كتاب

د. اياد طلال عطار

استراحة الترطيب

د. اياد طلال عطار

نُشر في 22 يوليو 2026 الساعة 23:11 بتوقيت السعودية.

تشهد بطولات كرة القدم الكبرى نقاشات متواصلة بشأن تأثير التعديلات التنظيمية على الجانبين الفني والتجاري.

AA

تعتمد كرة القدم التقليدية على استراحة وحيدة مدتها 15 دقيقة بين الشوطين تتيح للاعبين استعادة طاقتهم وتلقي التوجيهات الفنية وإجراء التبديلات، غير أن النمو الهائل لصناعة الرياضة جعل لكل دقيقة في بطولات كأس العالم وزناً تجارياً كبيراً، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التوقفات لصالح اللاعبين فقط أم تشكل فرصة تسويقية للشركات.

في كأس العالم 2026م، ظهرت استراحات التَّرطيب (Hydration Breaks) داخل كلِّ شوط، وهي توقُّفات قصيرة تقريبًا في منتصف كل 45 دقيقة، والسَّبب الرسميُّ لها هو حماية اللَّاعبِين من الحرارة والإجهاد، خصوصًا مع إقامة البطولة في أمريكا وكندا والمكسيك خلال الصَّيف، وأكَّدت «فيفا» أنَّ الهدف الأساس منها هو سلامة اللَّاعبِين، وتحسين ظروف اللَّعب. لكنَّ الجانب التجاريَّ موجودٌ -أيضًا- فهذه التوقُّفات خلقت فرصةً جديدةً لشركات البثِّ؛ لعرض الإعلانات؛ لأنَّ مباريات كأس العالم من أغلى المحتويات التلفزيونيَّة في العالم، وأي ثوانٍ إضافيَّة أمام ملايين المشاهدِين تتحوَّل إلى قيمةٍ ماليَّة ضخمة؛ لذلك سمحت فيفا باستخدام فترات التوقُّف لعرض إعلانات ضمن ضوابط معيَّنة.

بالنسبة للشركات المعلنة، هذه لحظة ذهبيَّة، فبدل انتظار نهاية المباراة، يحصل الإعلان على فرصة الظهور أمام جمهورٍ عالميٍّ في لحظة يكون فيها المشاهدُ ما زال مرتبطًا بالمباراة، وينتظر عودة اللَّعب، ولهذا تصبح كأس العالم منصَّة تسويق تتنافس عليها شركاتُ السيَّارات والتقنية والأغذية والبنوك وغيرها. لكن هناك جانب آخر يتعلَّق بجوهر كرة القدم، بعض الجماهير والمدرِّبين يرون أنَّ كثرة التوقُّفات قد تؤثر على إيقاع المباراة، وحماسها، خاصَّة أنَّ كرة القدم تتميَّز بأنَّها لعبة مستمرَّة، والهجمة قد تبدأ من ضغط متواصل، والزخم النفسي للفريق قد يتغيَّر خلال دقائق، وعندما يتوقَّف اللَّعب فجأةً قد يفقد الفريق المسيطر اندفاعه، وقد يحصل الفريق الآخر على فرصة لإعادة التنظيم. وظهر ذلك في إحدى المباريات، عندما أبدى اللَّاعبُون الرَّغبة في العودة للِّعب بعد استراحة التَّرطيب، ولكن تمَّ رفض طلبهم بحجَّة عدم الانتهاء من الإعلانات في الشَّاشات. إذن الحقيقة أنَّ الاستراحة تحمل وجهين: وجه رياضي يتعلق بصحة اللاعبين وجودة الأداء، ووجه اقتصادي يتعلق بصناعة كرة القدم، التي أصبحت سوقًا عالميًّا ضخمًا. التحدِّي أمام فيفا هو الحفاظ على روح اللعبة، بحيث لا تتحوَّل كرة القدم من منافسة تعتمد على الإثارة المستمرَّة إلى منتج تلفزيونيٍّ تقوده فتراتُ الإعلانِ.

كرةاستراحةإعلاناتفيفاتسويقلاعبينبثتوقفات

تُمثل استراحات الترطيب نقطة تحول في كيفية إدارة المباريات الكبرى وتوجيه العوائد المالية المتزايدة في قطاع الرياضة. ومع توسع الاعتماد على النقل التلفزيوني، تتزايد التحديات التنظيمية المتمثلة في حماية الجوهر التنافسي للعبة وتجنب تأثير التوقفات على الإيقاع الحماسي للقاءات. وتبقى الأنظار متبعة لقرارات الجهات الرياضية في الموازنة بين المتطلبات التسويقية الحيوية للأندية والاتحادات والحفاظ على سلامة اللاعبين ومتعة الجماهير.