ظاهرة عقدة الناجي وثقل البقاء على قيد الحياة وسط الركام والحروب
تستكشف هذه الظاهرة النفسية الموثقة الأعباء العاطفية والشعور بالذنب الذي ينتاب الناجين من الكوارث والحروب حين تتحول سلامتهم إلى عبء خفي.
ملخص
تُعرف "عقدة الناجي" بأنها حالة نفسية موثقة تحيل النجاة وسلامة الممتلكات إلى عبء أخلاقي وشعور بالذنب تجاه خسائر الآخرين، وتعود جذورها التاريخية والعلمية إلى شهادات هيروشيما والكوارث الطبيعية والأوبئة وصولاً إلى الحرائق والحروب في لبنان، حيث يفرض المجتمع أحياناً معايير للكرامة تولد ضغطاً نفسياً يجعل الناجين يخجلون من سلامتهم.
تتجلى هذه الظاهرة الإنسانية عبر التاريخ في أعقاب الحروب والدمار الشامل لتلقي بظلالها على الناجين من مختلف الأجيال.
لماذا يشعر من لم يهدم بيته بالذنب أمام مجتمع يحصي أنقاضه؟
لم يكن الطفل الياباني الذي حمل جثة شقيقه الصغير على ظهره مجرد رمز للفقد، فلقد صار أيقونة للصمت الذي يخلفه البقاء. ففي ناغازاكي عام 1945، بعد أيام قليلة من سقوط القنبلة الذرية، التقط المصور الأميركي جو أودونيل صورة لطفل في العاشرة من عمره، حافي القدمين، يقف وقفة شبه عسكرية، ويحمل على ظهره جثة أخيه الرضيع في طابور طويل ينتظر دوره لحرق الجثث. لم تكن ملامحه تبكي، لكن شفته السفلى المضغوطة بقوة كانت تخون الانهيار الذي يحاول كتمانه. وقف ذلك الطفل، وهو على الأرجح آخر الناجين من عائلته، حاملاً على ظهره عبء أن يكون هو من بقي حياً ليحمل جثة أخيه.
تلك الصورة تختصر بصمت أعمق من أي كلام سؤالاً لا يزال يطارد كل من نجا من كارثة لم ينج منها من يحب، لماذا أنا؟ لماذا بقيت أنا لأحمل العذاب، بينما رحل الآخرون؟ هذا السؤال، الذي وقف بصمت خلف عيني ذلك الطفل قبل أكثر من 80 عاماً، هو نفسه الذي لا يزال يتردد اليوم في بيوت لبنان التي صمدت بينما تهاوت بيوت الجيران، وفي غرف الجرحى الذين يعتذرون لأنهم، على حد تعبيرهم، لم "يستحقوا الشهادة". وفي كل مكان يصبح فيه البقاء على قيد الحياة، بلا أي ذنب حقيقي، عبئاً يحمل على الظهر كجثة لا ترى.
وقد ذكرت بعض الرويات غير المؤكدة أن الطفل قال لجندي طلب منه إلقاء الجثة لأنها ثقيلة، "ليس ثقيلاً، إنه أخي". وقد رأى بعض علماء النفس في مثل هذه التجارب البذور الأولى لما يعرف بـ"عقدة الناجي"، ذلك الشعور الثقيل الذي يطارد من بقي حياً بينما رحل الآخرون.
وعلى الرغم من عدم الجزم بأن ذلك الطفل قد عانى بالفعل من هذه الحالة، إلا أن صورته تعكس بأدق تعبير الثقل النفسي الملقى على كاهل الناجين من الكوارث حين تصير النجاة حملاً إضافياً.
هناك نوع من الذنب الخالي من الخطايا والذي لا يستوجب اعترافاً أو عقوبة، لكنه يستقر في الصدر كثقل غير مرئي يشعر به الإنسان بلا اقتراف، مدفوعاً بصدفة نجاة سقفه وحدوث المصيبة لسقف الجار أو الأقارب، وهي حالة نفسية موثقة عبر عقود من النزاعات والزلازل والأوبئة تجعل من البقاء حياً أشبه بالتهمة.
