المدرعمون بجهل

المدرعمون بجهل
المقال بقلم د. محمد سالم الغامدي
المقال يناقش ظاهرة اجتماعية تعاني منها المجتمعات العربية، وهي الميل إلى التصنيف والهياط بدلاً من الاعتماد على العلم والمنطق.
تاريخ النشر: 22 يوليو 2026 23:11 KSA
AA
في المجتمعات التي يحتلُّ فيها الجهلُ المساحة الأكبر، نجدُ بعض الأمور التي تستطيعُ أنْ تصفهم وتمثِّلهم وتجعلهم عينةً ممثَّلة لنفس المجتمع الذي ينتمُون إليه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أقولُ: إنَّ المجتمع الصينيَّ يُعدُّ مجتمعًا عمليًّاً لا يكلُّ ولا يملُّ، فالجميعُ تجدهم يعملُون كبيتِ النَّمل، لا يتوقَّف عن العمل، ومثل المجتمع اليابانيِّ الذي اشتهر بالمجتمع المفكِّر المُبدع المُنتج، ومثل المجتمع الخامل الكسول في بعض المجتمعات الإفريقيَّة وهكذا... ولعلِّي من خلال هذه العجالة المكتوبة، أضعُ وصفًا لأغلب مجتمعاتنا العربيَّة، فأقول:
إنَّ تلك الأغلبيَّة تعشق عمليَّات التَّصنيف كيفما كانت، وأينما كانت، فعلى سبيل المثال نجد أنَّ تلك الأغلبيَّة تميلُ إلى ممارسة أسلوب المهايطة في الأقوال الخاوية من الأفعال، وهذه السِّمة -تحديدًا- يبدو أنَّها متوارثةٌ من العصر الجاهليِّ؛ سيرًا على مهايطة عمر بن كلثوم في قصيدته المعروفة التي استُهلَّت بقوله: أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا.. وَأانْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِيْنَا
بِأَنَّا نُوْرِدُ الرَّايَاتِ بِيْضًا.. وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْرًا قَدْ رُوِيْنَا وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ.. عَصَيْنَا المَلِكَ فِيهَا أَنْ نَدِيْنَا وَسَيِّدِ مَعْشَرٍ قَدْ تَوَّجُوْهُ.. بِتَاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِيْنَا تَرَكْنَ الخَيْلَ عَاكِفَةً عَلَيْهِ.. مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُوْنَا وَأَنْزَلْنَا البُيُوْتَ بِذِي طُلُوْحٍ.. إِلَى الشَامَاتِ نَنْفِي المُوْعِدِيْنَا فهذا المثال، وما يحمله من هياط فارغ، يُعدُّ صفةً متوارثةً عربيًّا، سار على نهجها الكثيرُ من العرب وإنْ اختلفت موضوعات المهايطة في العصر الحاضر. أمَّا الصِّفة الأخرى التي أرى أنَّ فيها هروبًا من الواقع وضعفًا بارزًا في الوازع الديني، فهي صفة التصنيف التي أصبحت تمارس بدرجة لافتة عند الاختلاف، وعند التنابز مثل: فلان كافر، وعلان زنديق، وفلان ليبرالي، وعلان علماني، وهكذا بقيَّة التَّصنيفات التي لا تقوم على دليلٍ، ولا تستمد من بيِّنة، ولو سألت أحد المصنِّفين هل تعرف فلانًا، أو قرأت له، أو صاحبته؟ لكانت الإجابة بالنفي! فَلِمَ كان التَّصنيف إذًا؟ الجواب بأنَّ ذلك مجرَّد وصف لا دليل عليه، ولا بيِّنة، ولو عدنا إلى بعض العصور السابقة لوجدنا الكثير من العلماء والمفكِّرين قد ذهبوا ضحيَّة لهذا التصنيف الباطل مثل: - العالم ابن سينا، الذي يُعدُّ من أبرز الحكماء في الطب في التاريخ الإسلاميِّ، بالإضافة لتميُّزه في علم الفلسفة، وقد تم تكفيره من طرف مشايخ عصره. - العالم ابن رشد، وهو من روَّاد الفلسفة والطِّب والرياضيَّات الذي تمَّ نفيه إلى المغرب، ومُنِعَت أعماله، وأُحْرِقَت كُتبه، كما صدر مرسومٌ في حقِّه يمنعه من العمل بالفلسفة، ومن أشهر ما قِيل فيه، هو أنَّه ضالُّ ومُلحدٌ. - العالم الرَّازي من الأطباء الفرس، وممَّن درسوا الرياضيَّات والفلسفة، وكان من أبرز علماء الطِّب. - العالم الفارابي، الذي برز في علم الطِّب والفلسفة وتعمقه بهما لكنَّه قُتل. - العالم ابن المقفع، الذي اتَّهمه مشايخ عصره بأنَّه زنديقٌ وكافرٌ، ثم قتله سفيان بن معاوية، حيث قام بصلبه، وتقطيع لحمه قطعةً قطعةً، وشيِّها بالنّار حتى مات. - الشاعر أبو العلاء المعرِّي، الذي كان شاعرًا معروفًا جدًّا، وربوبيًّا يُؤمن بإلهٍ خالقٍ للكون. - الشاعر بشار بن برد، كان من أهم شعراء عصره وقد اتُّهِمَ بالكفر والزندقة، فأمر الخليفة العباسي المهدي بجلده، ومات تحت ضربات السِّياط. - حسين بن منصور الحلَّاج، والذي كان من أبرز الفلاسفة في عصره، وتمت محاكمته من قِبَل الخليفة العباسي المقتدر بالله، بتُهمة الإلحاد والزندقة، وتمَّ جلده وتقطيع أطرافه، وتلاها قطع رأسه، وحرق جثته، وتم أخذ ما بقي من جثته إلى بغداد، حيث تمَّ دفنه. ولم تقتصر الأفعال على هؤلاء العلماء العباقرة فقط، بل القائمة تطول، والتاريخ مليء بالعلماء والفلاسفة والأدباء الذين غرَّدوا خارج السِّرب، وتجرعوا مرارة القمع والقتل لهم، ومنهم الكندي، والخوارزمي، وابن حيَّان، وعباس ابن فرناس، واليعقوبي، وابن الهيثم وابن باجة، والمسعودي، والقائمة تطول.
المجتمعات التصنيف الحُكم الهياط العلماء الفلاسفة الجهل القمع
يضرب الكاتب أمثلة تاريخية على علماء ومفكرين تعرضوا للقمع بسبب تصنيفهم ككفار أو زنادقة، مثل ابن سينا وابن رشد والرازي. ويشير إلى أن هذه الممارسات لا تزال حاضرة في العصر الحديث. ويختم بالتأكيد على أهمية التسامح الفكري وضرورة ترك التصنيف بلا دليل. يمكن القول إن المقال يدعو إلى مراجعة نقدية للتراث الثقافي العربي.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.