مشهد حيواني نادر يزين واجهة قصر الحير الغربي الأموية في دمشق
يحتضن المتحف الوطني بدمشق واجهة أثرية فريدة من قصر الحير الغربي تضم نقشاً جصياً نادراً يجسد مفترساً يفتك بفريسته ضمن إرث عريق يعود للعصر الأموي.
تضم البادية السورية موقعين أثريين يحملان اسم «قصر الحير» ويعودان إلى تشييدات ملكية ترجع إلى العصر الأموي، وتحديداً عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع الموقع الأول، المعروف بقصر الحير الشرقي، شمال شرق تدمر ويتميز بأساساته الضخمة، بينما يقع الثاني في الجنوب الغربي لتدمر ويُعرف بقصر الحير الغربي الذي يشتهر بغنى حلله الزينية. وتُعد واجهته الخارجية أبرز معالمه، إذ نُقلت إلى دمشق ونُصبت عند مدخل المتحف الوطني في منتصف خمسينات القرن الماضي، لتغطيها تشكيلة متجانسة من الزخارف المصنوعة بتقنية الجص المنقوش التي تدمج بين الأشكال الهندسية التجريدية والمشاهد التصويرية المحورة، ومن ضمنها رسم استثنائي لحيوان كاسر يهجم على فريسته ويقضي عليها.
تشكل هذه الاكتشافات الأثرية في البادية السورية ومحيطها دليلاً مادياً بارزاً على تطور الفنون المعمارية والزخرفية خلال الدولة الأموية.
تحتلّ هذه الصورة زاوية من زوايا القسم الأعلى من واجهة القصر الأموي التي باتت واجهة لمدخل متحف دمشق الدولي، حيث تحلّ فوق منحوتة ناتئة ضاع جزء كبير منها، تُمثّل في الأصل رجلاً ممدّداً ومن خلفه امرأة جالسة، وفقاً لتأليف يُعرف باسم «الوليمة المأتمية». شاع هذا التأليف بشكل واسع في تدمر وفي نواح أخرى من أقاليم الشرق الأوسط، كما تشهد النماذج النحتيّة العديدة التي وصلتنا منه. في المقابل، تبدو صورة الوحش المنقض على فريسته فريدة من نوعها في ميدان الحلل المنحوتة بالجص، ولا نجد ما يشابهها في ميراث نقوش القصور الأموية المتعددة الأشكال والأنواع. وصلت هذه القطعة بشكل غير كامل، إذ ضاع النصف الأعلى من قامة الفريسة، والجزء الأسفل من ساق الوحش الخلفية، وبقيت منها كتلة من الحجم المتوسّط، يبلغ طولها 55 سنتيمتراً، وعرضها 85 سنتيمتراً.
يسيطر الحيوان المفترس على القسم العلوي من الكتلة المنحوتة وينتمي يقيناً إلى فصيلة السنوريات وتحديداً جنس النمور، رغم صعوبة تحديد نوعه بدقة متناهية. للوهلة الأولى، يشابه هذا الوحش الأسد لولا غياب البدلة المميزة له، مما يرجح أن يكون لبؤة أو فهد أو نمراً مرقطاً، وهي حيوانات توطنت قديماً في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وعُرفت بهذه التسميات. تظهر قامة الحيوان برشاقة بالغة تتجلى في مفاصل الظهر والبطن والقائمة الخلفية، بينما تبدو تفاصيل الوجه واضحة المعالم وتتمثل في عينين دائريتين تتوسطهما بؤبؤات على هيئة خاتم يلتف حول ثقب غائر، إلى جانب أنف عريض وبارز بفتحتين متوازيتين، وأذن يسرى هلالية الشكل منمنمة، وشدق مفتوح بحركة حية تكشف عن أنيابه المغروسة في ظهر الطريدة.
بقي من هذه الفريسة النصف الأسفل فحسب، وقوامها ظهر أملس تعلوه ثلاثة مثلثات تمثل على الأرجح مخالب الوحش، وبطن ممتلئ ينسل من خلفه ذيل لولبي، وساق مقوّسة تنوء تحت ثقل الوحش الفاتك. تبدو هذه الساق صغيرة قياساً إلى كتلة البدن، ويوحي حجمها الصغير بأنها تعود إلى ثور، لا إلى غزال أو ظبي. في الخلاصة، يمثّل هذا المجسّم المنقوش فهداً ينقض على ثور كما يبدو، في تأليف دخل الفنون الإسلامية، وشواهده عديدة في عالم الزجاجيات والخزفيات والصناعات المعدنيّة، غير أن حضوره في عالم النقش الجصّي يظلّ نادراً، وتُعتبر قطعة قصر الحير الغربي أبرز شواهده في هذا الميدان. يرى البحاثة أن هذا التأليف يرمز إلى السلطة الملكيّة المتمثّلة بالخلافة، ويوحي موقع هذا القطعة في قمّة واجهة القصر بأنّها ترتبط بهذه الرمزيّة.