![]()
الصبي الياباني الذي حمل جثة أخيه الرضيع على ظهره (مواقع التواصل)
الطب النفسي يسميها
تعد جذور هذه العقدة قديمة، وقد أطلق تسمية هذه الحالة، الطبيب النفسي الأميركي روبرت جاي ليفتون، الذي أجرى عام 1962 مقابلات مع 75 من الناجين من قنبلة هيروشيما الذرية، وخرج بكتابه المرجعي "الموت في الحياة: ناجو هيروشيما". لقد صاغ ليفتون مصطلح "ذنب الموت"، ووصف كيف أن الناجين ظلوا حبيسي شعور دائم بأنهم مدينون لأولئك الذين ماتوا مكانهم، حتى إنه أطلق لاحقاً تسمية أكثر دقة هي "ذنب الناجي المستبق"، ليصف به قلق من يعرف أيضاً أنه قد يكون الضحية التالية. ومن أكثر الصور تأثيراً في بحث ليفتون، توثيقه عن شاعر ممن نجوا في هيروشيما فوصف نظره إلى العشب الذي نما من تراب اختلط بعظام الموتى، وكأن هذا العشب عيون الموتى وهي تراقب من بقي على قيد الحياة. وقد لاحظ ليفتون أن هذا الذنب لا يقتصر فقط على الفرد، ويتعداه ليتحول إلى ذنب جماعي تعيد المجتمعات إنتاجه في ما بينها، حتى أن أية تجربة نووية جديدة في أية بقعة من العالم كانت تعيد إحياء مشاعر الذنب لدى ناجي هيروشيما أنفسهم ولو بعد وقت طويل.
وتكررت هذه الظاهرة لاحقاً بصورة موثقة جيداً لدى الناجين من المحرقة النازية، إذ تظهر عقود من الدراسات النفسية أن كثيراً منهم عاشوا شعوراً بأنهم استفادوا من امتياز النجاة على حساب أقارب وأصدقاء وجيران قضوا، وامتد هذا الذنب أحياناً إلى أبنائهم من الجيل الثاني الذين لم يعيشوا المحرقة أصلاً. ووفق تعريف جمعية علم النفس الأميركية، فإن "ذنب الناجي" هو شعور بالندم لأن المرء نجا من كارثة لم ينج منها آخرون، أو لأنه لم يتحمل ما تحمله غيره من مآس، وغالباً ما ينبع هذا الشعور من إحساس داخلي بالتقصير في فعل ما يكفي لإنقاذ الآخرين.
![]()
عقدة البيت الذي يصمد أمام أنقاض بيوت الجيران (اندبندنت عربية)
الزلزال لا يختار ولكن
في السادس من فبراير (شباط) 2023 ضرب زلزالان بقوة 7.8 و7.7 درجة جنوب وسط تركيا وشمال غربي سوريا، تبعتهما أكثر من 570 هزة ارتدادية خلال 24 ساعة فقط، طال أثرهما نحو 26 مليون إنسان، وأودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص.
بعد ذلك بعامين تقريباً، نشرت دراسة في مجلة "بيهايفيورال ساينس" (Behavioral Sciences) في عام 2025 نتائج فحصها 127 من الناجين، وخلصت إلى أن "ذنب الناجي" يعمل كجسر نفسي بين أنماط تفكير سلبية متجذرة وشدة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، أي أن الذنب ليس عارضاً جانبياً وهامشياً إنما حلقة وصل تبقي الجرح مفتوحاً والألم حياً.
