حكايات برائحة الشعر والسينما... والطعام
صدر حديثاً عن دار «المحرر»، في القاهرة، كتاب «أيام الغضب والحب»، للروائية المصرية نهى محمود، وهو كتاب سردي لا ينتمي إلى أي من الأنواع الأدبية المعروفة،
على غير العادة في أدب الرحلات، لا تبدأ الكاتبة المصرية حنان سليمان كتابها «رحلة في ذاكرة الحرب» من لحظة السفر، بل من ذاكرة الطفولة، حين كانت في التاسعة من عمرها تشاهد التلفاز وتتلقى صور حرب لا تفهمها لكنها تشعر بأنها تخصها. تقول: «هناك، في البوسنة، شاهدتُ أولى مآسي العالم تتسلل إلى طفولتي عبر الشاشة. وجوههم لم تُشبه وجوهنا؛ بشرة وعيون أفتح، وألسنة لا نفهمها إلا عبر الترجمة. كان البعد مضاعفاً: جغرافيا، ولغوياً، وشعورياً».
تأتي رحلة الكاتبة إلى البوسنة بعد عقود من شغفها بتلك الحرب، التي تركت أثراً في وجدانها منذ الطفولة.
ترافق تلك الحرب الكاتبة في حقيبة طفولتها، ليتزايد شغفها بفهم تلك الصلة بعد أن أصبحت صحفية وروائية، فتبدو رحلتها إلى البوسنة امتداداً طبيعياً لفضول مبكر دفعها إلى التقديم لجامعة سريبرينيتسا الصيفية، التي تنظم رحلة مكثفة عبر تاريخ البوسنة وحاضرها، وتتضمن زيارات ميدانية للمواقع التاريخية والمتاحف ولقاءات مع نشطاء وسكان.
ما بعد الإبادة
يبدو الكتاب، الصادر عن دار «كتوبيا» للنشر بالقاهرة، قراءةً في آثار الحرب، وما أنتجته من ثقافة تحفظ الذاكرة عبر المتاحف، والرموز والطقوس، والأدب. تصل الكاتبة إلى سريبرينيتسا بعد عقود من ذكرى الإبادة الجماعية التي شهدتها. وترصد، عبر محطات سيرها وتجوالها اليومي، ومشاهداتها وملاحظاتها البسيطة، ما يربط الحاضر بماضي الحرب، بينما تصنع مفارقات واسعة بين طبيعة المكان الجمالية، وبين المجزرة التي شهدتها: «على أرض البوسنة شواطئ وشلالات وجبال وأنهار وألوان من الجمال شتى تأسر العين، ويقوم عليها قطاع ترفيهي وسياحي نشط. هي أيضاً مقصد عالمي لهواة التزلج. لكن يظل المعلم السياحي الأول الراسخ لها في الأذهان هو ذاكرة الحرب، أو بالأحرى ذاكرة الإبادة».
تظل حساسية الملاحظة إحدى أدوات الكاتبة لتسجيل آثار حرب البوسنة على حاضرها، وهي الحرب التي اندلعت مع تفكك يوغوسلافيا، وخلّفت واحدة من أبشع مآسي أوروبا الحديثة، بما شهدته من سياسات التطهير العرقي، و«مجزرة سريبرينيتسا» التي أصبحت لاحقاً رمزاً للإبادة الجماعية في القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.
تتوقف الكاتبة عند تجربة الجامعة الصيفية التي التحقت بها، كانت توفِّر في سنواتها الأولى الإقامة والرعاية الكاملة للدارسين من أنحاء العالم، أخذت تفقد تدريجياً دعم المانحين، خاصة بعد جائحة «كورونا»، حتى تقلصت إمكاناتها بصورة لافتة، ولا يبدو هذا التفصيل عابراً في الكتاب، بل يتحوَّل إلى سؤال عن مصير المؤسسات الثقافية التي تحفظ الذاكرة.
فلا يقتصر دور تلك الجامعة على تدريس تاريخ البوسنة، إنما تؤدي دوراً سنوياً في إحياء ذكرى «مجزرة سريبرينيتسا»، إذ تختتم برامجها بالمشاركة في مسيرة السلام، التي يسير خلالها المشاركون على خطى آلاف الفارين من الموت عام 1995، الأمر الذي يجعل تراجع دعمها خسارةً تتجاوز التعليم والمعرفة إلى الذاكرة التاريخية نفسها.
رموز بصرية
من أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يقتصر على توثيق الحرب، بل ينتقل إلى ما صنعته البوسنة بذاكرتها بعد الحرب، حيث اختارت ألا تمحو آثار المأساة، بل جعلتها جزءاً من حياتها اليومية؛ فترصد الكاتبة مثلاً «زهور سراييفو»، وهي الحفر التي خلفتها القذائف في الشوارع، وكأنها زهور نبتت في قلب الإسفلت.
