ملخص

يرى الباحث في الشؤون السياسية عبدالحميد همام أن الرادار الجديد الذي يتراوح مداه بين 150 و200 كيلومتر سيعوق تحركات الطائرات الإسرائيلية في الأجواء السورية ويقلص نطاق عملياتها. مضيفاً "الأمر يتخطى الوصول الإسرائيلي لسماء سوريا وحماية قواتها وقواعدها المتقدمة إلى ما بعد المنطقة العازلة، إذ إنه يحد أيضاً من حركة المقاتلات في ضرباتها على إيران".

ويأتي هذا التطور في ظل تنافس متزايد بين أنقرة وتل أبيب على النفوذ في الساحة السورية.

تتسع رقعة المناكفة بين تركيا وإسرائيل لتنتقل من الخطاب السياسي إلى الميدان السوري، ففي حين تسيطر أنقرة على مناطق شاسعة في الشمال منذ سنوات الحرب، يعاني الجنوب من توغل إسرائيلي مستمر. صراع نفوذ بين قوات أجنبية يعيد إشكالية السيادة الوطنية على كامل التراب السوري في ظل تعقيدات كبيرة، ويكشف عن معركة محتدمة تزداد ضراوة مع كل تحرك عسكري أو خطاب دبلوماسي من الطرفين.

علاقات متأزمة

وتدهورت العلاقات التركية الإسرائيلية بشكل لافت، وتصاعدت الحرب الكلامية بين الجانبين، إذ وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "الصهيونية" بأنها تهديد وجودي لتركيا، معتبراً أن العمليات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تشكل خطراً على بلاده. وتفاقم الصراع مع تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدن قائلاً إن "الإسرائيليين أصبحوا عبئاً لا تستطيع الإنسانية تحمله، وأنقرة لا تمانع المواجهة إذا لزم الأمر".

ولم يتأخر رد تل أبيب، إذ اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تصريح فيدان تحريضاً على الإبادة الجماعية، وقال "إن نزع الإنسانية عن الشعب اليهودي بوصفه عبئاً لا يطاق، لغة كلاسيكية مروعة تستحضر أدبيات أسوأ الأنظمة الإلغائية في التاريخ".

وحذرت أنقرة مطلع يوليو (تموز) الجاري عبر أردوغان نفسه من عمليات تل أبيب العسكرية في الشرق الأوسط، مما يعكس تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي واستقرار شرق المتوسط، فضلاً عن تحركاتها الخفية في القارة الأفريقية وحوض المتوسط، مما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وصفه بـ"ديكتاتور" معادٍ للسامية، واتهامه بارتكاب إبادة جماعية في حق الأكراد.

صفقة الطائرات

يأتي ذلك في وقت ترتفع مخاوف الإسرائيليين بعد التقارب الأميركي – التركي، ولا سيما موقف الرئيس دونالد ترمب بإعلانه استعداد بلاده رفع عقوبات "كاتسا" المفروضة على أنقرة في 2020 بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية "أس 400" عام 2017، وعزمه تسليمها صفقة طائرات مقاتلة من طراز "أف 35"، الأمر الذي يزيد من الحضور العسكري التركي كدولة ذات قوة إقليمية في المنطقة.

وكان الصراع بدأ يطفو على السطح حين زارت فرق عسكرية في وقت سابق من مارس (آذار) 2025 قاعدتين جويتين في سوريا ("تي فور" و"تدمر") بمحافظة حمص وسط البلاد، إضافة إلى المطار الرئيس في حماة، بهدف الاطلاع على واقع هذه المواقع بعد سقوط النظام السوري السابق، والوقوف على الحال الفنية لمدارج الطائرات والحظائر الخاصة بالمقاتلات الحربية، وكانت تل أبيب سارعت بضرب هذه المواقع خشية وصول النفوذ التركي إلى الجنوب السوري أو أية مواقع قريبة منه.

اقرأ المزيد

وتعمل إسرائيل على إحكام السيطرة على المنطقة الجنوبية وتوسيع المنطقة الآمنة بذريعة حماية حدودها الشمالية من أخطار محدقة على أمنها القومي، لا سيما مع صول الإسلاميين إلى سدة الحكم في سوريا، على رغم كل التطمينات التي بثها الحكام الجدد ببناء علاقات حسن جوار مع دول المنطقة.

مع سقوط بشار الأسد دفعت تل أبيب بجيشها إلى التحرك على الحدود السورية وفي العمق بعد خط وقف إطلاق النار في الـ31 من مايو (أيار) عام 1974، وعمدت إلى خرق الاتفاق الدولي والتوغل في أراضي جنوب غربي سوريا والسيطرة على جبل الشيخ الاستراتيجي.

ولم تكتفِ إسرائيل بهذا القدر بل تابعت توغلها في مناطق باتجاه ريفي درعا والقنيطرة إلى ريف العاصمة دمشق، عبر نصب حواجز موقتة ومضايقة السكان المحليين، فضلاً عن فتح قنوات اتصال مع أبناء الطائفة الدرزية، وغذى الواقع الانفصالي خلاف فصائل محلّية يقودها شيخ طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري مع حكومة دمشق حول طريقة إدارة المحافظة ونشوب اقتتال بين البدو وأبناء الطائفة.

