كلما تقدمتُ في العمر شعرتُ أن التاريخ يبتعد عني بقدر ما أقترب منه.. أتذكر طفولتي والماضي الشجي السهل الذي يُروى حكايةً في المساء، يكفي أن يتكلم شيخٌ مسنٌّ في قريتنا يخطط بعوده في التراب حتى تمتلئ الأرض بالفرسان، وتنهض القبائل من مراقدها، وتعود المعارك إلى صهيلها الأول، كنت أستقبل كل ذلك بإيمان الطفولة بالمعرفة المطلقة لمن يفوقها عمرًا، فلا أسأل عن دليل، ولا أبحث عن شاهد، فالحكاية نفسها كانت برهانها، لكن السنوات تُعلِّمنا أن اليقين ليس دائمًا ابن الرواية، وأن الذاكرة البشرية مهما بلغت أمانتها لا تنجو تمامًا من أهوائها، ولأن الشعر كان بوابتي الكبرى إلى التاريخ، فقد وجدتني اليوم أمام سؤالٍ معقد.. سؤال يخص ما أحببت أكثر مما يخص ما قرأت، فالشعر الذي حفظ للعرب أيامهم وأنسابهم وحروبهم وأمجادهم، لم يكن يومًا معنيًا بإثبات الوقائع بقدر عنايته بإشعالها في الوجدان، فهو يلتقط الحقيقة عابرةً فيكسوها من الضوء ما يجعلها أجمل، وربما أبعد قليلًا عن هيئتها الأولى، وهنا تكمن المفارقة، فأنا لا أشك في الشعر لأن الشعر لا يدّعي أصلًا أنه وثيقة، لكنه يجعلني أشك فيما حمله إليّ من تاريخ، لأن التاريخ وحده هو الذي يُسأل عن صدقه، ولهذا أخذت أنظر في اتجاه آخر حيث الأرض نفسها، فالأرض أقل بلاغة من القصيدة، لكنها أكثر اقتصادًا في الكذب.. هناك، تحت طبقات الرمل والصخر لا تحفظ المدن ذكرياتها بالكلمات حين تحفظها بالندوب، ولا تتحدث الحضارات عن نفسها عبر الخطب والمعلقات، وإنما عبر عظمة بشرية منسية، أو قطعة فخار مكسورة، أو أثر موقدٍ انطفأ منذ آلاف السنين وما زال يحتفظ بحرارته المعرفية، ولعل ما يثير الدهشة أن علم الآثار لم يعد ذلك المنقِّب الذي يواجه الماضي بفأسٍ وفرشاة فقط، لقد أصبح يستعين بالأقمار الصناعية، والمسح الليزري، وتحليل النظائر، والحمض النووي، والذكاء الاصطناعي الذي يعيد تركيب المدن الغارقة في الزمن كما يعيد المرممون تشكيل وجه تمثال مهشم، حتى كأن الإنسان الذي ظل قرونًا يحدق في السماء بحثًا عن أجوبة، عاد أخيرًا إلى الأرض ليسألها عمّا حدث حقًا، ومع ذلك ظلت هناك أسئلة تطاردني دائماً، «ماذا لو قالت الأرض غير ما قالت القصيدة؟ ماذا لو استخرجت الحفريات رواية أخرى للماضي؟ ماذا لو اتضح أن بعض ما ورثناه من أخبار لم يكن سوى الصيغة المنتصرة من الحكاية، وأن الحقيقة كانت مدفونة طوال هذا الوقت على عمق مترين فقط تحت أقدامنا؟».

حينها لن يكون الخلاف بين التاريخ والآثار، بل بين الذاكرة والدليل، وربما لهذا السبب لا أشعر بالقلق، فالشعر بالنسبة لي وسيلة لفهم الإنسان الذي صنع ذلك الماضي، وإذا كانت الآثار قادرة على أن تخبرني كيف عاش أسلافي، فإن القصيدة قادرة على أن تخبرني كيف كانوا يشعرون وهم يعيشون زمنهم ذلك، وما أسعدني حين يمنحني الأثر الحقيقة، وتمنحني القصيدة معناها..!

ولهذا سأترك للأرض أن تقول ما تشاء، وللمختبرات أن تراجع ما تشاء، وللتقنيات الحديثة أن تنقّب في العظام والرماد والمدن الغارقة، أما أنا فسأظل مدينًا للشعر بشيء لا تستطيع الآثار اكتشافه، لقد منحني ماضيًا أستطيع أن أحبه، وأكثر ما نحتاج إليه في هذا العصر أن نجد طريقة إنسانية وجميلة لنرى كل ما حدث بعين المحب..!

فاصلة:

كل تاريخنا جملةٌ

فعلها الآن ماضٍ .. وفاعلها «شاعرٌ» مستتر!