اللعب ليس للأطفال فقط... لماذا يظل البالغون بحاجة إليه؟
لطالما ارتبط اللعب في أذهاننا بالأطفال، باعتباره وسيلة للتعلم والتطور خلال سنوات النمو الأولى، لكن الأبحاث العلمية تشير إلى أن هذه الحاجة لا تختفي عند البلوغ.
مع تفاقم تحديات التربية في عصر الرقمنة، يرفع الآباء والمربون صوتهم شاكين من صعوبة شد انتباه الأطفال والحفاظ على تركيزهم، في ظل تنامي استخدام الشاشات وتسارع إيقاع الحياة، مما أضعف مساحة اللعب الحر والنشاط البدني. ويؤكد الخبراء أن التركيز مهارة قابلة للتنمية عبر تدريبات يومية بسيطة.
ومع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا في الحياة اليومية، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب تنمية مهارات الانتباه لدى الأجيال الجديدة.
وفي هذا السياق، تذكر كيرا ويلي، خبيرة التربية الواعية، أن أكثر ما تسمعه في ورش العمل ولقاءات الأهالي والدورات التدريبية للمعلمين ليس نوبات الغضب أو اضطرابات النوم، بل تكرار جملة: «لا أستطيع جعل أطفالي ينتبهون».
وتؤكد ويلي أن هذا الأمر لا يثير استغرابها، لأن طفولة اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في السابق. وتسترجع ذكرياتها قائلة إنها كانت تقضي مع شقيقها ساعات طويلة في التجول داخل الغابات، أو ممارسة ألعاب لوحية معقدة، أو حتى الشعور بالملل، وهي تجارب كانت تمنح الأطفال فرصة للتركيز والانغماس في نشاط واحد لفترات طويلة.
أما اليوم، فقد أصبحت هذه اللحظات التي يقضيها الأطفال في نشاط واحد بعيداً عن الشاشات نادرة، وهو ما أسهم في تراجع قدرتهم على التركيز، وذلك وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».
لماذا أصبح الأطفال أكثر تشتتاً؟
لا يحصل الأطفال على القدر الكافي من الحركة
تشير ويلي إلى أن أدمغة الأطفال تطورت لتتعلم من خلال الحركة، إلا أن معظم الأطفال اليوم يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في الجلوس، بينما لا يحصلون إلا على أقل من نصف مقدار النشاط البدني الذي يحتاجونه، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التركيز والانتباه.
التكنولوجيا تشتت انتباه الأطفال
عند استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية، ينتقل الطفل بين مهمة وأخرى كل 65 ثانية في المتوسط، مما يدرب الدماغ على انتظار محفز جديد ويقلص القدرة على التركيز الطويل.
الكبار أيضاً يرسخون التشتت
لا يقتصر الأمر على الأطفال، فحين يعتاد الآباء أو مقدمو الرعاية تفقد هواتفهم باستمرار، أو أداء عدة مهام في الوقت نفسه، أو الرد على أطفالهم بشرود ومن دون تواصل بصري، فإنهم يرسخون لديهم فكرة أن تشتت الانتباه سلوك طبيعي.
قلة النوم والراحة
تسهم الجداول اليومية المزدحمة، ومواعيد النوم غير المنتظمة، واستخدام الشاشات قبل النوم، في حرمان كثير من الأطفال من النوم العميق الذي يحتاج إليه الدماغ للنمو وتعزيز التركيز والانتباه.
طرق مجربة وفعالة لمساعدة طفلك على التركيز
ترى ويلي أن التخلص تماماً من جميع عوامل التشتيت في حياة الأطفال يكاد يكون مستحيلاً، لكن يمكن تدريب أدمغتهم على تنمية مهارات التركيز والانتباه واستخدامها بوعي من خلال عدد من الأساليب العملية:
1- استخدم اللمس اللطيف للتواصل
