"عش الورور"... حي دمشقي فقير يواجه إرث نظام الأسد
ملخص
صرّح أحد القاطنين في حي عش الورور، مفضلاً عدم الإفصاح عن اسمه، قائلاً: "المداهمات جاءت في مساء الخميس في شوارع محددة لكن أغلقت جميع منافذ الحي، في حين منع دخول المركبات لساعات ومن ثم عاد الوضع إلى طبيعته بعد تنفيذ المهمة".
يقع حي عش الورور في منطقة استراتيجية على سفوح جبل قاسيون غربي دمشق، ويُعد من الأحياء الشعبية القديمة التي شهدت توسعاً عمرانياً عشوائياً.
عاش سكان عش الورور، الحي الشعبي المترامي على سفوح جبل قاسيون في دمشق، ليلة مضطربة طغى عليها القلق والترقب، بعد أن هيمن المشهد الأمني على مدار 24 ساعة عقب عملية استخباراتية محكمة أسفرت عن إلقاء القبض على شبكة تخريبية في عدة نقاط متفرقة بالعاصمة.
وكشفت العملية الأمنية عن المتورطين في انفجار منطقة فيكتوريا، القريب من فندق الفورسيزين، مقر إقامة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون خلال زيارة رسمية له لسوريا مدة يومين متتاليين في السادس والسابع من يوليو (تموز) الجاري، وحظيت باهتمام واسع كونها أتت كزيارة دولة لأول زعيم أوروبي إلى بلد يعيش حال التعافي بعد سقوط نظام الأسد.
مداهمة وخوف
وأخيراً، ساد هدوء حذر شوارع عش الورور، الحي المزدحم بمختلف المكونات العرقية والدينية، ويغلب عليه أبناء الطائفة العلوية المسلمة، إلى جانب شخصيات موالية للنظام السابق ومنتمية إليه، مما يجعل هذا الحي، الذي توسع بشكل عشوائي على مدى عقود، بؤرة ساخنة بما يكفي.
وأفادت المعلومات الواردة بأن المداهمات التي شهدها الحي جاءت متزامنة لمداهمات على أحياء أخرى، أشعلت حالاً من التخوف حول خلفية الأشخاص المستهدفين وانتمائهم السياسي والديني، فيما ظلت أماكن احتجاز وهويات الخلية، أو الشخصيات المعتقلة مجهولة بعد القبض عليها وسط مطالبات من منظمات مدنية بضرورة الكشف عن أماكن الاحتجاز وتوضيح أسباب الاعتقالات والإعلان عن مصير المحتجزين، وضمان حصولهم على الإجراءات القانونية اللازمة.
في الأثناء أبدى المرصد السوري تخوفه من احتمال وقوع توقيفات تعسفية في ظل عدم الكشف عن أسماء الموقوفين أو طبيعة الملفات المرتبطة بهم، وذكر المرصد في بيان خاص بهذه القضية أن "هناك مخاوف من أن تكون بعض حالات التوقيف تعسفية أو استندت إلى شبهات عامة أو خلفيات طائفية، في ظل عدم الإعلان عن أسماء الموقوفين أو الأدلة المنسوبة إليهم".
ويروي أحد القاطنين الذي فضل عدم الكشف عن هويته قائلاً "المداهمات جاءت في مساء الخميس في شوارع محددة لكن أغلقت جميع منافذ الحي، في حين منع دخول المركبات لساعات ومن ثم عاد الوضع إلى طبيعته بعد تنفيذ المهمة".
![]()
هناك مخاوف من أن تكون بعض حالات التوقيف تعسفية (اندبندنت عربية)
ويعتقد أن الفوضى واندفاع القاطنين ولا سيما من العائلات العلوية جاءت بدافع احترازي وتحسباً من أية تطورات أمنية تضعهم في قلب الحدث، بينما ذكرت وزارة الداخلية في بيان لها بأن عملية أمنية معقدة نجحت بإطاحة كل أفراد الخلية التي نفذت عملية التفجير أمام مقر إقامة الرئيس الفرنسي، وداهمت مواقع متفرقة في مناطق مثل القطيفة، ضاحية قدسيا، وعش الورور واعتقلت نحو 30 شخصاً ينتمي بعضهم إلى فلول النظام، وبعض المعلومات أشارت إلى أصابع التنظيم المتطرف، "داعش" في العمل التخريبي.
