ملخص

أصيب 70% من أسطول الإسعاف في غزة بالشلل التام، ولم يتبق سوى 27 سيارة متهالكة تحاول إنقاذ آلاف الجرحى في ظل حصار يمنع إدخال الإطارات والزيوت بدعوى 'الاستخدام المزدوج'.

يأتي هذا الشلل في أسطول الإسعاف وسط حرب مدمرة ترفع أعداد الإصابات يومياً، مما يفاقم الضغط على النظام الصحي المتهاوي.

في شوارع غزة المدمرة اختفت صفارات إنذار سيارات الإسعاف، فالمركبات البيضاء ذات الخطوط الحمراء التي تسابق الزمن لإنقاذ إصابات الغارات الإسرائيلية، أضحت إما هياكل متفحمة ملقاة على جوانب الطرقات، أو مركبات متهالكة تتحرك ببطء على إطارات مهترئة تكاد تنفجر، وأعلنت وزارة الصحة في غزة تعطل منظومة الإسعاف والنقل الطبي، على إثر خروج 70 في المئة من مركباتها عن الخدمة نهائياً، وبيّنت أن هذا الشلل ناتج من الاستهداف المباشر وتراكم الأعطال الفنية، إضافة إلى استمرار منع إدخال قطع الغيار الأساسية، مما يضع حياة آلاف من المرضى والجرحى في دائرة الخطر المباشر.

غزة 2.png

لا تمثل سيارة الإسعاف مجرد وسيلة نقل فهي خط الحياة والناقل الحصري للدم والأدوية والكوادر الطبية بين المستشفيات (رويترز)

لا مقومات لتحريك سيارات الإسعاف

سيارة الإسعاف في غزة ليست مجرد مركبة، بل هي شريان حياة ينقل الدم والأدوية والطواقم الطبية بين المستشفيات، وأي توقف لها يؤدي إلى شلل فوري في النظام الصحي.

يقول المتحدث باسم وزارة الصحة رامز الوحيدي "غياب سيارات الإسعاف عن شوارع غزة يعني ترك المصابين لمواجهة مصيرهم من دون أدنى أمل في وصول مساعدة طبية عاجلة، بخاصة مع استمرار القصف العسكري والغارات الجوية والمدفعية من دون توقف، مما يتسبب في سقوط عشرات الضحايا والجرحى يومياً في مختلف أزقة ومخيمات القطاع"، ويضيف "النزف الذي يمكن إيقافه في غضون دقائق داخل غرف العمليات، يتحول إلى سبب رئيس للوفاة على أرصفة الشوارع، لأن الضحايا يتركون ساعات من دون إخلاء طبي، مما يجعل أسطول الطوارئ الأداة الوحيدة التي تفصل حرفياً بين الحياة والموت".

تحيط في غزة معابر مغلقة تتحكم في كل ما يدخل إلى القطاع

ويؤكد الوحيدي أن الحظر الإسرائيلي على إدخال الإطارات والبطاريات وقطع الغيار والزيوت ليس مجرد عقبة لوجستية، بل هو قرار ممنهج لتعطيل خدمات الطوارئ الطبية.

يعمل رجائي الهسي موظف الصيانة ومسؤول المتابعة الميدانية في جهاز الإسعاف، ويعايش الأزمة عن قرب قائلاً "نقف اليوم عاجزين تماماً عن توفير أبسط المقومات التشغيلية لإحياء السيارات المتبقية، نعاني عدم توفر قطع الغيار للسيارات وعدم توفر الزيوت، وصلنا إلى مرحلة نفتقر فيها لأبسط الأشياء الأساسية لتحريك السيارة من مكانها"، ويضيف "نضطر إلى تشغيل مركبات الإسعاف بإطارات مهترئة ومحركات مهددة بالاحتراق والتوقف المفاجئ وسط الطرقات المدمرة، استمرار هذا الحرمان الحاد ينذر بكارثة إنسانية تحرم آلاف الجرحى والمرضى والكوادر من الوصول الآمن للمستشفيات".

