اكتئاب ما بعد المونديال: لماذا يشعر المشجعون بالفراغ؟
أسدل الستار فجر اليوم الاثنين على النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم، بتتويج منتخب إسبانيا بلقبه الثاني بعد فوزه على الأرجنتين 1-0 في نهائي امتد للأشواط الإضافية على ملعب ميتلايف في نيويورك.
وتُعد هذه النسخة الأولى التي يُشارك فيها 48 منتخبًا، وتستضيفها ثلاث دول، مع حضور عربي لافت تمثل في أداء مميز لمنتخبي مصر والمغرب.
لم تكن هذه النسخة عادية؛ فقد شارك فيها 48 منتخباً للمرة الأولى، واستضافتها ثلاث دول معاً هي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وشهدت حضوراً عربياً لافتاً كان أبرزه الأداء المميز لمنتخبي مصر والمغرب.
وفي خضم احتفالات الملايين بالتتويج، بدأ كثيرون حول العالم يشعرون بفراغ مفاجئ بعد توقف الإيقاع اليومي الذي رافقهم طوال أكثر من شهر، وهي الحالة التي يعرفها علماء النفس بـ"اكتئاب ما بعد المونديال".
ما هو "اكتئاب ما بعد المونديال"؟
المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا ضمن تصنيفات الاضطرابات النفسية، بل تعبير شائع يستخدمه مختصون لوصف حالة نفسية مؤقتة قد يمر بها بعض المشجعين بعد انتهاء حدث استثنائي استحوذ على اهتمامهم وانفعالاتهم لفترة طويلة.
ويشدد مختصون نفسيون على أن الأمر لا يتعلق بمرض نفسي بقدر ما هو انعكاس طبيعي للتغير المفاجئ في مستوى الإثارة والانخراط العاطفي الذي رافق البطولة.
المفهوم ليس جديداً؛ فقد استخدمت وكالة "إن بي آر" الأمريكية عبارة "الكآبة وما بعد البطولة" لوصف حالة مشابهة عمت جنوب أفريقيا عقب استضافتها كأس العالم 2010، كما تطرقت مواقع مثل "دوحة نيوز" لظاهرة مشابهة عقب نسخة قطر 2022، موضحة أن الحالة تُقارن أحياناً بمشاعر العودة إلى العمل بعد إجازة طويلة، وأنها تختلف جوهرياً عن الاكتئاب السريري الذي يستمر لأشهر ويُعد اضطراباً مزاجياً مستقلاً.
ويرصد الباحثون ظواهر مشابهة في أحداث رياضية كبرى أخرى، مثل ما وثقته دراسة أكاديمية نشرتها مجلة "علم نفس الرياضة والتمارين" عام 2018 تحت مسمى "اكتئاب ما بعد الأولمبياد"، والتي خلصت إلى أنها استجابة طبيعية قصيرة الأمد لدى الرياضيين العائدين من الألعاب الأولمبية، وليست حالة مرضية مزمنة.
روابط عميقة بين الجمهور والبطولة
وتشير دراسات نفسية إلى أن البطولات الكبرى لا تقتصر على الترفيه، بل تخلق روابط اجتماعية ونفسية عميقة بين المشجعين وفرقهم المفضلة؛ فمع تتابع المباريات يعيش الجمهور حالة ترقب يومي، ويتحول الفوز إلى احتفال جماعي فيما تصبح الخسارة مصدر حزن مشترك، مما يجعل المزاج يتأرجح صعودًا وهبوطًا طوال أسابيع المنافسات.
وتفسر دراسة نشرتها دورية "فرونتيرز إن سايكولوجي" هذه الظاهرة عبر ما يسمى "أثر الشعور الجيد في الأحداث الرياضية الكبرى"، مبينة أن الانتماء لفريق أو منتخب وطني يعزز الشعور بالتواصل الاجتماعي وقد ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية للمشجعين خلال فترة البطولة.
من جهتها، أوضحت الأستاذة الجامعية الأمريكية سوزان ويتبورن، المتخصصة في علم نفس المشجعين بجامعة ماساتشوستس، في تصريحات سابقة لشبكة "إن بي سي نيوز"، أن تعلق الجماهير بفرقها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحسها الخاص بالهوية، وأن تلك المشاعر حقيقية ومفيدة نفسيًا خلال البطولة، إلا أن نهايتها المفاجئة تمثل ما وصفته بـ"الهاوية العاطفية" التي يسقط فيها الملايين دفعة واحدة.
ماذا يقول العلم؟
يقدّم علم الأعصاب تفسيرًا لما يحدث داخل عقول المشجعين، فخلال المباريات المثيرة، تنشط مراكز المكافأة في الدماغ عند فوز الفريق المفضل نتيجة إفراز هرمون الدوبامين المرتبط بالسعادة، بينما ترتفع مستويات الأدرينالين والكورتيزول -المرتبطين بالتوتر- في اللحظات الحاسمة أو عند الخسارة.
ومع انتهاء البطولة يتوقف هذا التدفق المستمر من المثيرات، فيشعر البعض بانخفاض مؤقت في المزاج نتيجة غياب الحدث الذي كان يشغل جزءًا مهمًا من يومهم.
هذا التفسير يتقاطع مع ما أورده عالم النفس الأمريكي دانييل سيمونز في تصريحات سابقة لشبكة "إن بي سي نيوز"، حين شبه انتظار المشجعين اليومي لجرعة الإثارة الكروية بانتظار كوب قهوة الصباح المعتاد، مضيفًا أن توقف البطولة يجبر الدماغ فجأة على التخلي عن مكافأته اليومية رغم بقائه في حالة ترقب.
