لم تكن السنة الأولى في المدرسة لطفل على طيف التوحد سنة عادية، بل حملت تحديات تعليمية وسلوكية كبيرة، تفاقمت بسبب انقطاعات الحرب وما زرعته من قلق وعدم يقين، مما ألقى بظلاله على الأسرة بأكملها.

تعد تجربة الأسر مع أطفال التوحد نموذجاً للتحديات اليومية التي تتطلب صبراً وتعاوناً بين جميع الأطراف المعنية.

التحدي الأكبر كان قبوله في المدرسة. ما زلت أتذكر ردة الفعل الأولى بعد أن أُجري له تقييم مبدئيٌ، لتقول لي المسؤولة عن البرنامج إنه غير جاهز للالتحاق بالفصل الدراسي وأنه بحاجة لمزيد من التدريب والأفضل له أن يمكث سنة إضافية في المركز الذي بقي فيه لعامين سابقين، ضمن خطة خاصة لإعداد الأطفال لدخول المدارس. يومها، كنت الأب الصلب ولأقل صراحة الوالد العنيد، الذي لم يكن أمامه إلا خيار واحد لا يحيد عنه: المدرسة وفقط، وليس أي مدرسة، وإنما تلك التي قصدتها تحديداً، لأنني وبعد بحث عميق وسؤال حثيث وزيارات لعدد من الجهات التعليمية، وجدتها من أفضل ثلاث مدارس تمتلك مساراً خاصاً لذوي طيف التوحد، يلبي احتياجاتهم التعليمية والسلوكية، وفي الوقت ذاته يدمجهم بشكل تدريجي في التعليم العام.

لم أفكر في الاستسلام مطلقاً، بل خضت معركة كمن لا يملك سبيلاً للنجاة إلا التمسك بسلاحه، وكان سلاحي خبرتي المتراكمة في مجال التوحد على مدى أكثر من خمس سنوات، ودرعي ثقتي الكاملة بقدرات ابني واستحقاقه للأفضل.

قلتُ للمسؤولة: أنتم تسمونهم أطفالاً ذوي احتياجات خاصة، وتجرون لهم تقييماً وكأنهم ذاهبون للدراسة في أكسفورد أو هارفارد؟! نَظرت في عيني، متسائلة: ما الذي تريد مني أن أفعله، هل أجري له مقابلة أخرى؟ أجبتها: لا، لستِ بحاجة لتقييمٍ إضافي، فقط خذي ابني وألقيه في المحيط وستفاجئين أنه سباح ماهر!

بعدها، وإثر زيارات متعددة ونقاشات حثيثة، جاءت بِشارةُ القبول، بينما كنت في زيارة لأمي، وكأن أنوارها ودعاءها شمل ابني فاستجاب الباري بلطفه، بعد أن بلغت الروح التراقي.

رغم القبول، أجبرتني المدرسة على إحضار «مساعدة تعليمية» تلازمه طيلة اليوم، مما يعني المزيد من الأعباء المادية. كان أول شهر مملوء بالاجتماعات العاصفة والنقاشات الصريحة والضغوطات النفسية. أيامٌ كانت كالجبال، فإنني وزوجتي كنا عازمين على تحمل ثقلها، وألا نضعفَ قيد أنملة، لأن التغيير الحقيقي يبدأ في الأعمار الباكرة، ونحن دشّنَّا مشوار التأهيل الأكاديمي والسلوكي قبل نحو 5 أعوامٍ، ولذا فإن إكمال ما بنيناه ضروري لنصل إلى النتائج المرجوة.

لم أكتفِ بالبرنامج التعليمي رغم كثافته، فهو كان مزيجاً بين المواد الأكاديمية والرياضة والموسيقى والفنون وجلسات العلاج السلوكي وجلسات علاج النطق؛ إلا أننا كعائلة أضفنا جلسات أسبوعية لتنمية المهارات الحسية وتعزيز التركيز عبر برنامج خاص يقوم على «التغذية العصبية الراجعة».

«المساعدة التعليمية» التي طلبت المدرسة أن تكون مع ابني، هي الأخرى، لم نحضرها لتكون مرافقة له وحسب وكأنها «مربية»؛ بل أصبحت جزءاً من العائلة في علاقتها معنا، وقدمنا لها الدعم المهني والنفسي الذي تحتاجه، وذلك عزَّز من مدى قدرتها على فهم ابني والتعامل معه بأريحية تامة.