سيارات الإسعاف المعطلة

تسببت الحرب في تدمير مرعب لأسطول الإسعاف الذي كان بالأساس شحيحاً قبل الحرب، ولا يلبي المعايير الدولية لخدمة سكان غزة، وبحسب بيانات وزارة الصحة فإنها كانت تملك قبل الحرب 82 مركبة إسعاف فقط لخدمة القطاع بأكمله. ومن بين هذا العدد المحدود جداً، دمرت العمليات العسكرية بين "حماس" وإسرائيل في غزة نحو 39 مركبة إسعاف، تحولت كلها إلى حطام حديدي خارج عن الخدمة، وبين مراكب الإسعاف المتبقية تحتاج 17 سيارة إلى عمليات صيانة معقدة وجذرية لم تعد متوفرة في غزة.

ولا تتوقف أزمة الإنقاذ والطوارئ عند سيارات نقل المصابين، إذ خرجت 100 مركبة خدماتية تابعة لوزارة الصحة عن الخدمة كلياً من بينها هناك 30 مركبة دمرت بالكامل من دون أية قدرة على إعادة ترميمها، وكانت مخصصة لنقل الكوادر الطبية والغازات الحيوية، إضافة إلى وحدات الدم الطارئة وشحنات الأدوية.

باختصار، توجد في غزة حالياً نحو 27 سيارة إسعاف صالحة للحركة، وتقع عليها مسؤولية تأمين حركة ما لا يقل عن 5 آلاف مصاب يسقطون أسبوعياً، كما يتطلب الميدان تسيير 140 حركة شاحنات مخصصة لنقل المستلزمات الطبية.

ما يعقد الأمر في غزة، هو توقف شبكات نقل المصابين الرديفة، إذ تعيش جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وهي الشريك الأهلي الأكبر في عمليات الإخلاء الطبي، أزمة استنزاف وتدمير موازية لسياراتها.

بالتزامن مع ذلك، تعلن طواقم الدفاع المدني، وهي المسؤول الأول عن انتشال الأحياء من تحت الأنقاض، شللاً شبه تام في مركبات الإنقاذ والإسعاف التابعة.

سبب الأزمة

تواجه منظومة الإسعاف حصاراً مشدداً كما سكان غزة، إذ يخضع كل شريان إمداد داخل إلى القطاع لرقابة مشددة تمنع تدفق المواد الأساسية اللازمة لاستدامة نقل المرضى، إذ تمنع إسرائيل دخول قطع الغيار البسيطة مثل الإطارات والبطاريات وزيوت المحركات، وتضعها على رأس قائمة المواد المحظورة. وهذا الحظر أدى إلى نفاد مخزون القطع البديلة داخل الورش المركزية لوزارة الصحة، فالسيارات المتبقية التي نجت من القصف، باتت تتحرك الآن بإطارات مهترئة تماماً، وببطاريات ضعيفة تهدد بتوقف المركبة فجأة أثناء النقل الطارئ للمصابين.

يقول مدير الشؤون الإدارية بوزارة الصحة محمود حماد "الأزمة الأشد عمقاً هي نقص زيوت المحركات، إذ تحتاج المركبات المتبقية كحد أدنى إلى ما لا يقل عن 250 لتراً من الزيت شهرياً لإتمام عمليات الصيانة الدورية الحتمية وحماية الماكينات من التلف الكلي"، ويوضح حماد أن "استمرار منع إدخال مستلزمات صيانة المركبات يمثل قراراً عملياً ومباشراً بوقف منظومة الإسعاف والطوارئ كلياً، مما يضاعف الأخطار على حياة المرضى والجرحى الذين يفقدون فرصة الوصول إلى المستشفيات"، ويضيف "تضطر فرق الصيانة والتشغيل الطبية إلى تشغيل السيارات بزيوت محترقة ومتهالكة تجاوزت عمرها الافتراضي بآلاف الكيلومترات، مما يعرض محركات ما تبقى من الأسطول لخطر التآكل الداخلي والاحتراق المفاجئ وسط الطرقات المدمرة".

