فن ومقاومة: معرض «صورة مصر» يستعرض تاريخ الوطن من المنصورة إلى قناة السويس
يستضيف قصر عائشة فهمي بالقاهرة معرضاً يضم لوحات وتماثيل ووثائق من 11 متحفاً، ليروي قصة المقاومة المصرية منذ معركة المنصورة حتى افتتاح قناة السويس الجديدة عام 2015، عبر رؤية فنية تعبر عن المحطات التاريخية الفارقة.
ملخص
يقدم معرض «صورة مصر: رحلة في ذاكرة الوطن» مجموعة متكاملة من اللوحات والوثائق والصور الفوتوغرافية، تجسد محطات سياسية متعاقبة في تاريخ مصر، بدءاً من معركة المنصورة وصولاً إلى افتتاح قناة السويس الجديدة عام 2015.
لطالما اقترن الفن المصري بالتحولات السياسية والاجتماعية، محولاً الأحداث الكبرى إلى أيقونات بصرية خالدة.
مع مرور الزمن، تتحول بعض الأعمال الفنية من مجرد تعبير عن لحظة فارقة إلى وثائق تاريخية، تروي ملامح الماضي من خلال ريشة الفنان أو عدسة المصور أو إزميل النحات، وقد أصبحت أيقونات عالمية مرتبطة بأحداث كبرى كالحروب والثورات.
والتاريخ المصري يزخر بصفحات من المقاومة، وفي العصر الحديث هناك بطولات أصبحت علامات في تاريخ الوطن، مثل وقوف بورسعيد المدينة الباسلة في وجه العدوان الثلاثي، ضاربة مثالاً في المقاومة والصمود عبر ملحمة شعبية أبطالها المواطنون البسطاء والفدائيون والشرطة والجيش، ومثل كفاح المصريين ضد الاستعمار وكل البطولات التي سطروها حتى حصلوا على الاستقلال، وسابقاً الوقوف في وجه الحملة الفرنسية على مصر، مروراً بالانتصار الأكبر في العصر الحديث في حرب أكتوبر (تشرين الأول)، واستعادة سيناء كاملة.
ولم ينفصل الفن أبداً في كل العصور عن التعبير عن الأحداث السياسية، إنما كان دائماً إلى جانب الوثائق والمؤرخين والكتاب، بل إن التعبير بالفنون المختلفة ربما يكون أكثر قدرة على الانتشار والوصول إلى قطاعات كبيرة من الجماهير بلغة سهلة تخاطب الشعور والوجدان، ليتحول إلى أرشيف شعبي للأحداث السياسية الفارقة.
![]()
لوحة الفنان عبدالهادي الجزار عن السلام بعد العدوان الثلاثي على مصر (المعرض)
يستضيف قصر عائشة فهمي بالقاهرة معرضاً بعنوان "صورة مصر: رحلة في ذاكرة الوطن" يقدم أعمالاً فنية ووثائق وصوراً ترصد تاريخ المقاومة في مصر في العصر الحديث، جمعت هذه الأعمال من 11 متحفاً في البلاد لتقدم سردية تاريخية من منظور فني.
يقدم المعرض توليفة من اللوحات والتماثيل والوثائق والصور الفوتوغرافية، والصحف والمجلات التي تعكس ملامح وصفحات من تاريخ مصر في أحداث سياسية مختلفة تعاقبت على البلاد في عصور متلاحقة في خلال فترة زمنية تمتد من معركة المنصورة وانتهاء بافتتاح قناة السويس الجديدة في عام 2015.
يأتي معرض "صورة مصر" امتداداً لسلسلة من المعارض الفنية التاريخية التي تسعى إلى تقديم التاريخ المصري من خلال الفن، وشهدت إقبالاً جماهيرياً كبيراً بدءاً من معرض "الخبيئة"، مروراً بمعرض "الإسكندرية في 300 عام"، ثم معرض "سعد زغلول" في متحف الفنون الجميلة بالإسكندرية، وصولاً إلى معرض "أم كلثوم... صوت مصر" الذي أقيم في الموقع نفسه بالقاهرة بقصر عائشة فهمي بالزمالك، ليأتي معرض "صورة مصر" امتداداً للسلسلة نفسها.
لوحات من 11 متحفاً
يقول الفنان علي سعيد، المدير العام لمراكز الفنون بقطاع الفنون التشكيلية والقيم الفني للمعرض، "المعرض يجمع أعمالاً فنية تحكي تاريخ مصر الحديث وتوثقه استشهاداً ببعض الأعمال العالمية لأشهر الفنانين الذين أصبحوا أيقونات تذكر حينما يذكر هذا الحدث، مثل لوحة الحرية تقود الشعوب لديلاكروا التي تعد أيقونة الثورة الفرنسية، ولوحة الجورنيكا لبابلو بيكاسو التي صور فيها البلدة الإسبانية التي تحمل اللوحة اسمها إبان تعرضها للقصف الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، ولوحة الثالث من مايو لفرانشيسكو جويا التي استلهم فيها من مشهد إعدام ثوار الاستقلال الإسبان على يد القوات الفرنسية وغيرهم كثير، فكل منهم مرتبط بأحدث وأسباب سياسية في بلدان مختلفة".