ووجدت دراسة أخرى شملت 642 ناجياً من زلزال "قهرمان مرعش" (جنوب تركيا)، أجريت بعد نحو عامين من الكارثة، أن مستويات الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة ما زالت مرتفعة حتى بعد هذه المدة الطويلة، مما يؤكد أن هذا النوع من الجروح النفسية لا يلتئم بمرور الوقت وحده. ويشرح موقع "سيكولوجي توداي" (Psychology Today) هذه المفارقة بعبارة تقول "إن الكوارث عشوائية بطبيعتها، فقد يمحو الإعصار بيت عائلة ويترك بيت الجيران المقابل سليماً تماماً، وقد ينجو شخص من إطلاق نار جماعي بينما يصاب من يقف بجانبه إصابة بالغة، وقد يطاول تسريح العمل قسماً كاملاً ويبقي على قلة من الموظفين. لكن هذا العبث في توزيع الكارثة يصعب على العقل البشري استيعابه، فيلجأ كثيرون إلى الشعور بأنهم لا يستحقون النجاة أصلاً".
في سياق متصل وجدت مؤسسة "تروما ريسورس انستيتوت" (Trauma Resource Institute) أن من أكثر الأفكار تكراراً لدى الناجين من الكوارث هي التساؤل عن سبب نجاة بيتهم تحديداً، وما كان بإمكانهم فعله لمساعدة الجيران، وأن تدمير الحي بأكمله يعني أيضاً تفكك الشبكة الاجتماعية التي كانت توفر الدعم، مما يزيد الشعور بالعزلة، حتى لدى من لم يخسر شيئاً مادياً.
![]()
تفقد البيوت بعد دمارها في بنت جبيل بجنوب لبنان (اندبندنت عربية)
من كورونا إلى الحرائق
لم تكن جائحة كورونا استثناء، ففي مقالة نشرت عام 2021 في "جورنال اوف باين اند سمبتوم ماناجمنت" (Management Journal of Pain and Symptom) وصف العاملون الصحيون بأنهم شهود وضحايا في آن، إذ إن حصولهم على الأولوية في معدات الوقاية واللقاحات، بينما كانوا يشاهدون مرضاهم يموتون عبر شاشات الهواتف، ولد لديهم إحساساً متصاعداً بـ"ذنب الناجي" على رغم أنهم لم يفعلوا شيئاً خاطئاً سوى أنهم بقوا بصحة جيدة ليكونوا قادرين أيضاً على إسعاف المرضى وتقديم الرعاية الصحية لهم. وفي مشروع توثيق يوميات الجائحة في الولايات المتحدة وكندا، سجلت إحدى الممرضات في يومياتها أن الشعور بالأمل في تلك الفترة كان نعمة مقلقة في آن، لأنه يترافق مع ذنب يشبه ذنب الناجين.
أما أولئك الذين أصيبوا ونجوا فشعروا أن صفحة جديدة من كتاب العمر أضيفت إلى حياتهم من دون أن ينسوا من فقدوا في غمرة تسونامي الموت عند اجتياح الجائحة للكوكب، وفي الوقت نفسه أشاعت كورونا جواً من المساواة بين سكان الكوكب إلى أن بدأت اللقاحات تصل إلى سكان شمال الكرة الأرضية الأغنى.
وهنا اتخذ "ذنب الناجي" بعداً عالمياً أوسع حين تحول التطعيم نفسه إلى فاصل قاس بين من نجا ومن انتظر، فبحلول نهاية عام 2021 كانت 10 دول فقط قد حصلت على 75 في المئة من إجمالي اللقاحات المنتجة عالمياً، بحسب مجلة "ميشيغان ستايت توداي" (Michigan State Today)، بينما وصف مدير "منظمة الصحة العالمية" تيدروس أدهانوم العالم بأنه "على شفا فشل أخلاقي كارثي"، ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المشهد بأنه "فضيحة أخلاقية"، حين كان أكثر من 90 في المئة من الأفارقة ما زالوا ينتظرون جرعتهم الأولى، فيما كانت دول الشمال قد لقحت سكانها بالكامل. ووصفت باحثة إثيوبية - أميركية متخصصة في الصحة العامة، تعيش في الولايات المتحدة، في مقالة لها هذا الانقسام بـ"ذنب الناجي" الحرفي، فقد شعرت بالذنب الذي سمي حينها "ذنب اللقاح"، لأنها حصلت على اللقاح بيسر بينما كانت أثيوبيا، مسقط رأسها، لم تطعم سوى اثنين في المئة من سكانها، وسمعت والدتها تقول إنها "مستعدة للانتظار"، وهي جملة وصفتها الباحثة بأنها "تسقط القلب"، لكن المفارقة الأعمق أن هذا الذنب الذي اقتصر ربما على الباحثين والعاملين الصحيين والجاليات، لم يغير السلوك الجماعي، إذ واصلت الدول الغنية حجز جرعات معززة إضافية بينما كانت دول أخرى لم تبدأ بعد، في تكرار لنمط "ذنب الناجي" حيث الشعور صادق، لكنه لا يكفي وحده ليغير سياسة أو مصيراً.