تنفس الصعداء
ومع كشف الخلية في زمن قياسي سادت حال من الارتياح الشارع السوري الذي بدا في حال استغراب وتساؤل حيال قدرات المنظومة الأمنية، ومنح الأجهزة الاستخباراتية والأمنية ورقة نجاح سريعة على رغم عدم الكشف بعد عن تفاصيل العمل التخريبي، ويبقى السوريون بانتظار ما تسفر عنه التحقيقات.
وقال قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، أحمد الدالاتي إن التحقيقات الأولية مع الخلية المتورطة بتفجيرات دمشق الأخيرة تشير إلى تنظيم "داعش"، مضيفاً "تمكنت القوى الأمنية من الوصول إلى أحد أفراد الخلية المنفذة، ومن خلال الرصد تمكنا من الوصول إلى بقية أفراد الخلية، وكانت العملية متزامنة في مناطق عدة من دمشق وريفها واعتقل كامل أفراد الخلية المتورطة بالتفجير".
ومع هذا يعود "عش الورور" الذي تكاثرت كتله الأسمنتية قبل عقود بشكل مثير للريبة ليس لأسباب تتعلق بالشأن الفني والتقني وما يتعلق بأنه حي عشوائي، بل لدوره في ظل حكم عائلة الأسد، وهذا ما يحدثنا به الناشط المدني، عامر الشوني من سكان مدينة دمشق.
ويعتقد الشوني أن الحي في حال حرجة، ولا بد من الاعتراف بأنه على "فوهة بركان" حسب وصفه، فهو يضم شخصيات كثيرة قطنت الحي وما زالت تقطنه من ضباط ومقاتلين في الجيش النظامي السابق منذ وصول حافظ الأسد للسلطة.
اقرأ المزيد- بعد تفجيري دمشق: 4 أسئلة عن ظهور "داعش" الجديد في 2026
- زيارة ماكرون إلى دمشق تحبس أنفاس "المقاتلين الفرنسيين"
- 9 قتلى في انفجار داخل مقهى قرب القصر العدلي في دمشق
وأضاف "هذا ما يرفع من حال التوتر بين الفينة والأخرى إلا أنه يلفت النظر بالوقت ذاته إلى أن الحي فقير بالخدمات وعشوائي، ويضم عائلات مدنية من نساء وأطفال لا بد من عدم ترويعهم وطمأنتهم في حال الإقرار بمحاسبة فلول النظام والانتباه من انجرار الشارع إلى المحاسبة خارج إطار المؤسسة القضائية".
وتحدث أحد أفراد الأمن الداخلي عن الحرص الشديد حيال حماية المنطقة من كل ما يسفر عن حدوث حال فوضى وعدم استقرار عبر تكثيف أجهزة الدولة الأمنية وزيادة عدد الدوريات والحواجز حماية للقاطنين، بينما اعتبر عدد من أهالي الحي الحماية الأمنية صمام الأمان، والحاجز المنيع أمام الأصوات التي تعلو للهجوم على الحي بغية الانتقام من الفلول، مما يسبب حال احتقان وتوجس من العائلات العلوية.
العدالة والانتقام
في غضون ذلك وفي منتصف يونيو (حزيران) الماضي، دخل عشرات المتظاهرين إلى أحياء بالعاصمة دمشق ذات الغالبية العلوية ومنها حي عش الورور وحي آخر يطلق عليه مزة 86 مطالبين بالقصاص وتطبيق العدالة، وردت قوى الأمن حينها بإغلاق المنافذ إلى الحي لمنع المتظاهرين من الوصول، وهم يطلقون شعارات لتطبيق العدالة لا تخلو بعض منها من الطائفية.