![]()
صور فوتوغرافية توثق أحداثاً سياسية فارقة في تاريخ مصر (المعرض)
ويضيف "يتهم بعض الفنانين العمل الفني النابع من مثير سياسي بأنه أقل في التعبير من عموم المنجز الفني للفنان نفسه، باعتبار أن بعض هذه الأعمال أحياناً ينفذ بتكليف من الدولة، وقد عرف هذا على مدار التاريخ بداية من الجداريات المصرية القديمة التي عكست الحروب والانتصارات، لكن ليس هذا دائماً حقيقياً، فأحياناً تكون اللوحة هي الشاهد الأقوى والأهم عند الحديث عن هذا الحدث. بيكاسو عندما جسد قصف قرية جورنيكا في أثناء الحرب الإسبانية أصبح هذا واحداً من أشهر الشواهد حالياً على الحدث، على رغم وجود عشرات الوثائق والكتب وغيرها، لكن الأثر الذي أحدثته اللوحة كان أقوى، فالفن التشكيلي له دور كبير في الوصول إلى الناس بسهولة".
ويتابع "الأعمال الفنية التي يضمها المعرض جمعت من 11 متحفاً في مناطق مختلفة من البلاد، واستغرق الإعداد وقتاً طويلاً وجولات متعددة لمدة أكثر من عام للاستقرار على الأعمال التي سيجري عرضها وتتوافق مع السياق العام للمعرض، وبالفعل جرى الاستقرار عليها، وبدأت إجراءات نقلها وعرضها في قصر عائشة فهمي الذي يضم المعرض وفق الإطار التاريخي المحدد".
![]()
لوحة تصوّر معركة المنصورة في مصر والانتصار على الفرنسيين (المعرض)
عن أهم الأعمال التي يضمها المعرض يشير سعيد "في تصوري أنه من أهم الأعمال المعروضة لوحة للفنانة جاذبية سري رسمت جمال عبدالناصر مع الشعب المصري في عام 1956، وهو عام مفصلي في فترة حكم عبدالناصر، إذ شهد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر وغلق قناة السويس وتضافر الشعب المصري كله في ملحمة تجسد المقاومة والكفاح، وهذا العمل معروض بالأساس في متحف الفن الحديث بالقاهرة، عمل آخر عن معركة المنصورة للفنان عبدالعزيز درويش، وهو معروض في متحف المنصورة، وهي فرصة عظيمة لأهل القاهرة للاطلاع على هذه الأعمال القيمة قبل إعادتها لمتاحفها الأصلية".
سردية تاريخية لكن بالفن
يميز معرض صورة مصر أنه ليس فقط يعرض أعمالاً فنية لنخبة من الفنانين المصريين، لكنه يقدم سرداً تاريخياً وفق منهج يصطحب الزائر في رحلة عبر أحداث فاصلة مرت بها مصر، وأظهرت بطولات قام بها الشعب وسطوراً في تاريخ المقاومة والدفاع عن الوطن، المحطات التاريخية المختلفة شملت الاحتلال والثورات والحرب والسلام، إلى جانب المشاريع الكبرى التي كان لها أثر في البلاد من نواح مختلفة، مثل حفر قناة السويس وبناء السد العالي.
![]()
رصدت الفنون المختلفة ملامح من تاريخ المقاومة في مصر وعبرت عنها بوسائل عدة (المعرض)
الجهد البحثي والتاريخي الكبير في المعرض قام به أستاذ التاريخ والمعاصر إسلام عاصم، إذ يوضح "في هذا المعرض نقدم للجمهور محطات من تاريخ مصر، أبدعتها أنامل نخبة من الفنانين المصريين، اعتمدنا منهجاً تاريخياً كإطار عام منظم للمعرض وإلى جانب الأعمال الفنية جرت الاستعانة بالمجلات والصحف التي رصدت الحدث وتحدثت عنه إلى جانب الصور الفوتوغرافية التي تمثل نوعاً مهماً من الفنون البصرية، وفي مثل هذه الأحداث التاريخية، فإنها تكتسب قيمة مضاعفة باعتبار قيمتها التاريخية والتوثيقية".
