أوراق محرر

الشاشات والطفولة.. الثمن الخفي

في زمن أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد مشهد الطفل المنهمك في شاشة هاتفه أو جهازه اللوحي مستغربًا، بل بات كثير من الأطفال يقضون ساعات طويلة بين المقاطع القصيرة والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل، حتى أصبحت الشاشة حاضرة في معظم تفاصيل يومهم.

ومع هذا الحضور الكثيف للتقنية، برز مصطلح «تعفّن الدماغ» (Brain Rot) بوصفه تعبيرًا عن حالة من التشتت الذهني وضعف التركيز الناتجة عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع. ورغم أنه ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، فإنه يعكس مخاوف متزايدة لدى المختصين من الآثار المعرفية والسلوكية المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات.

ولا يعني ذلك أن الطفل أصبح أقل ذكاءً، بل إن عقله يعتاد الاستهلاك السريع للمعلومة والانتقال المتواصل بين المحتويات، على حساب التركيز والتأمل والتفكير العميق، ومن المهم التأكيد أن المشكلة ليست في التقنية نفسها، وإنما في نمط استخدامها، ومدتها، ونوعية المحتوى الذي يتعرض له الطفل.

وتشير الدراسات إلى أن الخطر يكمن في الإفراط وسوء الاستخدام، فقد أظهرت دراسة سعودية نُشرت عام 2025 ارتباطًا بين الاستخدام المطول للشاشات وارتفاع مؤشرات أعراض تشتت الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال، خاصة لدى من تجاوز استخدامهم خمس ساعات يوميًا، كما كشفت مراجعات علمية واسعة عن علاقة بين زيادة وقت الشاشات وارتفاع معدلات القلق والمشكلات السلوكية والعاطفية، وضعف التفاعل الاجتماعي، وتراجع تقدير الذات، إضافة إلى تأثيرها في النوم والتحصيل الدراسي والقدرات المعرفية.

ولا يقتصر أثر الاستخدام المفرط للشاشات على مرحلة الطفولة، بل قد تمتد انعكاساته إلى المراحل اللاحقة من النمو، حين تصبح مهارات التركيز، وتنظيم الوقت، وضبط الانتباه، والتفاعل الإنساني أكثر أهمية في الدراسة والحياة والعمل، وهو ما يستدعي بناء عادات رقمية صحية منذ السنوات الأولى.

وفي المملكة، تعكس المؤشرات الرسمية اهتمامًا متزايدًا بسلامة نمو الأطفال ورفاهيتهم، فقد أظهرت نتائج الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025 أن 35.1 % من الأطفال بين 5 و7 سنوات يستخدمون الأجهزة الرقمية من ساعة إلى ساعتين يوميًا، فيما يستخدمها 28.8 % أقل من ساعة يوميًا، بما يدعم فهم أنماط الاستخدام الرقمي، ويتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز جودة الحياة والصحة النفسية والوعي الرقمي المسؤول.

ويبقى التحدي الحقيقي ليس في عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، بل فيما يفقده مقابلها؛ فالطفولة تُبنى باللعب الحر، والقراءة، والحوار الأسري، والاستكشاف، والتجارب الواقعية التي تنمّي الخيال والمهارات الاجتماعية والذكاء العاطفي.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع في ترسيخ ثقافة الاستخدام المتوازن للتقنية، لتبقى الأجهزة الرقمية أدواتٍ للتعلم والتنمية، لا بدائل عن الحياة. ولم يعد السؤال: «هل يستخدم أطفالنا الأجهزة الذكية؟»، بل: «كيف يستخدمونها؟ وكم من الوقت يقضونه معها؟ وما نوع المحتوى الذي يستهلكونه؟». فالمعركة اليوم ليست بين الطفل والتقنية، بل بين الاستخدام الواعي والاستخدام المفرط دون مراعاة؛ وبين شاشة تمنح المعرفة، وأخرى قد تسلب التركيز والدهشة وجمال الطفولة، وتحرم الأطفال من خبرات الحياة التي لا يمكن للشاشات أن تعوضها، وتُضعف فضولهم الفطري وشغفهم بالتعلّم والاكتشاف المستمر.