإفراط في الفردانية يشوّ…

"استمتع ولا عليك من أحد" الكلمة الغاوية الخاوية من المعاني السامية والأخلاق العالية والتكاتف الاجتماعي القويم الذي اتسم به مجتمعنا الكريم.

فعندما تعود النفوس إلى نرجسيتها وإنانيتها؛ نسمعها كل مرة وحين وللأسف. حيث توافق جيلا استيقظ على النعم والترف والرفاه، ولم يذق طعم التعب والنصب والجهد بحكم تطور الحياة البشرية من عصر البدائية ومرورا بعهد الصناعة وانتهاء بعصر التقنية والرفاه.

أن التدفق المـُوحَل وغير منضبط في ثقافة التواصل الاجتماعي خلق نرجسية مغلفة بالكلمات التي تدغدغ النفوس البشرية وخاصة التي واجه ضغوط الحياة، وظاهر هذه الكلمات أنها دعوة مشروعة للعناية بالذات والصحة النفسية، لكن باطنها وتطبيقاتها المعاصرة انحرفت نحو تطرفٍ فكري ومسلكي ممجوج؛ حيث تحولت من رغبة في "الاستشفاء النفسي والراحة" إلى فلسفة تبرر الأنانية المطلقة، والانسلاخ من الواجبات الاجتماعية، والتعالي على أعراف المجتمع وحقوق المقربين.

إن معالجة هذا الطرح تتطلب قراءة نقدية متزنة تفرّق بين حق النفس المشروعة، وبين تدمير النسيج الاجتماعي تحت شعار "الاستمتاع".

إن المنادين بعبارة "ما عليك من أحد" يجهلون -أو يتجاهلون- الحقيقة الإنسانية الكبرى بأن الإنسان "مدني بالطبع"، لا يمكنه العيش أو الاستدامة داخل دائرة خاوية. فتحويل هذه العبارات إلى منهج حياة يفرز سلوكيات ممجوجة؛ حتى ترى من يتهرب من مسؤولياته الأسرية، أو يقصر في بر والديه، أو يخذل أصدقاءه وأحبابه في أوقات الشدائد، متذرعاً بأن مصلحته النفسية واستمتاعه الشخصي مقدّمان على كل التزام.

هذا الإفراط في الانكفاء على الذات يشوه مفهوم "المحبة والأخوة والوفاء"؛ فالمجتمع الإنساني يقوم على التكافل والتضحية المتبادلة. وحين يرفع الجميع شعار "أنا ومن بعدي الطوفان"، تسقط شيم المروءة، وتغيب الألفة، ويتحول المجتمع إلى أفراد متناثرين لا يجمعهم رابط عاطفي أو قيمي، بل مصلحة مادية آنية.

ولله در الحكيم القديم القائل:

الناس بالناسِ ما دام الحياءُ بهمِ ... والعيشُ شاطئٌ والموتُ مرساةُ

وفي المقابل، فإن التفريط في حق النفس وإهمال للذات، والغرق التام في إرضاء الآخرين على حساب الصحة البدنية والنفسية، والتحمل فوق الطاقة من الالتزامات الاجتماعية لـنيل الثناء، هو منزلق آخر مدمر.

جاء الهدي الإسلامي والوعي الإنساني بـمنهج الوسطية؛ فالنفس لها حق أصيل يجب أن يُرعى ويُحترم، قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». ومن حق الإنسان أن يستمتع بنعم الله، وأن يخصص لنفسه وقتاً للاستجمام والراحة وتجديد الطاقة، ليعود قادراً على العطاء والبذل في دائرته الأسرية والمهنية. فالإنكار المطلق لـمتعة النفس هو تضييق يورث الإحباط والاحتراق النفسي.

وموافقة وسائل الاتصال الحديثة مثل : التيك توك وسناب شات وإكس وغيرها مع الخوارزميات الذكية تعزيز الثقافة السلبية، حيث صُممت لتضخيم "الفردانية" وجلب المشاهدات من خلال دغدغة العواطف السطحية الهشة.

إن صناعة وخلق "الضحية الوهمية" من قبل صناع المحتوى التافه والمستشارين المزيفين وغير متخصصين ببث مقاطع يومية تحرض المتابع على الشك في كل من حوله؛ بوصف: العلاقات السامة أو سمية المجتمع!! حين يتم تصوير الأهل والزوجة والأقارب والأصدقاء الوفيين على أنهم عوائق وأعباء نفسية يجب التخلص منها!! ومقاطعتها فوراً إذا لم تطابق وتوافق هوى النفس.

هذا الشحن الرقمي المستمر غسل أدمغة الكثيرين خاصة المراهقين وذوي الشخصيات الضعيفة، وحوّل بيوت الأنس والمحبة والترابط والتكاتف إلى مساحات للجفاء والقطيعة بذريعة حماية "المساحة الشخصية".

وتغليف المتعة بالسفر المستمر، وارتياد المقاهي، وشراء الكماليات وغيرها، مما يدفع المتابع للدخول في دوامة من التكلف المالي وضغوط الفواتير وحين يعجز مالياً يكتئب وينهار.

إن العاقل لبيب النفس هو من يمسك العصا من المنتصف، فيمارس "الوعي المتزن" الذي يجمع بين بر النفس وحفظ حقوق الآخرين. والاستمتاع الحقيقي: ليس في الانعزال والتمركز حول الذات، بل في مشاركة النعم والأوقات الجميلة مع الأهل، والأقارب، والأصدقاء الوفيين.

اختم بما قاله الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي في وصف التوازن وعزة النفس العاقلة التي لا تفرط في حقوقها ولا تظلم غيرها:

وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئاً ... كَنَقْصِ القَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

إن التمام الحقيقي للإنسان هو أن يكون كالشجرة الطيبة؛ ثابتة في أصلها (رعاية نفسها وصحتها)، وممتدة بـظلالها وثمارها لـتنفع وتفرّج كرب كل من يستظل بها؛ ليعود للمجتمع ترابطه، وللنفس طمأنينتها وسكينتها.

حفظ الله علينا ديننا وقيمنا وأخلاقنا.