أما في حرائق كاليفورنيا عام 2018، فقد وثقت تقارير ودراسات صدرت عن "الجمعية الأميركية لعلم النفس" (APA) وشبكة UCLA Health أن من يبقى بيته سليماً في حين بيت جاره يحترق، يعيش خليطاً متناقضاً من الامتنان والحزن العميق في الوقت نفسه، وهو ما وصفته إحدى المعالجات النفسيات بأن حزن المرء حقيقي حتى لو كان أقل قسوة من حزن غيره، وأن شعور كل من الامتنان والألم، يمكن أن يتعايشا معاً من دون تناقض حقيقي. فالشعور بالامتنان لنجاة الممتلكات لا ينفي مشروعية الحزن على ما حل بالآخرين، وأكدت أن "عقدة ذنب الناجي" تجعل الشخص يشعر بأن حزنه أو ألمه غير مبرر مقارنة بخسائر جيرانه.
![]()
هنا كانت البيوت تعج بالساكنين فلا هم بقوا ولا بيوتهم صمدت (اندبندنت عربية)
حين يفوتك "شرف" الدمار أو الموت
لا يمر يوم في لبنان من دون خسائر بشرية وعمرانية جديدة تضاف إلى سجل لم يقفل بعد، فمنذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى اليوم، تختصر الأرقام وحدها حجم الكارثة، لكنها لا تروي إلا جزءاً من الحكاية. ففي المرحلة الأولى من الحرب، التي امتدت حتى وقف إطلاق النار في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 4047 قتيلاً وإصابة 16638 آخرين، بينهم مئات النساء والأطفال، بعد أن نفذت إسرائيل ما لا يقل عن 13250 غارة جوية خلال تلك الفترة وحدها. وبعد أشهر من هدنة هشة تخللتها خروق متكررة، عادت الحرب لتشتعل من جديد في الثاني من مارس (آذار) 2026، لترتفع الحصيلة، بحسب آخر بيان لمركز عمليات طوارئ الصحة بتاريخ الـ13 من يوليو (تموز) 2026، إلى 4324 قتيلاً و12221 جريحاً في هذه المرحلة وحدها، ليصبح مجموع من سقطوا حتى اليوم لا يقل عن 8371 قتيلاً و28859 جريحاً، وهو رقم لا يشمل حتى الضحايا الذين سقطوا في فترة الخروقات غير المحصاة رسمياً بين الهدنتين. أما البيوت التي كانت يوماً ملجأ، فتحول أكثر من 230 ألف منها إلى ركام أو أصيب بضرر جزئي بحسب "المجلس الوطني للبحوث العلمية"، أضيف إليها نحو 78 ألف وحدة سكنية أخرى في موجة القصف الجديدة وحدها، فيما رصد تقييم مشترك بين الحكومة اللبنانية والبنك الدولي تدمير 11095 مبنى بالكامل في جنوب لبنان وحده، بخسائر مباشرة في المباني تقدر بمليار و380 مليون دولار، ولأن الحرب لا زالت قائمة بصيغ مختلفة فإن الأرقام تزداد كل يوم.