تتعدد المفاتيح الأساسية لتحقيق التقدم المنشود، ويأتي في مقدمتها الثقة. فقد بُنيت ثقة تدريجية بين العائلة والمدرسة والأخصائيين والمركز والمساعدة التعليمية، مع إصرار مني على أن الثقة بابني هي الأهم، فهو محور كل هذا الجهد، وإذا آمنا به سيقدم لنا أفضل ما لديه، وتتحول هذه الثقة إلى محبة وتفاعل وتحسن في شتى المجالات.

الأمر الآخر هو التكامل في العمل وتبادل المعلومات والخبرات والملاحظات بين المدرسة والمركز والعائلة والمساعدة التعليمية، لأن العمل مسؤولية جماعية، وليست مهمة جهة من دون أخرى، والانسجام والتعاون بين هذه الجهات ينعكس إيجابياً على «خطة التعليم الفردي» التي تتم مراجعتها وتقييمها بدقة نهاية كل فصل دراسي.

أيضاً، يجب قبل كل شيء أن نصغي لابني قبل أي أحدٍ آخر، لنجدَ ما يفرحه ونفهم ما يغضبه، ونقرأ مشاعره، ونحسنُ التعامل مع احتياجاته، فوعي الشخصية أساسيٌ لبناء أساليب العمل المناسبة ووضع خطة تطوير وتأهيل ناجحة.

الانقطاعات التي سببتها الحربُ كانت جدُ مزعجة. مواصلة الروتين اليومي مهم لأطفال التوحد وفرط الحركة وتشتت الانتباه، لذا، حتى حين أغلقت المدارس لدواعي السلامة، وصلت زوجتي - التي كان لها دور مفصلي جداً وأساسي - أخُذ ابني يومياً لجلسات العلاج الحركي، وأحضرنا «المساعدة التعليمية» للمنزل 5 مرات في الأسبوع، كي لا يكون هنالك أي انقطاع، وواصلت العائلة أخذ ابني لممارسة هوايته الأثيرة، التسلق.

رغم أن العام الدراسي الماضي شكل تحدياً كبيراً لنا جميعاً، فإن ختامه كان مسكاً وبرداً وسلاماً. فما زرع طوال سنوات أثمرَ، والتقدم الإيجابي كان ملحوظاً، وفي آخر اجتماعات مدرسية قبل الإجازة، كان المديرُ ومسؤولة البرنامج ومعلمة ابني وفريق العمل بأكمله فخورين بما تحقق، فهو كان جديراً بالنجاح الذي قطفه من فم الأسد وعن استحقاق واضح.

هذه السعادة لم نكتفِ بها، بل وضعنا من الآن خطة العام الدراسي القادم، لأن الاستمرارية هي الأهم، وإلا حدثت تراجعات غير مرغوبة.

تلك تجربة شخصية مباشرة، بقدر ما فيها من تحديات، إلا أن على عائلات ذوي طيف التوحُّد وفرط الحركة وتشتت الانتباه، ألَّا يستسلموا، وأن يكونوا فخورين ومؤمنين بأبنائهم وبناتهم، وأن يثقوا أن هؤلاء الأطفال لديهم الكثير والكثير من الذكاء والمهارات، وعلينا فقط أن نصغي لهم ونحسن فهم طرائق تعبيرهم الخاصة، ونقدم الدعم الصحيح وفي الوقت الباكر، وعبر البرامج التعليمية والتأهيلية الحديثة والمتكاملة.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

مادة إعلانية

مادة إعلانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

ويبرز من هذه القصة أن النجاح في تعليم أطفال طيف التوحد يعتمد بشكل كبير على الشراكة الفاعلة بين الأسرة والمدرسة والمختصين، وأن الإصرار الأبوي يمكن أن يفتح أبواباً كانت مغلقة. كما تشير التجربة إلى أهمية الدعم المتكامل، ليس فقط للطفل بل للأهل والقائمين على رعايته، لضمان تحقيق أفضل النتائج التعليمية والسلوكية.