على الرغم من توفر خيارات علاجية متعددة للأرق، يعاني الملايين حول العالم من هذا الاضطراب نظراً لمحدودية فعالية بعض العلاجات واحتمال آثارها الجانبية أو الاعتماد المطول عليها. لكن دراسة سريرية جديدة تطرح مقاربة مبتكرة تستغل الميكروبات المعوية لأشخاص يتمتعون بنوم جيد بهدف تحسين النوم لدى مرضى الأرق.

يعد الأرق من أكثر اضطرابات النوم شيوعاً، ويؤثر سلباً على الصحة العامة والوظائف الإدراكية.

وبحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت»، تشير معطيات التجربة إلى أن تناول كبسولات تحوي ميكروبات من براز متبرعين أصحاء يمكن أن يخفف من أعراض الأرق.

يعاني نحو شخص واحد من كل عشرة بالغين حول العالم من أعراض الأرق، التي تشمل صعوبة في الخلود إلى النوم، أو الاستمرار فيه، أو الاستيقاظ مبكراً دون القدرة على العودة للنوم.

ولا يقتصر تأثير الأرق على ساعات الليل، بل يمتد إلى ساعات النهار، إذ قد يؤدي إلى ضعف التركيز والقدرات الإدراكية، واضطرابات المزاج، والإرهاق البدني. وعلى المدى الطويل، يرتبط الأرق بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وداء السكري.

من بين العلاجات المتداولة للأرق تغيير أنماط الحياة وتناول مكملات مثل الميلاتونين دون وصفة طبية. لكن هذه العلاجات لا تناسب الجميع، وقد تترافق مع آثار جانبية أو خطر الإدمان عند الاستعمال الطويل.

وفي السنوات الأخيرة، أظهرت دراسات متزايدة أن البراز يحتوي على بكتيريا نافعة يمكن أن تسهم في تحسين توازن الميكروبات داخل الأمعاء، وهو ما يساعد في تنظيم عمليات الأيض، ودعم الجهاز المناعي، والتأثير في عدد من الوظائف الحيوية.

وتُستخدم تقنية زرع الميكروبات البرازية بالفعل في علاج بعض التهابات الجهاز الهضمي، إذ تُنقل ميكروبات من براز متبرعين أصحاء إلى أمعاء المرضى بهدف إعادة بناء البكتيريا النافعة واستعادة التوازن الميكروبي.

انطلاقاً من هذه الفكرة، بحث باحثون من جامعة بكين إمكانية استخدام زرع الميكروبات البرازية (FMT) من أشخاص يتمتعون بنوم صحي لعلاج المرضى الذين يعانون من الأرق المزمن.

وقد بينت نتائج الدراسة أن زرع الميكروبات البرازية مع المعالجة المسبقة بالمضادات الحيوية "حسّن استمرارية النوم الموضوعية، وحافظ على النتائج الذاتية الإيجابية المتعلقة بالأرق".

وقالت الدكتورة يان بينغ باو، إحدى مؤلفات الدراسة المنشورة في مجلة الطب الباطني: «توفر نتائجنا أدلة سريرية على أن استهداف الميكروبات المعوية قد يمثل استراتيجية علاجية جديدة وواعدة لعلاج اضطراب الأرق المزمن».

وأضافت: «يعزز هذا العمل أيضاً فهمنا لمحور الأمعاء والدماغ باعتباره أحد المنظمين المهمين للنوم لدى الإنسان».

وشملت الدراسة نحو 80 مشاركاً، جرى توزيعهم عشوائيّاً إلى مجموعتين. وتلقى نحو 40 مشاركاً علاجاً وقائياً قصير الأمد بالمضادات الحيوية، أعقبه تناول كبسولات تحتوي على ميكروبات برازية مأخوذة من متبرعين أصحاء يتمتعون بنوم جيد.

في المقابل، تلقى المشاركون الأربعون الآخرون كبسولات وهمية، دون أي علاج مسبق بالمضادات الحيوية، وشكلوا المجموعة الضابطة التي استخدمت للمقارنة.

وقيّم الباحثون كفاءة النوم لدى جميع المشاركين بعد شهر من العلاج باستخدام تخطيط النوم المتعدد، كما طلبوا منهم تعبئة استبيانات لتقييم جودة نومهم بصورة ذاتية.

وأظهرت النتائج أن بروتوكول العلاج القائم على زرع الميكروبات البرازية، مقارنة بالعلاج الوهمي، أدى إلى تحسين كفاءة النوم، وتقليل فترات الاستيقاظ بعد بدء النوم.

كما لاحظ الباحثون أن فوائد العلاج لم تكن مؤقتة، إذ استمر التحسن لدى المشاركين خلال فترة تراوحت بين شهرين وستة أشهر بعد العلاج.

وكتب الباحثون في الدراسة: «كان العلاج جيد التحمل، واقتصرت آثاره الجانبية على أعراض طفيفة ومحدودة زالت من تلقاء نفسها، ولم تُسجل أي آثار جانبية خطيرة».

وأشار الفريق البحثي أيضاً إلى أن علاج زرع الميكروبات البرازية أدى إلى زيادة ثراء وتنوع الميكروبات المعوية، وهو ما قد يفسر جانباً من التحسن الذي لوحظ في جودة النوم، ويعزز أهمية العلاقة بين صحة الأمعاء ووظائف الدماغ.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

هذه النتائج تسلط الضوء على إمكانية استخدام ميكروبات الأمعاء كأداة علاجية للأرق. لكن العلاج بزرع الميكروبات البرازية لا يزال تجريبياً، ويحتاج إلى دراسات أوسع لتأكيد فعاليته وأمانه. كما أن عمليات التبرع بالبراز تخضع لإجراءات صارمة لضمان السلامة. وإذا أثبتت الأبحاث جدواه، فقد يصبح خياراً متاحاً للمرضى الذين لا يستجيبون للعلاجات التقليدية.