فنان يحوّل سوريا إلى امرأة بلوحات من الأبيض والأسود
تكتسب أعمال الرسام السوري صفوان داحول بُعدًا بصريًا يتجاوز الجماليات، لتتحول إلى سجلّ إنساني يوثّق الألم الذي عاشته سوريا في السنوات الأخيرة.

لم تظل التجربة الفنية السورية بمنأى عن وطأة الحروب والأحداث التي عصفت بالبلاد، بل تحولت إلى حيز يعكس الذاكرة بحساسية بالغة.
وتبرز أعمال الفنان السوري صفوان داحول كنموذج لهذه التحولات الفنية.
ضمن هذا السياق، تتخذ أعمال الفنان صفوان داحول بُعدًا بصريًا يتجاوز الجماليات، لتصبح سجلًا إنسانيًا يوثق الألم والتحول والبحث عن المعنى.
لم يكن داحول يتوقّع أن تستمر سلسلة "الحلم" بعد ثلاثين عامًا من إطلاقها، والتي كُتبت أول مرة كعنوان لعمل فني اعتبره في بداياته تجربة مؤقتة، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى مشروع بصري وفكري متكامل أعاد تشكيل مفهوم الحلم لديه.

ولفت داحول إلى أن الشخصية المتكررة في أعماله، والتي تتمحور حول حضور المرأة، لم تبقَ ثابتة في دلالاتها، بل تطورت عبر الزمن، موضحًا أنها في بدايات أعماله كانت مرتبطة بالمواضيع الرومانسية وما تحمله من ثنائيات الحب، والخسارة، والفرح، والحزن. لكنها بعد عام 2011، والتحولات التي شهدتها سوريا، تغيّر دورها لتصبح "شاهدًا" على ما يحدث، حيث بات يستخدمها للتعبير عن الواقع بطريقة غير مباشرة، بعيدًا عن الطرح المباشر، وكأنها تروي ما يجري من حوله، وتحمل في الوقت ذاته ملامح التحولات السورية المستمرة، حتى باتت أقرب إلى تجسيد رمزي لسوريا نفسها.

وأكّد الرسام السوري أن أعماله تقف غالبًا عند الحد الفاصل بين الواقع واللاوعي، مشيرًا إلى أن اللوحة لا تنفصل عن الواقع الذي نعيشه، لكنها في الوقت ذاته لا تقتصر عليه فقط. ولفت إلى أن الفنان ينطلق من الواقع، لكنه يوسّع رؤيته لتشمل أبعاد الزمن المختلفة، معتبرًا أن هذه القدرة على التمدّد هي ما يمنح اللوحة قيمتها واستمراريتها.
كما شرح اعتماده الطويل على الأبيض والأسود ودرجات الرمادي، موضحًا أنه رغم عدم تعصّبه لأي لون، إلا أن هذه التدرجات تمنحه قدرة تعبيرية أعمق مما تمنحه الألوان الأخرى. ولفت إلى أن هذه الاختيارات لا تأتي من نقص في اللون، بل من قناعة جمالية وفكرية، معتبرًا أن الواقع ذاته، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الرمادي منه إلى الألوان الصاخبة.

وأضاف أن موضوعات الفقدان، والوحدة، والانتظار تتكرّر في أعماله بوصفها جزءًا من الذاكرة الإنسانية المشتركة، خاصة أن الفن في جوهره ليس تجربة فردية معزولة، بل امتداد لتاريخ طويل من التعبير البشري عبر الرسم، والموسيقى، والشعر، مشددًا على أن اللوحة يجب أن تعكس الحقبة التي يعيشها الفنان، مع قدرتها على الاستمرار وتجاوز زمنها.
أما عن تأثير التحولات التي شهدتها بلاده في السنوات الأخيرة على مساره الفني، فقد أجاب داحول: "لا يمكن للفنان أن يكون منفصلًا عن محيطه، بل هو شاهد على ما يحدث من حوله. والشخصية التي تتكرر في أعمالي لم تعد مجرد عنصر بصري، بل أصبحت أقرب إلى رمز يحمل ملامح الواقع السوري ذاته".

رغم خصوصية تجربته، إلا أن داحول أكّد أنه يتجنب فرض أي تفسير مباشر على أعماله، مشيرًا إلى أنه يفضّل أن يترك للمتلقي حرية القراءة والتأويل، ومعتبرًا أن العمل الفني لا يكتمل إلا من خلال عين المشاهد.
كما أوضح أن الذاكرة تشكّل مادة أساسية في أعماله، لافتًا إلى أنه يتعامل مع اللوحة وكأنه يلتقط صورًا بكاميرا غير مرئية، ليحوّلها لاحقًا إلى أرشيف بصري وعاطفي يوثق الزمن والإنسان معًا، باعتبار هذا الأرشيف جزءًا من ذاكرة المرحلة التي يعيشها، وربما يمتد إلى أزمنة لاحقة.
ويعكس اعتماد داحول على الأبيض والأسود قناعته بأن الواقع أقرب إلى الرمادي. وتركز أعماله على موضوعات الفقدان والانتظار كجزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة. وتظل لوحاته مفتوحة على تأويلات متعددة، تاركة للمشاهد حرية القراءة.
المصدر الأصلي: CNN بالعربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.