لكن الأرقام وحدها مهما عظمت لا تروي حكاية الشعور الذي عاشه من نجا بيته وسط هذا الركام، وحين يشتكي بعضهم من تعويض زهيد لم يغط سوى جزء يسير من قيمة الضرر، يأتي الرد قاسياً يختصر منطق مجتمعات ما بعد الحرب، فبعضهم ضحى بالدماء أو خسر الأهل والأبناء والأقارب وبعضهم خسر جنى عمره أو منزله، وهنا تأتي المقارنة، فيشعر من خسر بيته فقط من دون أن تزهق روحه بالذنب، وتتكثف عقدة الناجي بأكملها. أما من لم يخسر بيته أو أحداً، يجد نفسه وكأنه مطالباً ضمناً بتبرير سلامته، وكأن الدمار وسام شرف يفوته! وهذا بالضبط ما تصفه الأدبيات النفسية بـ"الذنب الجماعي"، إذ تحمل المجتمعات التي عاشت خسارة واسعة النطاق مسؤولية جماعية عن رفاهية أفرادها، فيصبح كل من لم يصب بأذى مطالباً بتفسير حظه. وتشرح مؤسسة "بولار سبرينغز" (Poplar Springs) أن العقل البشري مبرمج للبحث عن تفسيرات، وحين لا يجد جواباً واضحاً لسؤال "لماذا أنا وليس غيري؟" يملأ الذنب هذا الفراغ التفسيري، خصوصاً في مجتمعات صغيرة مترابطة كقرى الجنوب اللبناني حيث يعرف كل بيت تاريخ جاره.
البيت الذي لم يهدم والابن الذي لم يقتل
وفي سياق متصل يظهر وجه آخر لهذا الذنب لا يحتاج إلى ركام ليولد، فبيت صامد وابن حي قد يتحول المشهد أحياناً إلى تهمة صامتة في مجتمعات تقدس التضحية وتقيس المكانة بحجم الفقد والموت. وهنا يتجاوز "ذنب الناجي المستبق" الذي صاغه ليفتون فكرة الخوف من أن تكون الضحية التالية، ليصبح خوفاً ألا تكون، وكأن غياب "الموت" (ذو الرمزية الدينية) عن عتبة البيت، نقص يستوجب تبريراً أمام الجيران الذين دفعوا الثمن كاملاً.
وقد تكون أكثر جملة تعبر بقسوتها عن هذا المشهد ما قاله الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله، حين وقف أمام أهالي "الشهداء" بعد مقتل ابنه البكر هادي في عام 1997، إذ قال "كنت أخجل من النظر إلى عيونكم عند زيارتكم، فالحمد لله الذي اختار ابني 'شهيداً' لأكون منكم ومعكم". جملة واحدة تختصر عقوداً من الأدبيات النفسية عن "ذنب الناجي"، إذ يتحول رجل في موقع القيادة نفسه إلى "ناج" يعترف بخجله أمام من فقدوا، قبل أن يجد في مقتل ابنه ما يصفه هو بالانتماء أخيراً إلى صفوفهم. وفي قصة نقلها الإعلام اللبناني عن والد جريح من الجنوب استقبل ولده في المستشفى بعد إصابته بجملة قد تكون أقسى من أية رصاصة، "ما بحب الجرحى، ما عرفت تجي 'شهيد'؟ ما حدا منكن عرف يجي 'شهيد'، لأقدر حط عيني بعيون أهالي 'الشهداء'"، بمعنى أنه يأسف لنجاة ابنه وكان يتمنى مقتل أحد أبنائه ليتساوى في المرتبة مع من فقدوا أبناءهم. هنا تتحول النجاة من الموت، التي يفترض أن تكون نعمة، إلى مصدر عار أمام الأب نفسه، وتصبح عيون أهالي "الشهداء" معياراً اجتماعياً يتمنى الأب أن يستحق الوقوف أمامه بلا خجل.