خرجت هذه القطعة من الظلمة إلى النور خلال أعمال التنقيب التي كشفت عن هذا الموقع في الثلاثينات. في تلك الحقبة، كشفت أعمال حملة تنقيب موازية عن قصر أموي آخر في قرية خربة المفجر في نواحي أريحا، وأسفرت عن ظهور فسيفساء تمثّل شجرة مثمرة يحيط بجذعها غزالان يرتعان من جهة، وأسد ينقض على غزال ثالث من الجهة الأخرى. وصلت هذه الفسيفساء بشكل كامل، وحافظت على كل مكوّناتها، وفيها ظهر الأسد المفترس في وضعية جانبية وهو ينقض بقائمتيه الأماميتين على ظهر طريدته، غارزاً أنياب شدقه المفتوح في القسم الأوسط من ظهرها. بدت هذه الفسيفساء فريدة من نوعها في الميدان الأموي على مدى عقود من الزمن، إلى أن ظهرت أرضية فسيفسائية أخرى تحمل تأليفاً مشابهاً في صورتين مختلفتين.
اكتشفت هذه الأرضية بطريق المصادفة خلال عام 2000 من طريق بعض الحفريات غير الشرعية في موقع القسطل، على بعد نحو 10 كيلومترات جنوب عمان في الأردن، وأظهرت أعمال المسح اللاحقة أنها تعود إلى قصر شُيّد في زمن الخليفة يزيد بن عبد الملك، واكتمل في زمن الوليد بن يزيد. فقد هذا القصر الجزء الأكبر من حلله، غير أن الأرضيات الفسيفسائية التي تزيّن غرفه الشمالية والجنوبية بقيت محفوظة بشكل نسبي، وهي من الأرضيات التي تشكّل مثالاً للمستوى الرفيع الذي بلغته هذه التقنية في الحقبة الأموية. تتألّف هذه الألواح من صرّة مركزية، تحيط بها أطر محفوفة بالسلاسل المجدولة. ويتشكّل مركز الوسط في كل إطار من سلسلتين مجدولتين متقاطعتين، تؤلفان عقداً ملتوياً ثمانيّ الشكل، يحوي في وسطه لوحة تصويرية. في الغرفة الشمالية، لوح تزين وسطه صورة أسد ينقضّ على ثور، غارساً مخالبه وأنيابه بعنق فريسته. وفي الغرفة الجنوبية، لوح تزيّن وسطه صورة نمر مرقّط ينقضّ على غزال في وضعية مشابهة.
تحاكي هاتان اللوحتان في جوهرهما نمطاً كلاسيكياً انتشر بكثافة خلال العصر الروماني وتعددت شواهده، ومن أبرز أمثلته لوحة فسيفسائية اكتشفت في القصر الكبير بمدينة القسطنطينية التي تحولت لاحقاً إلى إسطنبول، إلى جانب لوح آخر ضمن مقتنيات متحف حضرموت في تونس. ورغم اختلاف التفاصيل التصويرية والملامح والألوان باختلاف المواقع، يبقى التكوين الكلاسيكي المشترك ثابتاً ويتمحور حول حيوان مفترس يهاجم فريسته ويفتك بها.
تكتسب هذه النقوش واللوحات الأثرية أهمية بالغة لكونها توثق تداخل الفنون المحلية مع التأثيرات الكلاسيكية السابقة في العصر الأموي. كما تعكس هذه الاكتشافات مدى العناية التي أولاها الخلفاء الأمويون للقصور الصحراوية وجعلها مراكز للفخامة والفنون الرفيعة. ويبين حضور هذه التماثيل والفسيفساء في مواقع مثل قصر الحير الغربي وخربة المفجر والقسطل مدى ثراء التعبير البصري وتنوعه. وتظل هذه القطع المعروضة في المتاحف شاهدة على تاريخ معماري عريق يستقطب اهتمام الباحثين والمهتمين بالتراث الإنساني.
المصدر الأصلي: aawsat.com
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.