معادلة

هيئة الإسعاف السعودي.. فكرة للمستقبل

نضج «المنظومة الصحية» في الدول المتقدمة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوضوح الرؤية التخصصية وتفرّد كل كيان بدوره الاستراتيجي، ففي ظل التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة ضمن رؤية 2030، يبرز مقترح لدي بتأسيس «هيئة الإسعاف السعودي» كخيار استراتيجي ذكي يهدف إلى صياغة مستقبل الخدمات الإسعافية بمنظور تخصصي بحت، إذ يرتكز هذا التوجه على فلسفة التكامل لا التنافر؛ ففي الوقت الذي يمثل فيه «الهلال الأحمر السعودي» رمزاً وطنياً عالمياً، يحمل في طياته إرثاً إنسانياً عريقاً ومهام سيادية ترتبط بالعمل الإغاثي الدولي والاستجابة للكوارث الكبرى، يبرز احتياجٌ وطنيٌّ لنظام إسعافي ميداني داخلي يتفرغ لإدارة اللحظات الحرجة داخل المدن والمشاعر المقدسة والمحاور الكبرى، بمنظورٍ تشغيليٍّ دقيق يواكب سرعة الحياة المعاصرة.

يمنح هذا التوجه -نحو الاستقلالية- كل جهة مساحة أرحب للإبداع والتميز؛ فالهيئة المقترحة، من خلال صبغتها التشغيلية والخدمية، ستكون الحاضنة الأمثل لدمج القطاع الخاص كشريك فاعل في المنظومة، حيث يمتلك القطاع الخاص مرونة ميدانية عالية وقدرة فائقة على الانتشار المكثف، ما يعزز من كفاءة الاستجابة ويضمن وصول الخدمة بأعلى معايير الجودة والتقنية، وكذلك تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الدولة، وهذه الاستقلالية التنظيمية لا تعني الفصل، إنما تعني «التخصص الوظيفي». حيث تضع الهيئة الجديدة المعايير التشغيلية الموحدة، وتدير الأساطيل الإسعافية الذكية، وتوظف تقنيات الطب الاتصالي والذكاء الاصطناعي لتقليص زمن الاستجابة إلى حدوده الدنيا، بينما يظل الهلال الأحمر ككيان إنساني رفيع يمثل المملكة في المحافل الدولية ويمد يد العون في النطاقات الإغاثية الشاملة.

إن التأسيس لهيئة متخصصة يعني أننا ننتقل إلى مرحلة «الاحترافية التشغيلية» التي تدير الإسعاف كخدمة وطنية متكاملة؛ فالهيئة ستكون المحرك الأساسي لابتكارات الطب الميداني، والجهة التي تضمن توحيد البروتوكولات الوطنية للإسعاف بين القطاعين الحكومي والخاص. هذا التخصص يمنح كل إنسان على أرض المملكة وعداً بأن خدمات الإسعاف أصبحت اليوم منظومةً تدار وفق أدق المعايير العالمية، حيث يمتلك كل مسعف، وكل سيارة إسعاف، وكل مركز اتصال، رؤية موحدة وهدفاً واحداً هو «الدقيقة الذهبية».

إننا بهذا الطرح نرسم ملامح مستقبل تكون فيه الخدمات الإسعافية بالمملكة نموذجاً يُحتذى به في إدارة الحشود، وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة، وتكامل القوى الوطنية، لتظل حياة الإنسان دائماً هي الأولوية التي لا يعلو فوقها طموح، والغاية التي تُسخر لها كل تقنيات العصر وجهود الوطن.