اقرأ المزيد- الصدمات النفسية تلاحق الناجين من حرب السودان
- الناجي الوحيد من الطائرة الهندية يروي تفاصيل سقوطها
- الناجي الوحيد من مذبحة الإسعاف في رفح يتذكر
ويقف أهالي البيوت غير المتضررة أو المتضررة جزئياً في الجنوب والضاحية مرتدين صمتاً خجولاً أمام من فقدوا بيوتهم بالكامل، يرددون كلمة "الحمد لله" كعبارة ملتبسة تحمل الامتنان من ناحية والقلق من ناحية أخرى، كون الحرب لم تنته بعد ولم يعرفوا ما إذا كانوا سيفقدون أكثر. ويخبر أحدهم أنه على رغم امتنانه أن بيته لم يهدم كلياً لكنه وجد ركام أربعة منازل في حديقته، إنه شعر بالخجل من الحديث عن أضراره على رغم كلفتها الباهظة، ويقول إنه في الأقل لم يخسر أحداً من عائلته كما حصل مع أحد جيرانه.
الشعور بالذنب لنشعر بأننا أخلاقيون!
قد يبدو هذا الشعور غير منطقي، إذ كيف يتحول عدم الأذى إلى مصدر ألم؟ تكمن الإجابة العلمية في أن الذنب، ولو كان غير عقلاني، فهو آلية دفاعية تمنح المرء إحساساً زائفاً بالسيطرة على عالم فوضوي. فبدلاً من قبول أن القذيفة التي أخطأت بيته وأصابت بيت الجار كانت مجرد "خبط عشواء من تصب تمته"، يفضل العقل أحياناً أن يتحمل وزراً وهمياً، لأن تحمل الذنب أخف من مواجهة حقيقة أن لا معنى ولا عدل في توزيع الموت، وهكذا يصبح الشعور بالذنب ثمناً نفسياً يدفعه الناجي في مقابل شعوره الداخلي بأنه ما زال إنساناً أخلاقياً وسط عالم انهارت فيه كل موازين العدالة.
لكن ثمة خيط من الأمل في هذا السرد القاتم، ففي دراسة أجريت على أكثر من 3500 من كبار السن الناجين من زلزال وتسونامي اليابان الكبير عام 2011، ونشرت لاحقاً كتجربة طبيعية نادرة، وجدت أن تعزيز الروابط الاجتماعية بين الجيران بعد الكارثة خفف بصورة ملموسة من أعراض الاكتئاب، حتى لدى من تضرروا فعلياً من الكارثة. أي أن الترياق لعقدة الناجي ليس إنكار النجاة ولا تبريرها المستمر، إنما في إعادة بناء الشبكة الاجتماعية نفسها التي مزقتها الكارثة، فيتحول الناجي من متفرج خجول إلى شريك فعلي في إعادة الإعمار والمواساة.
![]()
بيوت تشهد على انهيار بيوت في الجنوب (اندبندنت عربية)
النجاة ليست خطيئة
في الواقع لا أحد يختار أي سقف يصمد وأي سقف ينهار، وعقدة الناجي هي شهادة على مدى تشابك مصائرنا ببعضها أكثر مما هي دليل على أي تقصير حقيقي. فمن يقف اليوم أمام بيت سليم وسط ركام الجنوب أو الضاحية أو البقاع قد يكون مسؤولاً ألا يحول خجله من النجاة إلى صمت يتركه بعيداً من جيرانه في أصعب لحظاتهم، فالبيت الذي صمد حتى الآن منح فرصة أن يكون سنداً، وتلك، ربما، أثقل مسؤولية يمكن أن يحملها ناج.
تؤكد الدراسات النفسية المستمرة أن هذا الشعور بالذنب يتجاوز الأفراد ليتحول أحياناً إلى شعور جماعي متوارث بين الأجيال. وقد وثق الباحثون تطور هذا المفهوم عبر عقود من الزمن لتفسير القلق والندم المستمر لدى من نجوا من المآسي. وتظل هذه الظاهرة شاهداً على الأبعاد النفسية العميقة التي تخلفها الأزمات الكبرى في النفوس.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.