معركة نفسية

في زاوية داخل غرفة التحكم المركزية التابعة لجهاز الإسعاف، يجلس محمد أبو سمك رئيس قسم التخطيط بوحدة الإسعاف والطوارئ واضعاً يده فوق جهاز الإشارة اللاسلكي، ويخوض معركة حسابية صامتة حول ثمن المسافة وكلفة البقاء الميكانيكي لما تبقى من الأسطول.

يقول "لم تعد خطورة النزف أو شظايا القصف هي ما يحدد وجهة السيارة القادمة، الإطارات المتهالكة التي مسحت تضاريسها بالكامل، وليتر الزيت النادر في المحرك، هو ما تملك سلطة توجيه دفة الإنقاذ"، ويتذكر أبو سمك نداء ورد متزامناً مع غارتين، حينها تجمدت أصابعه فوق لوحة التحكم، فالمسافة إلى الحي الأول تستهلك ليتراً كاملاً من وقود لا يمكن تعويضه، فضلاً عن طرقاته المليئة بالحفر التي قد تقضي على إطارات السيارة الوحيدة المتاحة.

يتنفس أبو سمك ببطء ويستعيد تفاصيل ذلك اليوم "في عالم الإسعاف الطبيعي، ننقذ صاحب الإصابة الأشد خطورة، لكن في غزة نضطر إلى ترك عائلات تستغيث وسط الأنقاض، فقط لأن الحسابات الميكانيكية تخبرنا أن تحريك المركبة لتلك المسافة الطويلة يعني حرق محركها"، ويضيف "هذا الموقف عبارة عن أزمة نفسية خانقة تعيشها الطواقم الطبية عندما تضطر إلى ترك المصابين على أرصفة الشوارع يواجهون مصيرهم بأدوات بدائية، لا لشيء إلا لأن أسطول الإنقاذ شلت حركته بفعل غياب إطار احتياطي أو ليتر زيت محرك".

اقرأ المزيد

الرواية الإسرائيلية

خلف الجدران الأسمنتية لمعبر كرم أبو سالم، تخضع الإطارات وزجاجات الزيت لحسابات المنظومة الأمنية الإسرائيلية المشرفة على الفحص والتدقيق.

يقول المتحدث باسم وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق شيمي زواريتس "القيود المفروضة على شحنات الإطارات والبطاريات وبعض أنواع الزيوت التخصصية، ليست موجهة لتعطيل العمل الإنساني، هي إجراءات أمنية حتمية لمنع وقوع هذه المواد في أيدي الفصائل المسلحة التي قد تستخدمها لإعادة تأهيل آلياتها العسكرية"، ويضيف زواريتس "الدوائر العسكرية لديها مخاوف من استغلال القطاع الصحي، هناك مؤشرات وتقارير استخبارية تؤكد محاولات مستمرة من الجماعات المسلحة لاستغلال البنية التحتية الطبية، بما في ذلك سيارات الإسعاف لنقل أفراد أو معدات تحت غطاء الإخلاء الطبي، مما يجعل الفحص الدقيق لكل قطعة غيار تدخل غزة ضرورة أمنية لا يمكن التنازل عنها".

وجهة نظر القانون الدولي

تحت سقف مبنى الأمم المتحدة تصطدم المبررات الأمنية الإسرائيلية بلائحة من النصوص القانونية والتقارير الميدانية، إذ ينص اتفاق جنيف الرابع لعام 1949، على إلزام أطراف النزاع العسكري بصورة صارمة بحماية الطواقم الطبية وتسهيل حركة مركبات الإسعاف تحت كل الظروف.

في هذا السياق، جاء في تقرير للمرصد الأورومتوسطي "حرمان أسطول الإنقاذ من أبسط مستلزمات الحركة والإصلاح لا يمكن تصنيفه كإجراء أمني، بل هو أداة من أدوات العقاب الجماعي المحرم دولياً".