الرادار التركي

في غضون ذلك زاد القلق لدى تل أبيب مع نصب الجيش التركي رادار مراقبة للحركة الجوية من نوع (HTRS-100) في مطار دمشق جنوب سوريا، وبحسب متابعين فإن هذا النوع من الأنظمة يقيّد حركة سلاح الجو الإسرائيلي، الذي قضى على أغلب منصات الدفاع الجوي والمراقبة والرادارات بعد سقوط النظام السابق، علاوة عن تدمير الأسلحة الاستراتيجية وقدرات الجيش بما يقارب 80 في المئة، وبخاصة المواقع العسكرية الحساسة مثل المطارات ومستودعات الصواريخ.

الرادار الجديد الذي يراوح مداه ما بين 150 و200 كيلومتر من شأنه أن يحد من حركة ونشاط الطائرات الإسرائيلية التي تخترق الأجواء السورية، وفق ما يعتقد الباحث في الشؤون السياسية عبدالحميد همام في معرض توضيح ما يمكن أن تصنعه أجهزة المراقبة الجوية الجديدة. مضيفاً "الأمر يتخطى الوصول الإسرائيلي لسماء سوريا وحماية قواتها وقواعدها المتقدمة إلى ما بعد المنطقة العازلة، إذ إنه يحد أيضاً من حركة المقاتلات في ضرباتها على إيران".

إزاء هذه التطورات ستكون سوريا أمام سيناريوهات عدة، منها الاشتباك المباشر وتحويل الأرض والسماء إلى ساحة صراع وتصفية حسابات والبدء بمعركة كسر عظم، أو اقتصار الصراع على الحرب الكلامية الدائرة وهو ما يبدو مرجحاً مع بحث تل أبيب عن عدو جديد تختبر قوته، أو البحث في اتفاق آلية منع اشتباك، ولعل البحث حول نظام كهذا يوحي بعدم نية الطرفين الاصطدام المباشر.

ويعيد نظام منع الاشتباك إلى الأذهان التجربة الروسية مع إسرائيل خلال أعوام الحرب السورية، وتهدف هذه الآلية إلى تبادل المعلومات، وهي آلية استخدمتها أنقرة في سوريا والعراق لمنع الاشتباك شرق نهر الفرات بين تركيا وأميركا، وغرب الفرات بين روسيا وتركيا، ومع تفعيل منع الاشتباك يمكن حلّ الخلاف الحاصل بالاتفاق على إحداثيات ومناطق محددة يمنع الدخول إليها.

وقائع جديدة

بالمقابل لا ينبع القلق التركي من احتمال تصعيد عسكري محدود، بل من إدراك أن هذا التصعيد قد يكون جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي، وتداعياته لن تقتصر على سوريا بل ستمتد إلى شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات لتؤثر على توازنات الشرق الأوسط بأكمله.

وفي حديث مع مدير معهد إسطنبول للفكر باكير أتجان، يوضح لـ"اندبندنت عربية" أن الموقف التركي في حال حدوث أي تصعيد إسرائيلي في سوريا قد يكون محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بخاصة في ظل تعقيدات المشهد السوري وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين.

ويعتقد أن "إسرائيل قد تسعى من خلال التصعيد إلى إجبار دمشق على قبول ترتيبات أمنية أو سياسية لم تكن لتقبل بها في ظروف طبيعية، مستفيدة من حال إنهاك تعانيها الدولة السورية بعد أعوام الحرب، مما يضع تركيا أمام معادلة دقيقة، فهي من جهة ترفض توسيع النفوذ الإسرائيلي قرب حدودها، ومن جهة أخرى لا ترغب في الدخول بمواجهة مباشرة قد تخلّ بتوازناتها مع القوى الكبرى".

إلى ذلك ثبت الجيش الإسرائيلي نقاطاً وقواعد عسكرية على امتداد الشريط الجنوبي السوري مع الجولان، وبعد سقوط النظام السابق توزعت القواعد بين القمم والسهول في جل الشيخ وأرياف القنيطرة وصولاً إلى حوض اليرموك، ومن أبرز تلك القواعد قمة جبل الشيخ، وجباتا الخشب، والتلول الحمر، وقرص النقل، والحميدية، والقنيطرة المهدمة، والعدنانية، وتل أحمر غربي، وتل أحمر شرقي.

مقابل هذا أعادت القوات العسكرية التركية انتشارها بعد حضورها في الشمال السوري عبر ثلاث عمليات عسكرية ("غصن الزيتون"، "درع الفرات"، "نبع السلام")، لكن بعد نجاح معركة "ردع العدوان" وتسلم حكومة سورية جديدة قريبة من تركيا، أعاد الجيش الحليف تنظيم انسحاب كامل من معسكر "المسطومة" جنوب إدلب، وحافظ على حضور عسكري بقواعد في ريف حلب حتى تل أبيض ورأس العين وفي أجزاء من إدلب.

وتعكس هذه التحركات العسكرية والخطابية المتصاعدة بين تركيا وإسرائيل تنافسهما الإقليمي في سوريا، حيث تسعى كل منهما إلى تعزيز نفوذها على حساب الآخر. ويظل السوريون هم الأكثر تضرراً من هذا الصراع الذي يهدد سيادة بلادهم ويقوض جهود الاستقرار. ويرجح المراقبون أن تستمر هذه المواجهة بالتصعيد طالما ظلت القوى الإقليمية ترى في سوريا ساحة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.