تأثير الماتشا على امتصاص الحديد: بين الفوائد والمخاوف
يستمر الجدل حول تأثير الماتشا على امتصاص الحديد، حيث ينصح خبراء التغذية بتوخي الحذر لدى تناوله مع الوجبات الغنية بالحديد، فيما تؤكد الدراسات فوائده المضادة للأكسدة.
اكتسب الماتشا شعبية واسعة في الآونة الأخيرة، متحولاً من مشروب ياباني تقليدي إلى ظاهرة صحية عالمية. فقد انتشرت منتجاته في المتاجر الكبرى وأصبح محوراً للوصفات المنزلية على منصات مثل «تيك توك»، حيث يتبارى المستخدمون في إعداد خلطات مبتكرة، مما جعله رمزاً للباحثين عن نمط حياة صحي.
وقد أثار انتشار الماتشا كبديل صحي للقهوة تساؤلات حول تأثيراته الغذائية، خاصة فيما يتعلق بامتصاص المعادن.
غير أن هذه الشهرة أثارت تساؤلات متزايدة حول أثر الماتشا على امتصاص الحديد، بعد أن نشر مؤثرون على وسائل التواصل معلومات تفيد بأن الإفراط في تناوله قد يعيق استفادة الجسم من هذا المعدن الأساسي. وأدى ذلك إلى جدل حول ما إذا كانت فوائده الصحية تفوق أضراره المحتملة، أم أن المخاوف مبالغ فيها.
وللتحقق من صحة هذه الادعاءات، استطلعت صحيفة «إندبندنت» آراء أخصائية التغذية نيكولا لودلام-راين، مؤلفة كتاب «كيف لا تأكل الأطعمة فائقة المعالجة»، إلى جانب أخصائية التغذية سونال جينكينز، التي تمتلك خبرة تمتد إلى 17 عاماً، بهدف توضيح الحقائق العلمية وتفنيد المفاهيم الشائعة حول هذا المشروب.
ما الماتشا؟ وما أبرز فوائدها الصحية؟
يُعتقد أن الماتشا تعود بجذورها إلى الصين، حيث استُهلكت لأول مرة نحو عام 2700 قبل الميلاد، قبل أن تتطور لاحقاً وتصبح جزءاً أصيلاً من الثقافة اليابانية. وهي عبارة عن مسحوق ناعم يُحضَّر من أوراق الشاي الأخضر التي تُزرع في الظل قبل حصادها، ثم تُجفف وتُطحن بالكامل.
ويتميّز الماتشا باحتوائه على نسبة مرتفعة من مركبات البوليفينول، وهي مركبات نباتية قوية تخضع حالياً لدراسات واسعة لاستكشاف خصائصها المحتملة في الوقاية من بعض أنواع السرطان. كما يُعرف هذا المشروب بقدرته على مكافحة الإجهاد التأكسدي، ودعم صحة القلب، والمساهمة في تعزيز الصحة العامة.
كذلك يُعد الماتشا مصدراً غنياً بمضادات الأكسدة، لا سيما مجموعة الكاتيكينات، التي تساعد في حماية الخلايا من التلف الناتج عن الجذور الحرة. ومن أبرز هذه المركبات «إيبيغالوكاتشين غالات» (EGCG)، الذي يُعد أقوى أنواع الكاتيكينات الموجودة في الماتشا، وقد دُرس على نطاق واسع لدوره المحتمل في الحد من الالتهابات ودعم العديد من الوظائف الحيوية في الجسم.
ويختلف الماتشا عن الشاي الأخضر التقليدي في طريقة تحضيره؛ إذ يُخفق مسحوق الأوراق مباشرة في الماء أو الحليب، بدلاً من نقع الأوراق ثم التخلص منها كما يحدث مع أكياس الشاي. ولذلك، فإن شارب الماتشا يستهلك الورقة كاملة، ما يمنحه كمية أكبر من العناصر الغذائية والمركبات النباتية المفيدة ومضادات الأكسدة مقارنة بالشاي الأخضر التقليدي.
هل يقلل الماتشا من امتصاص الحديد؟
باختصار، يمكن للماتشا أن يخفض امتصاص الحديد، لكن حجم هذا التأثير مرتبط بالنظام الغذائي للفرد ووضعه الصحي.