وينسجم هذا الكلام مع حديث رئيس بعثة منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بيتر بيبيركور الذي يقول "حرمان أسطول الطوارئ من الإطارات والزيوت التخصصية يمثل تفكيكاً متعمداً لآخر خطوط الدفاع عن الأرواح في غزة، فالمجتمع الدولي مطالب بالانتقال من مرحلة الإدانة إلى الضغط الفعلي لإدخال مستلزمات الصيانة والوقود فوراً، لأن كل يوم يتأخر فيه وصول هذه الشحنات البسيطة يترجم مباشرة إلى وفيات إضافية بين مصابين كان يمكن إنقاذهم ببساطة لو تحركت المركبة".

وتؤكد التقارير المشتركة لوكالات الأمم المتحدة أن الاستمرار في ملاحقة المواد الاستهلاكية البسيطة وحظرها بدعوى الاستخدام المزدوج يتنافى مع مبدأ التناسب في القانون الدولي، إذ لا يمكن التضحية بحق آلاف المدنيين في الحياة والإخلاء الطبي العاجل من أجل هواجس أمنية.

الارتدادات الإنسانية

تحت سقف خيمة قماشية في دير البلح، تجلس سلوى الدحدوح المصابة بسرطان الثدي، وهي تراقب عقارب الساعة تنتظر خلالها وصول سيارة إسعاف تنقلها إلى جلسة علاج كيماوي عاجلة لضمان عدم انتشار الورم.

كانت قبل الحرب تتصل سلوى بالإسعاف وتصل إليها المركبة في دقائق، لكنها الآن معلقة منذ أيام بسبب عجز الطواقم عن توفير سيارة إسعاف أو مركبة خدمات تنقلها من خيمتها إلى قسم الأورام.

تقول "السرطان يأكل جسدي ببطء، ما يوجعني أنني أموت هنا في الخيمة لأننا لا نجد سيارة إسعاف واحدة قادرة على نقلي إلى المستشفى، لقد أخبروني أن السيارات المتبقية مخصصة فقط لانتشال أشلاء الجرحى من تحت القصف".

وعلى بعد أمتار قليلة، يقف أحمد البورنو يتذكر تجربة قاسية عاشها قبل ليلتين عندما عانت طفلته ضيق تنفس حاداً وصدمة ربو، يقول "اتصلت بالإسعاف قرابة الساعة، وكان الرد دائماً لا توجد سيارة متاحة في منطقتك بسبب نفاد الزيت والأعطال، اضطررت إلى حمل طفلتي على كتفي والسير بها وسط الظلام والأنقاض مسافة ثلاثة كيلومترات، وكنت أسمع صوت أنفاسها وهي تختنق، غياب الإسعاف جعلنا نعيش رعباً يومياً من أن يموت أطفالنا بين أيدينا لعجزنا عن نقلهم".

لمواجهة هذا أزمة الإنقاذ، تطالب وزارة الصحة الأمم المتحدة بالتدخل الفوري لتسهيل التوريد العاجل لـ60 سيارة إسعاف جديدة مصممة خصيصاً للعمل بنظام الديزل.

يقول المتحدث باسم الوزارة رامز الوحيدي "نريد منهم تأمين شحنات طارئة من قطع الغيار، ومخزوناً شهرياً مستداماً من زيوت المحركات والإطارات البديلة، لإعادة الروح والقدرة التشغيلية لـ17 سيارة معطلة جزئياً وتنتظر الصيانة".

وتعكس هذه الأزمة التحديات الهائلة التي تواجه القطاع الصحي في غزة، حيث إن استمرار الحصار ومنع إدخال المستلزمات الأساسية يهدد حياة آلاف المرضى والجرحى. ومع بقاء 27 سيارة فقط لخدمة أكثر من مليوني شخص، فإن أي تصعيد عسكري إضافي قد يؤدي إلى كارثة إنسانية لا يمكن احتواؤها.