ملخص

لطالما كانت المطابع مقرونة بطباعة الكتب المقدسة والموسوعات العلمية والمؤلفات الكبرى للفلاسفة والمفكرين. وكانت في سالف الزمان مهمة شاقة تستهلك الوقت والجهد والمال، غير أنها خلال العقدين الأخيرين حققت طفرة تكنولوجية هائلة، وبات التركيز على مزج الحرفة بالتقنيات الحديثة.

وتُعد صناعة الطباعة في لبنان من أعرق الصناعات في المنطقة، لكنها تواجه تحديات كبيرة في العصر الرقمي.

لم يبقَ من شارع المطابع في طرابلس شمال لبنان إلا اسمه، فالمحال التي كانت تُخرِج في يوم من الأيام آلاف المنشورات تحولت شكلاً ومضموناً. ففي ذلك الشارع لم تعد هناك مطبعة عاملة واحدة، وأصبح شارعاً تجارياً يزدحم بالمتسوقين الباحثين عن الملابس الجديدة والمأكولات والحلويات. يعود محمد ديب الحلبي إلى عام 1950 تاريخ دخوله إلى مطبعة آل الثمين في عاصمة الشمال قائلاً "في حينه كانت المطابع منتشرة على ضفتي الشارع، وكانت تعمل ليلاً ونهاراً لإخراج المؤلفات والدفاتر التجارية والصور. كان العمل شاقاً للغاية. يعمل عشرات الأشخاص من أجل إخراج ورقة مطبوعة واحدة أو فاتورة لمؤسسة تجارية قبل أن يبدّل التطور التقني المشهد بالكامل".

مطبعة 1.png

يعود تاريخ المطابع في لبنان إلى أواخر القرن الـ 16 (اندبندنت عربية)

المطبعة القديمة

يُرجَع تاريخ المطابع في لبنان إلى أواخر القرن السادس عشر، عندما تأسست أول مطبعة في الشرق في دير مار أنطونيوس قزحيا في وادي قاديشا الأثري شمال لبنان. وشهدت البلاد ازدهاراً ملحوظاً في إنتاج الكتب خلال القرون التالية، وأضحت المطبعة بمثابة صندوق سحري يخرج منه الفكر الحر والبحوث العلمية العميقة.

يعد محمد ديب الحلبي، 91 سنة، واحداً من أقدم عمال الطباعة الأحياء في لبنان، إذ تدرّج في العمل داخل المطبعة من صف الحروف وصولاً إلى امتلاكه مطبعة استمرت في العمل إلى عام 2008 قبل أن يتقاعد قسراً بعد أن شهدت الحرفة تغييراً كبيراً. اليوم وبعد مضي 76 عاماً، يعيد رسم المشهد في شارع المطابع حيث كان يتوزع عدد كبير من المطابع أهمها مطبعة "أديب ونشابة"، و"السباعي"، وغيرهما.

مطبعة 2.png

يقول أصحاب مطابع قديمة أنهم "باعوا مطابعهم وصناديق صف الأحرف لتجار الخردة" (اندبندنت عربية)

ويشرح الحلبي أن الطباعة في ذلك الزمن كانت بدائية، قائلاً: "كانت عملية معقدة وتحديداً اللغة العربية بسبب اختلاف شكل الحرف بحسب موقعه، في بداية أو وسط أو آخر الكلمة. يجب أن يبقَ الحرفي حذراً وواعياً، في ما خصّ تحريك الكلمات وتشكيلها، وأيضاً الطباعة بالأبيض والأسود أم بالألوان. تزداد الصعوبة عندما يكون المطلوب إخراج جريدة أو بحث علمي كبير أو دواوين الشعر والأدب، لأن الأمر يستغرق أياماً طويلة، من هنا كانت الجرائد المحلية أسبوعية أو نصف شهرية".

تغييرات وتطور

ويلفت محمد ديب الحلبي إلى أن المطبعة شهدت تغييرات عديدة وتطوراً مهماً "كان هناك طلب كبير على المطابع بسبب الحركة التجارية والإصدارات الفكرية، وأسهم بطء العمل في ازدياد عدد المطابع لكي تستجيب لحاجات الزبائن على اختلافها"، مضيفاً "كان صف الأحرف مناسبة لتكوين شخصية وثقافة العامل في المطبعة، إذ كنا أول من يقرأ الأطاريح والكتب المختلفة والمؤلفات من المدارس الفكرية كافة".