تقول ويلي إنها تعلمت هذه الطريقة من معلمة متميزة في إحدى رياض الأطفال.
فقد كانت المعلمة تلاحظ الطفل الذي يبدأ بالتململ أو إثارة الفوضى، لكنها لم تكن تلجأ إلى توبيخه أو مقاطعته. وبدلاً من ذلك، كانت تقترب منه بينما تواصل حديثها مع بقية الأطفال، ثم تضع يدها برفق على كتفه، في رسالة هادئة تقول له: «أنا أراك، وأنا هنا معك».
وتؤكد ويلي أن هذا الأسلوب يمكن تطبيقه بسهولة في المنزل. فعندما يكون الطفل مشتتاً وتحتاج إلى جذب انتباهه، حاول أن تلمس كتفه برفق أو تمسك بيده أثناء الحديث معه. فهذا النوع من التواصل الجسدي يمنحه شعوراً بالأمان والطمأنينة، ويساعده على إعادة تركيزه والانتباه لما تقوله.
2- استخدم لغة إيجابية
تنصح ويلي بإخبار الأطفال بما ينبغي عليهم فعله، بدلاً من التركيز على ما يجب أن يتوقفوا عن فعله، لأن ذلك يمنحهم صورة أوضح عن السلوك المطلوب.
فالعقول الصغيرة تستجيب بصورة أفضل للتعليمات الواضحة والإيجابية، مثل قول: «امشِ بهدوء من فضلك»، بدلاً من: «توقف عن الجري».
وترى أن هذا التغيير البسيط في طريقة الحديث يخلق أجواء أكثر إيجابية، ويجعل الوالدين يؤديان دور المرشد الحازم والداعم، بدلاً من الظهور بمظهر المراقب الذي يكثر من التوبيخ.
3- استخدم عبارة «حان وقت...»
بدلاً من سؤال الطفل: «هل يمكنك ارتداء حذائك؟»، تقترح ويلي أن تقول له: «حان وقت ارتداء حذائك».
وبدلاً من: «هل نرتب ألعابك؟»، يمكن القول: «حان وقت ترتيب ألعابك الآن».
وتوضح أن الأطفال يشعرون بقدر أكبر من الأمان عندما يعرفون بوضوح ما هو متوقع منهم، لذلك ينبغي استخدام الأسئلة فقط عندما يكون لديهم خيار حقيقي، مثل: «هل تفضل ارتداء الحذاء الرياضي أم الحذاء الطويل اليوم؟».
فالأسئلة تمنح الطفل فرصة للاختيار، أما التعليمات فتناسب المواقف التي تتطلب تنفيذ أمر ضروري، وهو ما يساعد على تقليل الخلافات اليومية بصورة ملحوظة.
4- جرّبوا تحديات التوازن
تؤكد ويلي أن أنشطة التوازن تجذب الأطفال بطبيعتها إلى حالة من التركيز العميق، لأنها تجبرهم على الانتباه إلى حركة أجسادهم في اللحظة الراهنة.
فعندما يتخيل الطفل أنه يسير فوق حبل مشدود ويحاول ألا يسقط، فإنه لا يستطيع إلا أن يركز بكل انتباهه على حركاته.
ورغم أن الطفل قد يعتقد أنه يتدرب ليصبح لاعب سيرك في المستقبل، فإن ما يحدث في الواقع هو أنه يعزز قدرته على التركيز والتحكم في انتباهه أثناء الحركة، وهي مهارة تنعكس إيجاباً على جوانب أخرى من حياته اليومية.
اقرأ أيضاً

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة تؤثر على حجم المخ لدى الأطفال

مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

خطأ تربوي بسيط يُضعف ثقة الأطفال بأنفسهم... احذر منه
وتؤكد الدراسات أن قلة النشاط البدني والاستخدام المفرط للشاشات يسهمان في تراجع التركيز لدى الأطفال، فضلاً عن أن سلوك الكبار في التعامل مع الهواتف يعزز هذه الظاهرة. ويشير الخبراء إلى ضرورة توفير فرص اللعب الحر والحد من المقاطعات الرقمية لتنمية قدرة الدماغ على الانتباه. ومع استمرار هذه التحديات، تبرز أهمية توعية الأسرة والمدرسة بأثر البيئة اليومية على تطور مهارات التركيز.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.