وعلى أثر ذلك أصدر وجهاء وأعيان حي عش الورور بيان إدانة في حق جميع الجرائم التي ارتكبت في حق الشعب السوري، وتأييدهم بالمطالب المحقة نصرة للحق، وإنصافاً للمظلوم، واللجوء إلى القانون وسلطة الدولة، وجاء بالبيان "المجرم مهما كانت صفته وانتماؤه الديني أو الطائفي أو المذهبي، فلا غطاء له ولا تستر عليه".
وفي الوقت ذاته طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، على خلفية هجمات منتصف يونيو الماضي على حي عش الورور السلطات السورية بحماية الأشخاص المتهمين بالارتباط بالنظام المخلوع، ومنع استهدافهم خارج إطار القانون، أو تحويل مطالب العدالة إلى عقاب جماعي، وقالت في بيانه المستشارة الأولى في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، هبة زيدان "للسوريين الحق في المطالبة بالعدالة، لكن ذلك لا يجب ألا يتحول ذريعة لاستهداف أشخاص بسبب دينهم أو خلفياتهم".
شريط لحماية الحكم
وتعود نشأة عش الورور، شمال دمشق إلى فترة وصول حافظ الأسد إلى السلطة (تولى حكم سوريا 1970 ـ 2000 حتى وفاته) ويقع قرب منطقة برزة، وبغطاء أمني وعسكري أخذ البناء ينتشر في سفوح الجبل من دون تراخيص بناء واضحة واستقرت عائلات غالبيتها من الطائفة العلوية، المسلمة.
ويرى معارضون لحكم الأسد أن الغاية الأساسية لتشييد هذه الأبنية العشوائية بطريقة مخالفة هو تشكيل شريط أسمنتي يطوق مدينة دمشق، وإعطاء امتيازات مجانية للموالين له، وغالب من أتى للسكن جاء من جبال الساحل حيث استحوذ أبناء المنطقة الساحلية على نسبة عالية من مواقع الأمن والجيش، وانتظم الشبان بوظائف عسكرية مع استمرار تهميش مناطقهم، إذ رأى مراقبون الأمر مقصوداً من قبل الأسد الأب لدفع أبناء طائفته إلى الجيش "حماية لكرسي الحكم".
وفي شهادة له عن أهل عش الورور تحدث أحد قادة فصائل دمشق، الشيخ أحمد الخطيب في لقاء علني بأنه خلال زيارته لهذا الحي خرج بانطباع غير من نظرته بالكامل، ولمس معاناة شديدة من أهله، إذ لم يشاهد سوى بيوت فقيرة وحي فقير لا يوجد فيه أي مرافق، وطالب "بضرورة مد يد العون لهم، الطائفة العلوية ليست كلها مجرمة، وشبيحة أو كلها بالجيش ربما كثير منهم همش في زمن النظام وظلم"، ولفت الانتباه إلى حقيقة تهميش ممنهج لقرى الساحل يلاحظه كل من وصل إليها، وأضاف "أننا دخلنا إلى حي عش الورور لم نجد مدرسة أو مستوصفاً، ولا مركزاً بلدياً أو خدمياً، أو أي مقوم من مقومات الحياة، ليس هناك سوى بيت، وطريق يتسع لسيارة ونصف السيارة وماء وكهرباء فحسب، والطالب يسير نصف ساعة مشياً على الأقدام للوصول حتى يصل إلى مدرسته، هم قوم مضطهدون وفيهم المظلوم مثلنا وفيهم الفقير مثلنا وفيهم الشبيح والمجرم، وهذا المجرم فر إلى غير رجعة وكفى شره أهله قبل أن يكفي شره المكونات الأخرى".
تأتي هذه العملية الأمنية في سياق جهود السلطات الجديدة لضبط الأمن بعد سقوط نظام الأسد، وسط مخاوف من تصفية حسابات أو توقيفات تعسفية. ويراقب السوريون تطورات التحقيقات عن كثب، بينما يطالب ناشطون بمحاكمة عادلة وشفافية كاملة في ملف المعتقلين.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.