مطبعة 3.png

شارع المطابع في طرابلس تحول مع الزمن إلى سوق تجارية (اندبندنت عربية)

ويرفض الحلبي مقولة إن التقنيات الحديثة خففت كثيراً من الأعباء متحدثاً عن أهمية حرف الطباعة اليدوية وأهميته قياساً لنظيره عبر الطباعة الحديثة "كان يُكتب على ورق فاخر يعيش أوقاتاً طويلة، ويقوم المجلدون بخياطته يدوياً ويحرصون على عدم تفككه. كان العمال يقومون بطي ملازم الأوراق المطبوعة يدوياً، قبل أن يأتي المجلد نتيجة ساعات طويلة من الجهد والعمل"، ويتابع شارحاً المراحل اللاحقة لا سيما صف، محذراً من أن أي خطأ، "ولو بحرف واحد" من شأنه إعادة عملية الطباعة من أولها.

اقرأ المزيد

ويُقر الحلبي بأن الطباعة شهدت ثورة هائلة حيث تُنتج صوراً عملاقة وملونة بدقة عالية خلال دقائق، فيما كانت العملية ذاتها تستغرق أسبوعاً كاملاً، إذ إن "الطباعة الملونة، في السابق، كانت تقوم على أربعة ألوان، أصفر، أحمر، أخضر، وأزرق إلى جانب الأسود الذي يأتي لجمع المكونات. يقوم صاحب المطبعة بطباعة لون واحد في اليوم، واللون الآخر الذي يليه، وهكذا دواليك، ناهيك عن وقت الراحة لتثبيت الألوان وتدرجاتها المختلفة. كانت مهمة صعبة تحتاج إلى الدقة والإبداع والصبر. كنا نضطر لأخذ جزء من العمل إلى البيت حيث يساعدني أفراد الأسرة في طي وصف الأعمال البسيطة كالدفاتر التجارية وورق الكربون".

يفتخر الحلبي بأن مسيرته في الطباعة شهدت تطوراً كبيراً، كذلك شهد على انتقال الاهتمام من البحوث العلمية إلى بطاقات الأعراس والصور الملونة، واستخدام الآلات الأكثر تطوراً في الطباعة.

ولاحقاً أسس الحلبي مطبعته الخاصة عام 1978، والتي استمرت في العمل طوال أربعة عقود من الزمن، كذلك رأس نقابة عمال الطباعة التي اشترك في تأسيسها بسن الـ 18 من عمره، والتي تحولت إلى جزء من حراك مهني، لافتاً إلى "خضوع المطبوعات للرقابة الأمنية، وكان بالإمكان اكتشاف مصدر المنشور من شكل أو نوعية الحرف أو طريقة الصف الخاصة بالمطبعة". كذلك يستذكر الصعوبات التي عاناها أصحاب المطابع خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، إذ كانوا يُضطرون لقطع مسافات طويلة عبر مناطق عكار (شمال) وبعلبك والبقاع (شرق) وصولاً إلى بيروت من أجل إحضار الورق وعبوات الحبر.

قطع من الخردة

يقول أصحاب مطابع قديمة أنهم "باعوا مطابعهم وصناديق صف الأحرف لتجار الخردة"، أو أن بعضهم "تمكّن من بيع معدات مطبعته في سوريا لتركيبها وتشغيلها هناك وذلك قبل 20 عاماً من الآن بسبب حجمها الكبير". تشير هذه الشهادات إلى أن المطبعة بنمطها التقليدي اختفت ضحية التطور الحديث.

