القسوة الحنونة
قد يثير التأمل سؤال: كيف تتحول القسوة المتسمة بالصلابة والجفوة إلى معنى حنون؟ ثم كيف نصير في حاجة إليها كضرورة يومية، متجاوزين مشاعر الألم والخوف المرتبطة بها؟ يتجلى ذلك في مشهد فريد لفرس عالق في حمأة طينية، يكافح للخروج بكل قوته، فيغرس رأسه في الوحل بقسوة عله يجد أرضاً صلبة، ولكن دون جدوى، بل قد يهدد ذلك حياته. من هذا المشهد استلهم الكاتب معنى "القسوة الحنونة"، مستشهداً بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) الملك 15، موضحاً أن صلابة الأرض واستقرارها ضرورة لحياتنا، وإلا لعانينا المشقة.
تتناول هذه المقالة مفهوماً فلسفياً يتجاوز الدلالات السطحية للقسوة، لتقدم تأملاً في جدلية القسوة واللين باعتبارهما وجهين لحقيقة واحدة.
إننا حين نشعر أن القسوة واللين متباعدان عن بعض في مسارات الحياة المختلفة فإننا نجافي حقيقة البعد الفلسفي للمعنى بنظرتنا الضيقة لكل وجه، ويكون فكرنا مرتبطاً بمدى وعينا العاطفي فقط، ونصدر الأحكام على ظاهر الأشياء لا جوهرها، وهذه الرؤية الاختزالية هي التي رأت في القسوة أنها مولدة للخلاف والتنافر وحالات التباعد، وأن اللين يقترب من فضاء حميمي وألفة، وأن الإنسان يلــج فيه -أي اللين- بطمأنينة وحتى شعور بالأمان، هذا في حقيقةِ واقعه يقصي قدرتنا نحو الوعي الحقيقي، إنها رؤية ضيقة جعلت من القسوة نافذة صغيرة، وهذه الرؤية حيّدت قدرتنا على التفكير الواعي نحو هذا المفاهيم الحياتية واستوقفتنا على حدود الثابت المتعارف عليه لا المتغير تبعاً للظواهر والعلاقة مع العناصر المختلفة، حين نستسلم للفكرة الأولى للقسوة واللين لا نجد أنفسنـــا أمام صورة الفرس الـــعالق ونظل على صورة نمطية بوجهها القبيـــح الذي لا يتغير، الأمر الذي لا يمنحنا القدرة على التفكير لرؤية وجه القسوة الحنون، وهذا ما قد يراه بعض الأبناء تجاه آبائهم، حين يعتبرون أنفسهم أنهم يقعون ضحية لقسوة الآباء، وحينما يكبر تتغير زاوية الوعي لديهم وتنتفي تماماً تهمة القسوة وتُبرّأ ساحة والده، ويدرك أنها المشرع الأهم للمستقبل وللمعاني والقيم والمثل العليا، بعد أن عاش وأدرك وضع المسؤولية، وشعر أنها قسوة تنزف دمعاً ودماً، وأنها مرحلة تعلّم منها معاني جميلة لثقافتنا. جماع القول: كان يهمني من هذا الطرح فهم الاتجاه الفلسفي للفكرة والمعنى، فعندما نتجوّل في فضاء معنى الكلمة ذهاباً وإياباً، ونجول من ضفةٍ لأخرى نجد أن المعنى يمنحنا البعد الفلسفي والمعرفي ثقافياً واجتماعياً واسعين، وأن الفكرة تتسع لمجالات أرحب وتتيح لنا رؤية معنى الجمال، وإن كان في القسوة نفسها، وهذا ما يجعلنا ندرك ألوان الحياة وتنوعها، ومن ثم يتبلور لدينا حقيقة القسوة الحنونة.
يحاول الكاتب من خلال هذا التأمل كسر الصور النمطية المرتبطة بالقسوة، داعياً إلى إعادة النظر في مفاهيمنا الأخلاقية. ويمكن لهذه الرؤية أن تسهم في فهم أعمق للعلاقات الإنسانية، خاصة في مجال التربية والقيادة، حيث تكتسب القسوة أبعاداً إيجابية إذا ما استخدمت بحكمة. وتظل دعوته مفتوحة للتأمل الفلسفي في تناقضات الحياة ومعانيها.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.