وتشرح نيكولا لودلام-راين أن مصدر القلق يتمثل في وجود نسبة عالية من التانينات في الماتشا، وهي مركبات نباتية قابضة توجد كذلك في القهوة والشوكولاتة الداكنة وأنواع شاي أخرى.
وتقول لودلام-راين إن هذه التانينات هي العامل الأساسي الذي يؤثر في كيفية امتصاص الجسم للحديد.
فعند تناول الماتشا، ترتبط التانينات بالحديد داخل الأمعاء، وتحديداً بالحديد غير الهيمي، وهو النوع الموجود في المصادر النباتية مثل السبانخ والفاصوليا والعدس. وعندما يحدث هذا الارتباط، يتكوّن مركب يصعب على الجهاز الهضمي امتصاصه، ما يؤدي إلى انخفاض كمية الحديد التي يستفيد منها الجسم.
وتضيف لودلام-راين أن الماتشا، نظراً إلى أنها تُحضَّر من أوراق الشاي الكاملة المطحونة، تحتوي على تركيز أعلى من التانينات مقارنة بالشاي أو القهوة التقليديين، وهو ما يجعل تأثيرها في امتصاص الحديد أكبر نسبياً.
ومع ذلك، تؤكد أن تناول كوب واحد من الماتشا يومياً لا يُتوقع أن يُحدث تأثيراً كبيراً لدى معظم الأشخاص الذين يتمتعون بنظام غذائي متوازن.
مشروب الماتشا يختلف عن الشاي الأخضر التقليدي في طريقة تحضيره (بيكسلز)
من هم الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر؟
تشير سونال جينكينز إلى أن معظم الأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً متوازناً يحصلون على كميات من الحديد تكفي لتعويض الانخفاض البسيط في امتصاصه الناتج عن تناول الماتشا، ولذلك لا يمثل المشروب مصدر قلق حقيقياً بالنسبة إليهم.
لكنها تؤكد وجود فئتين تستدعيان اهتماماً أكبر:
أولاً: النباتيون
يعتمد النباتيون بصورة كاملة على الحديد غير الهيمي الموجود في الأغذية النباتية، وهو النوع الأكثر تأثراً بالتانينات. لذلك فإن الإفراط في تناول الماتشا، مع مرور الوقت، قد يسهم في استنزاف مخزون الحديد لديهم إذا لم يحرصوا على تعويضه من مصادر غذائية مناسبة أو تحسين امتصاصه.
ثانياً: الأشخاص الذين يعانون من نقص الحديد
إذا كان الشخص يعاني بالفعل من انخفاض مستويات الحديد، أو شُخّص بفقر الدم الناتج عن نقص الحديد من خلال فحوص الدم، فمن المهم الانتباه إلى العوامل التي قد تقلل قدرة الجسم على امتصاص الحديد، بما في ذلك توقيت تناول الماتشا بالنسبة للوجبات أو مكملات الحديد.
وبوجه عام، لا يعني ذلك ضرورة الامتناع عن شرب الماتشا، بل يكفي في كثير من الحالات تجنب تناوله مع الوجبات الغنية بالحديد أو في الوقت نفسه مع مكملات الحديد، مع الحرص على اتباع نظام غذائي متوازن يضمن الحصول على احتياجات الجسم من هذا العنصر الأساسي.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
ويرى خبراء التغذية أن تأثير الماتشا على امتصاص الحديد يعتمد على توقيت تناوله وكميته، وينصحون بفصل شربه عن الوجبات الغنية بالحديد بساعتين على الأقل. وتُعد التانينات المركبات الرئيسية المسببة لهذا التأثير، لكنها موجودة أيضاً في مشروبات شائعة أخرى مثل القهوة والشاي العادي. وفي المقابل، يحتوي الماتشا على مضادات أكسدة قوية مثل EGCG التي تقدم فوائد صحية متعددة. لذلك، فإن التوازن هو المفتاح: الاستمتاع بفوائد الماتشا مع الانتباه إلى تناوله بما لا يؤثر سلباً على مستويات الحديد في الجسم، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة لنقص الحديد.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.