يقول رامي يونس صاحب مطبعة حديثة وهو واحد من "أواخر الذين استغنوا عن صف الأحرف في الطباعة"، وانتقل إلى العمل بواسطة التقنيات الحديثة التي تتميّز بالمرونة والسرعة والإبداع "بدأت مسيرتي من خلال صف الأحرف، إذ يجب على كل عامل حفظها، وعليه أن يتقن اللغة العربية ومهارات الإملاء المتقدمة حتى لا يفشل في التزاماته، وتجهيز المطلوب منه، والاطلاع على الخطوط المختلفة، وغيرها من الضروريات التي تعتبر من أساسيات المهنة".

ويعتبر يونس أن الطباعة تطورت سريعاً، "فإعداد فاتورة كان يتطلب جهداً استثنائياً، ورسم رزنامة كان بحاجة إلى خطاط ورسام، ومن ثم إعداد كليشيه وتركيب قوالب، وتنظيمها بدقة لجهة الطول والعرض، ذلك أن أي خطأ في الحساب من شأنه إفشال الطبعة كاملة. بعض المؤلفات الضخمة طباعتها كانت تتطلب أشهراً عدة، لأنها ليست مجرد عملية تقنية، إذ لا بد من إخضاع النص للمراجعة من خلال القراءة والتصحيح والتدقيق اللغوي من أجل تجنب أي غلطة مطبعية كارثية قد تؤثر على المعنى وعلى الطبعة بأكملها، لأن الخطأ الفادح يعني رمي الطبعة والبدء من جديد. والكلفة المادية كانت كبيرة".

ويتحدث يونس عن الانتقال إلى مرحلة الاعتماد الكامل على التقنيات الحديثة "أصبحت الطباعة بواسطة صف الأحرف جزءاً من ذاكرة الماضي فهي تحتاج إلى همة عالية وجهد كبير".

الطباعة مسؤولية

يتحدث رامي نشابة، صاحب مطبعة حديثة، عن إمكانيات هائلة لتقنيات الطباعة المتطورة والاعتماد على النسخ بأشعة الليزر العالي الدقة والجودة، "وهي ميزات ما كانت متوافرة عندما كان جده ووالده يعملان بالمهنة لأكثر من ثمانية عقود"، مضيفاً "أصبحت الحرفة واسعة جداً ولا يمكن الإلمام في جوانبها كافة. تخضع الطباعة لتطور كبير يطاول أحياناً نظام الطباعة بأكمله، وباتت تحتاج إلى آلات غالية الثمن، بخاصة تلك التي تدخل في طباعة الكتب المدرسية الملونة والجرائد، أو تلك التي تستخدم للطباعة على السلع والمنتجات، أو ماكينات الإعلانات، لذلك يحاول المالك بداية تكييف الأجهزة الموجودة عنده قبل الانتقال إلى النسخ الجديدة.

ويتابع "عام 1998 تخليت نهائياً عن الطباعة التقليدية بواسطة صَف الأحرف لمصلحة العمل بواسطة الكمبيوتر المتطور الذي وسع نطاق العمل، فما كان يستغرق يوماً لإعداده أصبح بالإمكان إنجازه خلال ساعة أو أقل"، ويتوقع أيضاً أن يتسع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التصميم بعد أن اعتمد طويلاً على ما تقدمه محركات البحث في معرض تصميم الشعارات.

ويلفت نشابة النظر إلى مسؤوليات كبيرة تقع على عاتق صاحب المطبعة في ظل انتشار أعمال التزوير والتقليد "في بعض الأحيان يأتينا زبائن ويطلبون طباعة نُسخ عن أغراض أو علب لبعض الماركات الأصلية والأسماء الأجنبية المعروفة، من هنا نقوم بالرفض"، ويشدد على أن "الأجهزة الأمنية اللبنانية تمتلك المعرفة والقدرة لاكتشاف من طبع النُسخ المقلدة، ما يعرض المخالف للملاحقة".

ومع انحسار الطباعة التقليدية، تحول شارع المطابع في طرابلس إلى سوق تجاري، وأصبحت مهنة الطباعة اليدوية من الماضي. ويشير ذلك إلى تحولات أوسع في صناعة النشر والتوزيع، حيث حلّت الطباعة الرقمية محل الحرف التقليدية، مما يهدد فقدان مهارات عريقة. وتبقى قصص عمال مثل محمد ديب الحلبي شاهدة على عصر ازدهار الطباعة في لبنان.