أيها المؤجِّلون
مقال يكشف ظاهرة تأجيل المتعة والسعادة في حياتنا اليومية، ويناقش تأثيرها على العلاقات الأسرية والعمل، مع دعوة صريحة للاستمتاع باللحظة الحاضرة.
أيها المؤجِّلون
2026-07-21T10:00:00.154Z
يدعو المقال إلى التوقف عن تأجيل الاستمتاع بالحياة وربط السعادة بمحطات مستقبلية مثل "آخر العنقود" أو التقاعد أو تحقيق إنجازات أكبر، مؤكّدًا أن هذا النمط يحرم الإنسان من عيش الحاضر ويضاعف الضغوط النفسية. وينتقد الكاتب ثقافة تعليق الفرح بعبارات مثل "عقبال..." التي تنقل التركيز من إنجاز تحقق فعلاً إلى ه…
لماذا نؤجل دائماً المتعة، ونرفض الاعتراف بالواقع ومعايشته كما هو؟ لماذا تكون الاستفاقة متأخرة ومعلقة حتى نصل إلى تلك المحطة ولن أقول بعد فوات الأوان؟!
إذ نجد في أغلبية مجتمعنا أن "آخر العنقود" وصغير العائلة يحظى بمعاملة مختلفة من قِبل الأب والأم، وبدلال زائد عن الحدود. وهذا ليس تفرقة بين الأبناء، أو أن الآخرين أقل شأناً، بل إن المحبة ممتدة للكل، وهو أمر لا شك فيه (كي لا أُتَّهَم بالتحريض ضد الآباء والأمهات!). لكن كل ما في الأمر أن الحالة نفسية بالدرجة الأولى؛ فالوالدان عندما يتقدم بهما العمر تزداد عواطفهما، ويعلمان أن هذا المولود قد يكون الأخير الذي رزقهما الله به، فيقرران حينها الاستمتاع بهذا الطفل لأطول فترة ممكنة. ومن وجهة نظري، فإن ذلك نابع أيضاً من تأجيل المتعة مع الأولاد السابقين وطريقة التفكير في تلك المرحلة. وفكرة التأجيل لا تقتصر على الوالدين بل تمتد لحياتنا اليومية؛ فنحن نؤجل لقاء الأصدقاء، أو ممارسة هواياتنا، أو تقديم الشكر، أو الاعتذار، بحجة أن الظروف ستصبح أفضل مستقبلاً، ثم نكتشف فجأة أن الفرصة قد رحلت!
وحتى الموظف الذي يعرف أنه مهما طال الزمن به سوف يُحال إلى التقاعد، يُبدي التذمر ليل نهار، وكأن السعادة مرتبطة بفراق ذلك المبنى أو تلك المنظومة. ألم تسمع المقولة: "حب ما تعمل لتعمل ما تحب"؟ ما المانع من أن نستمتع باللحظات الحالية، سواء بتربية الأبناء أو بالوظيفة؟ ولماذا ننتظر آخر العنقود أو التقاعد لنفرح حينها؟ فالإنْسَان الذي اعتاد تعليق سعادته على محطة معينة لن يتوقف عندها، بل سينتقل مباشرة إلى محطة أخرى؛ فالحياة لا توجد بها ضمانات مهما بلغت من الذكاء وحسن التدبير والتخطيط، فبين عشية وضحاها يغير الله من حال إلى حال.
إن تأجيل الاستمتاع حتى يحدث ما تتمناه يجعلك مثقلاً بالتفكير، ويضعك في ضغوطات وعقبات صنعتها أنت من تلقاء نفسك. وهناك عادات يمارسها بعض أفراد المجتمع تساهم في ذلك؛ فحتى وقت الفرح أصبح مؤجلاً! فعلى سبيل المثال: لا يقول لك أحدهم: "مبروك التخرج من الماجستير" ثم يصمت، بل يردفها بـ: "عقبال الدكتوراه!"، لتزداد الضغوط وتتأجل المتعة، وهنا نتذكر المقطع الشهير: "لا تقتل المتعة يا أخي".
لقد أصبحت كلمة "عقبال" ترافق جميع مباركاتنا بشكل غريب، فدعونا نبذل قصارى جهدنا لتجنبها، ولنفكر بالاستمتاع بالحياة، وأن يرى الإنسان ما يملكه قبل أن ينشغل بما ينقصه أو يتمناه، وألا يتوهم أن المستقبل خالٍ من المشكلات؛ بل الحقيقة أن لكل مرحلة تحدياتها، فلا توجد لحظة مثالية خالية من المنغصات.
ولا توجد خلطة سرية تمنحنا المتعة أكثر من أن تتغير طريقة تفكيرنا، ونكون أكثر إيجابية وواقعية؛ لذا يجب ألا نبطئ عجلة الاستمتاع بالحياة بالتأجيل، بل نجعلها تدور في مختلف الأوقات وأحنك الظروف، وحتى إن بدت العراقيل شاخصة في طريقنا.. يجب ألا نتوقف. وختاماً يا أيها المؤجلون.. إن كنتُ قد تحدثتُ عن تأجيل مباهج الدنيا، فإن أقسى أنواع التأجيل هو إرجاء ملاذ الروح وسكينة النفس؛ الصلاة، التي قال عنها المصطفى ﷺ: «يا بلالُ، أَقِمِ الصلاةَ، أَرِحْنَا بها»؛ فلا تؤجلوا راحتكم الحقيقية، ففيها وحدها تكمن المتعة التي لا تنقضي."
المصدر الأصلي: سبق
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.