وعن أهم الأحداث التاريخية التي جرى تقديمها في المعرض يوضح عاصم "يبدأ المعرض بلوحات فنية تستعرض الانتصار الذي حققه المصريون في معركة فارسكور، وأسر الملك لويس التاسع قائد الحملة الصليبية السابعة عام 1250، مروراً بالحملة الفرنسية على مصر التي كان من أهم نتائجها كتاب وصف مصر، وتعتبر هذه الفترة هي بداية فن البورتريه ونقطة دخول هذا النوع من الفنون إلى البلاد، ومن بعدها تولى محمد علي باشا حكم مصر عام 1805م إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، مروراً بكفاح المصريين في حفر قناة السويس وافتتاحها، ثم مقاومة المصريين ضد الاحتلال البريطاني وجهادهم المتواصل الذي توج بثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، تلك الثورة التي أيقظت الوعي الوطني ومثلت نقطة فارقة في الوعي الوطني المصريين".
![]()
لوحة رمزية للفنان حامد ندا عن تأميم قناة السويس (المعرض)
ويتابع "لاحقاً تأتي ثورة يوليو (تموز) 1952 وإعلان الجمهورية المصرية، وما أعقبها من أحداث مثل تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، ومواجهة مصر العدوان الثلاثي ومقاومته، مروراً بنكسة 1967 التي توجت بانتصار 1973، ومن بعدها أحداث اتفاق السلام، واستعادة طابا، وبعد عقود ينهض الشعب المصري لتصحيح مسار الوطن في 2011، وينجح المصريون في عام 2013 في إنقاذ البلاد من براثن الصراع والفتنة، ويختتم المعرض بلحظة افتتاح قناة السويس الجديدة في عام 2015".
اقرأ المزيد- معرض "مجهولون"... لوحات بلا توقيع
- "سيما-6"... أفلام مصرية برؤية تشكيلية
- "استهلاكي"... رؤية تشكيلية لعلاقة الإنسان بأشيائه
حوار بصري
قال السابقون إن الصورة بألف كلمة للدلالة على الأثر الكبير الذي تتركه في المتلقي نفسه، في زمننا الحالي وفي عصر التكنولوجيا والسوشيال ميديا فمن المؤكد أن كل ما هو بصري له أثر بأضعاف الألف الكلمة، بخاصة في ظل عدم إقبال الأجيال الجديدة على القراءة والبحث، مثل أجيال سابقة مما يجعل كثيراً من المعلومات، بخاصة التاريخية، تصل إليهم مبتورة وغير مكتملة وبعيداً من سياقها.
![]()
لوحة تمثل أول مجلس نواب في مصر (المعرض)
يشير القيم الفني للمعرض علي سعيد إلى أنه "نستهدف من هذا المعرض الأجيال الجديدة التي نرغب في أن نوصل إليها ملامح من تاريخ كفاح ومقاومة المصريين وعلى غير ما يعتقد الناس فلديهم اهتمام كبير، بخاصة مع تقديم المعلومة من خلال حكاية مرتبطة بالعمل الفني، فاتخاذ العمل الفني كمنطلق لتقديم المعلومة التاريخية يجعلنا نحقق مكسبين، الأول هو إلقاء الضوء على روائع الفن التشكيلي من خلال ربطها بالتاريخ، والثاني هو إبقاء الأحداث الوطنية الكبيرة حاضرة وتقديمها للجمهور بصورة مبسطة من خلال مدخل جذاب".
![]()
الجرائد والصور الفوتوغرافية تتحول مع مرور الزمن إلى وثائق تعبر عن أحداث تاريخية معينة (المعرض)
فيما يقول الباحث التاريخي للمعرض إسلام عاصم إن "المعرض لا يقتصر على السرد التاريخي، بل يتجاوزه لخلق حوار بصري بين العمل الفني والحدث التاريخي، لتبقى الذاكرة الوطنية حية، وتتعرف الأجيال الجديدة على تاريخها من منظور فني ومعرفي متكامل، ولهذا المعرض هدف مزدوج هو تعميق معرفة الأجيال الجديدة بتاريخها الوطني من خلال أعمال فنية تمنحه بعداً إنسانياً، والاسهام في الارتقاء بالذوق المجتمعي عبر تقديم محتوى بصري على مستوى عال".
ويأتي هذا المعرض في إطار سلسلة من المعارض التاريخية التي نظمتها قطاعات الفنون التشكيلية، مثل معرض «الخبيئة» و«أم كلثوم... صوت مصر»، التي لاقت إقبالاً جماهيرياً واسعاً. ويؤكد القيم الفني علي سعيد أن الفن يمثل وثيقة حية للأحداث السياسية، كما تشير إليه أيقونات عالمية كلوحة «الحرية تقود الشعوب» و«الجورنيكا». ويسعى المعرض إلى تقديم سردية وطنية من منظور فني، تربط بين الماضي والحاضر، وتعزز الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.