كتاب

محمد المرواني

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾

محمد المرواني

تاريخ النشر: 11 يوليو 2026 22:39 KSA

AA

عبر سنواتٍ طويلةٍ، كان النَّومُ ليلًا، والاستيقاظ مع بزوغ الفجر جزءًا ثابتًا من نمط حياة الإنسان. لم يكن ذلك مجرَّد عادةٍ اجتماعيَّة، بل كان انسجامًا فطريًّا مع الساعة البيولوجيَّة التي خُلق عليها الإنسان. كان مشهدًا مألوفًا أنْ تخلو الشَّوارع بعد صلاة العشاء إلَّا من قلَّة، بينما تدبُّ الحياة مع أوَّل خيوط الشَّمس، حيث يبدأ النَّاسُ يومهم في قمَّة نشاطهم وحيويتهم.

اليوم، تبدَّل المشهدُ تمامًا. فقد أصبح السَّهر حتى ساعات الفجر المتأخِّرة واقعًا واسع الانتشار، حتى باتت شريحة كبيرة من المجتمع تعيش نهارًا مقلوبًا، تنامُ بعد شروق الشَّمس، وتستيقظُ في العصر، أو المغرب. فما الذي جعل المعادلة تنقلبُ رأسًا على عقب؟. تؤكِّد الدكتورة جهاد مصطفى، اختصاصيَّة الطبِّ النفسيِّ، أنَّ هذه الظاهرة لم تعدْ مجرَّد سلوكٍ عابرٍ، بل هي نتيجة تراكميَّة لعدَّة عوامل نفسيَّة وسلوكيَّة، أهمُّها الضغوط والقلق. وأنَّ كثيرًا من الأشخاص يلجأون إلى السَّهر كوسيلة للهروب من ضغوط اليوم، أو لتهدئة الأفكار المتسارعة، فيما يُعرف بفرط الإثارة المعرفيَّة، حيث يعجز الدماغُ عن الانتقال إلى حالة الاسترخاء المطلوبة للنوم.

كما أشارت إلى دور التقنية المحوريِّ، فالهواتف الذكيَّة، ومنصَّات التواصل الاجتماعي أحدثت تحوُّلًا كبيرًا في نمط حياتنا، إذ تمنح الإشعارات والتفاعل المستمر شعورًا بالمكافأة؛ ممَّا يجعل التصفُّح ممتعًا ويصعب التوقُّف عنه، ويعزِّز السَّهر حتى ساعات متأخِّرة. كما أنَّ امتداد الزيارات والمناسبات الاجتماعيَّة، مع الاعتماد على المنبِّهات لتعويض نقص النوم، يخلق دورة يصعب كسرها. ولا تتوقَّف آثارُ السَّهر عند الشعور بالتعب، إذ توضِّح الدكتورة جهاد وجود علاقة بين سوء النوم والاضطرابات النفسيَّة، كالقلق والاكتئاب، مشيرة إلى أنَّ الأطفال والمراهقين هم الأكثر تأثُّرًا؛ لأنَّ الحرمان من النوم ينعكس على نموِّهم المعرفيِّ، وتركيزهم، وتحصيلهم الدراسيِّ. كما أنَّ النَّوم نهارًا لا يعوِّض الفوائد الصحيَّة للنَّوم الليليِّ؛ لأنَّه يخلُّ بالساعة البيولوجيَّة، ويزيد من العزلة الاجتماعيَّة. وتنبِّه الدكتورة مصطفى إلى أنَّ الحلَّ لا يأتي بقرارات مفاجئة، بل بتغيير تدريجيٍّ. فبالنسبة للأفراد، يكون ذلك بتقديم موعد النَّوم ثلاثين دقيقة كل يومين، وتهيئة بيئة نوم هادئة، والابتعاد عن الشَّاشات قبل النوم بساعة. أمَّا الأُسر، فتوصي بأنْ تؤدِّي دورًا محوريًّا في ترسيخ القُدوة، من خلال التزام الوالدَين بنمط نوم صحيٍّ، وتحديد أوقات خالية من الأجهزة، وتعزيز قيمة النَّوم كركيزةِ للصحَّة. لقد اعتدنا أنْ نصف السَّهر بأنَّه جزءٌ من حياتنا المعاصرة، لكن السؤال الذي يستحقُّ التأمُّل هو: هل نحنُ مَن يتحكَّم في هذه العادة، أم أنَّها أصبحت هي التي تتحكَّم فينا؟ آن الأوان لأنْ نعيد النَّظر في علاقتنا باللَّيل والنَّهار. فالنوم الجيد ليس رفاهية، بل هو أساس لصحة نفسية وجسدية متوازنة. وفي ساعات الصباح الأولى بركة ونشاط وجودة حياة نفتقد كثيرًا منها اليوم. ويبقى الليل والنهار ميزانًا لا يختل. فمن يعبث به يدفع الثمن، والسهر مهما بدا عادةً بسيطةً، يسرق منا أكثر ممَّا يمنحنا.

مقالمقالات