تنظر الكاتبة إليها بوصفها فلسفةً كاملةً في مقاومة النسيان؛ فالمدينة لم تُخفِ جراحها، إنما أبقتها مرئيةً، لتتحوَّل الشوارع نفسها إلى سجل تاريخي مفتوح، ومن الفكرة نفسها تنتقل إلى «وردة سريبرينيتسا» التي نسجتها أمهات الضحايا لتصبح أحد أشهر رموز الإبادة الجماعية؛ 11 بتلة تشير إلى الـ11 من يوليو (تموز)، واللون الأبيض يرمز إلى براءة الضحايا، بينما يتوسَّطها قلب أخضر يستدعي استمرار الحياة، ليلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة الثقافة على تحويل الحداد إلى رمز، والرمز إلى ذاكرة جماعية، بما يجعل الفن نفسه امتداداً لفعل المقاومة. لا تكتفي سليمان بتأمل تلك الرموز البصرية، التي شملت التماثيل والجداريات والمتاحف، بل أيضاً البنية السياسية والاجتماعية للدولة، متأملة فلسفة الانتماء نفسها، فتقول: «تتسع الأرض للجميع، ولا يُمنح الانتماء لها بسهولة»، وذلك في سياق حديثها عن قانون الجنسية في البوسنة والهرسك، الذي لا يمنح الجنسية لمجرد الميلاد على أرض البلاد، إنما يشترط أن يكون أحد الأبوين مواطناً بوسنياً.
ومن خلال هذا التفصيل القانوني تفتح الكاتبة باباً للتأمل في مجتمع ما زال يسعى، بعد الحرب، إلى حماية توازنه الديموغرافي والديني شديد الحساسية، حيث تتجاور الهويات الإسلامية والمسيحية واليهودية داخل دولة لا تزال آثار الصراع ماثلةً في بنيتها السياسية، وهو مفتاح لفهم علاقة البوسنيِّين بالأرض، وبالهوية، وبالذاكرة التي ما زالت تحدد كثيراً من اختياراتهم.
تقتفي الكاتبة أيضاً ذاكرة الإبادة في الأدب، لذلك تحرص على اقتناء الروايات البوسنية، وتسجيل ملاحظتها حول قلة ترجمتها إلى الإنجليزية، وأيضاً حضورها الضعيف في الثقافة العربية، وتُخصِّص مساحةً لمقاربات أدبية بين تلك الأعمال، وبين أعمال أخرى مثل رواية «حطب سراييفو» للروائي الجزائري سعيد خطيبي، التي تستدعي بدورها ذاكرة الحرب في البلقان، وتكشف كيف يمكن للرواية أن تعبر الحدود الجغرافية لتلتقي الذاكرة الإنسانية نفسها.
من خلال هذه القراءات يعزِّز الكتاب فكرة أنَّ الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب؛ فإذا كانت المتاحف تحفظ الوقائع، فإنَّ الروايات تحفظ ما هو أكثر هشاشة؛ الخوف، والحنين، والخيبة، والأسئلة التي يتركها العنف في النفوس، ومن هنا تبدو قراءات الكاتبة الأدبية جزءاً أصيلاً من الرحلة، لا استراحة بينها، وكأنَّها تؤمن بأنَّ الطريق إلى البوسنة يمرُّ أيضاً عبر الكتب.
ومن ثم، تطرح الكاتبة تساؤلات عن غياب الاستثمار العربي في المبادرات الثقافية التي تحفظ ذاكرة الإبادة، ودعم المؤسسات المعنية بها، التي تعاني اليوم من تراجع التمويل. ويأتي هذا الطرح متناغماً مع الفكرة المركزية للكتاب؛ وهي مقاومة البوسنيِّين للنسيان، عبر تحويل آثار مأساتهم التاريخية إلى لغة بصرية وأدبية وإنسانية حيّة.
الأدب لا يقل أهمية عن الوثيقة التاريخية في فهم المجتمعات الخارجة من الحروب
يبرز الكتاب كيف تحولت ذاكرة الحرب إلى عنصر أساسي في الثقافة البوسنية، من خلال رموز بصرية وقانونية وأدبية. كما يطرح تساؤلات حول مستقبل المؤسسات الثقافية التي تحفظ هذه الذاكرة في ظل تراجع الدعم. ويقدم تأملاً في علاقة الهوية والجنسية في دولة لا تزال تتعامل مع تداعيات الصراع.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.