أما على مستوى الأرقام، فقد كشفت دراسة أكاديمية أجريت خلال كأس العالم 2022 في قطر، شملت أكثر من 1330 مشاركًا غالبيتهم من السعودية ومن دول أخرى، ونُشرت نتائجها عبر منصة "ميداركايف" العلمية مطلع 2026، أن نحو 41.5% من المشاركين أفادوا بأن متابعة المباريات جعلتهم يشعرون بالتوتر أو العصبية، مقابل 44.1% لم يلاحظوا أي تأثير على مستوى توترهم، و14.4% شعروا براحة أكبر.
كما أظهرت الدراسة أن نحو 33% من المشاركين أفادوا بتأثر ساعات نومهم بدرجات متفاوتة جراء متابعة المباريات.
حين يتحول الشغف إلى عبء جسدي
لا تقتصر تأثيرات البطولات الكبرى على الحالة النفسية، بل تمتد إلى الصحة الجسدية أيضاً. ففي عام 2025 حذرت أكاديمية "هيوستن ميثوديست" الطبية الأمريكية من أن متابعة المباريات شديدة التنافس قد ترفع ضغط الدم وتسرع ضربات القلب، خصوصاً لدى من يعانون أمراضاً قلبية سابقة.
كما استشهد تقرير نشرته جامعة هارفارد عام 2024 بدراسة أجريت عام 2017 أظهرت أن معدل ضربات القلب قد يتضاعف لدى بعض المشجعين خلال اللحظات الحاسمة من المباريات، فيما أظهرت بيانات نشرتها المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH) ارتفاعًا في مراجعات أقسام أمراض القلب بالمستشفيات بنسبة تقارب 15% خلال فترة كأس العالم 2022، ما يعكس الأثر الفسيولوجي الذي قد تتركه البطولات الكبرى لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية.
رأي الطب النفسي
أكدت د. عزة جلال الدين، اختصاصية الطب النفسي في مركز الفرقد الطبي التخصصي بالشارقة، في تصريحات لصحيفة "الإمارات اليوم"، أن الشعور بالفراغ أو انخفاض المزاج بعد انتهاء الأحداث الجماهيرية الكبرى يُعد استجابة نفسية طبيعية، ولا يعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب السريري.
وأوضحت أن أبرز مظاهر هذه الحالة تتمثل في الشعور بالملل والفراغ، والحنين إلى أجواء البطولة، وصعوبة العودة إلى الروتين اليومي، إضافة إلى اضطرابات بسيطة في النوم لدى من اعتادوا السهر لمتابعة المباريات، لافتة إلى أن هذه الأعراض تزول غالبًا خلال أيام قليلة من عودة الحياة إلى طبيعتها.
كيف نتجاوز هذه المرحلة؟
توصي المختصة بعدة خطوات عملية للتعامل مع هذه الحالة العابرة، أبرزها استعادة نمط الحياة الطبيعي تدريجيًا عبر العودة إلى مواعيد نوم منتظمة، وممارسة النشاط البدني، واستئناف اللقاءات الاجتماعية بعيدًا عن أجواء المباريات، إلى جانب ممارسة هوايات جديدة تمنح شعورًا بالمتعة والإنجاز، وتقليل الوقت المخصص لمتابعة المحتوى الرياضي بعد انتهاء البطولة.
وتنصح تقارير صحفية دولية أخرى، من بينها ما نشرته "دوحة نيوز" عقب نسخة قطر 2022، بتجنب العزلة والانفراد بالمنزل، والاستمرار في التواصل مع أصدقاء يشاركون الشغف نفسه، فضلًا عن الانخراط تدريجيًا في الالتزامات اليومية بدلًا من تأجيلها.
متى تصبح الحالة مقلقة؟
شددت د. عزة جلال الدين على ضرورة التمييز بين هذه الحالة العابرة والاكتئاب السريري الفعلي، فإذا استمر انخفاض المزاج لأكثر من أسبوعين، أو صاحبه فقدان الاهتمام بمعظم الأنشطة، واضطرابات مستمرة في النوم أو الشهية، أو صعوبة واضحة في أداء المهام اليومية، فإن الأمر يستدعي عندها مراجعة مختص في الصحة النفسية دون تردد أو تأجيل.
ويبقى الشعور بالفراغ عقب ختام حدث عالمي بحجم كأس العالم استجابة إنسانية مفهومة أكثر من كونه حالة مرضية، فهو الثمن الطبيعي لأسابيع من الشغف والانتماء الجماعي والذكريات المشتركة.
ومع استعادة الروتين اليومي تدريجيًا، يؤكد المختصون أن الحياة تعود إلى طبيعتها خلال أيام قليلة لدى الغالبية العظمى من المشجعين، تاركةً خلفها ذكريات بطولة استثنائية جمعت العالم حول كرة واحدة، تمامًا كما فعلت النسخ التي سبقتها.
ويؤكد المختصون أن هذه الحالة لا تُعد اضطرابًا نفسيًا، بل استجابة طبيعية لتغير مستوى الإثارة والانخراط العاطفي. وقد توثقت حالات مشابهة في أحداث رياضية كبرى كالأولمبياد، حيث يعاني الرياضيون والمشجعون من فراغ مماثل. وتظل هذه المشاعر المؤقتة مرتبطة بقوة الانتماء للفريق، الذي يمنح المشجع هوية اجتماعية مؤقتة تنتهي بانتهاء البطولة.
المصدر الأصلي: أخبار 24
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.