بشوت «مستعارة»
يكشف مقال تحليلي عن بروز فئة جديدة من محبي الأضواء الذين يستغلون فترة الاستقرار والهدوء لسرقة جهود المخلصين الكادحين، وتصدر المجالس بألقاب وهمية ومناصب شرفية خالية من أي إنجاز حقيقي.
في خضم الأزمات الحادة، حيث تظهر المعادن الحقيقية وتُباع المواقف وتُشترى، توجد نخبة نادرة تعمل بصمت وتقدم تضحيات جسيمة للحفاظ على تماسك المجتمع وأمنه، هاربين من الأضواء كما يهربون من الوباء، ويبذلون جهدهم ووقتهم دون مقابل. ولكن ما إن تخمد الأزمات وتنجلي الغمة ويعود الهدوء إلى المجالس، حتى تبدأ مسرحية اجتماعية غريبة ومربكة، حيث يغادر الأبطال الحقيقيون المسرح بوقارهم المعهود، ويقتحمها بضجيج أولئك الذين أتقنوا فن الانتظار خلف الستائر والصيد في المياه الراكدة.
في المجتمعات التي تشهد أزمات متكررة، تبرز عادة فئتان: من يعمل بصمت في الخلف، ومن يظهر فجأة ليحصد التقدير دون جهد.
هؤلاء هم «قنَّاصُو الفرص» وأدعياء المكانة الذين يملكُون حاسَّة سادسة فريدة، لا للتضحية، بل لمعرفة التوقيت الدقيق للظهور العلنيِّ. يخرجُون من مخابئهم فجأةً في اللَّحظة التي يجفُّ فيها عرق الكادحين وتنتهي فصول الشَّقاء، ليتصدَّرُوا المشهد العام ويقطفُوا ثمارًا ناضجةً لم يغرسُوا في أرضها شتلةً واحدةً. إنَّنا أمام ظاهرة متسارعة لـ»تجار الألقاب الوهميَّة»، شريحة من البشر تبحث بلهاث مستميت عن رفعة اجتماعيَّة، ومسمَّيات رنَّانة، ومناصب شرفيَّة تفوق بكثير حجم أفعالهم وتاريخهم الحقيقي. يستغل هؤلاء مناخ الرَّخاء والسلم لتقديم أنفسهم كأوصياء شرعيِّين ورموز طارئة، يتسابقُون بشغفٍ مرضي على صدارة المجالس، وينسبُون بطولات الإصلاح والتنمية المُضنية إلى ذواتهم الفارغة.
المفارقة النفسيَّة والسلوكيَّة الفاضحة لهؤلاء الباحثين عن الوجاهة المصطنعة، تكمنُ في ذلك الانفصام الحاد بين القناع والوجه الحقيقي، فلو فتَّشت بدقَّة في سجلاتهم التاريخيَّة، لن تجد لهم موقفًا واحدًا يُذكر في حل نزاع قبليٍّ، أو عائليٍّ، أو مجتمعيِّ مستعصٍ، ولن تسجل لهم الذاكرة الجمعيَّة «فزعة» صادقةً واحدةً في لحظةٍ عسرةٍ، وضيقٍ ماليٍّ، أو معنويٍّ. حضورهم كله يختصر في «بشت فاخر» يُرتدى في المناسبات الكُبرى، ورسميَّات جوفاء، وتزلُّف ممجوج يعتمد على استعراض المظاهر الخدَّاعة، والنَّفخ في السَّراب، والتقاط الصُّور في الصُّفوف الأولى. وفي المقابل، ينكفئ الكبار الحقيقيُّون والرجال الصادقُون إلى عزلتهم ترفُّعًا عن مجاراة هذا الصَّخب الزَّائف، تاركين السَّاحة لرموز مصنوعة من ورق هش.
المأساة الحقيقية لا تقتصر على سرقة الأضواء والمنابر، بل تتعداها إلى السموم التي تنشرها هذه الظاهرة في وعي الأجيال الجديدة. عندما يرى الشباب أن هؤلاء الانتهازيين يتصدرون سجلات الثناء والوجاهة دون عناء، ينمو في عقولهم مفهوم مشوه بأن المكانة تنال بالمتاجرة بجهود الآخرين والتسويق الإعلامي واستعراض المظاهر، لا بالبذل والتضحية والثبات. ولكن رغم هذا الصخب، يبقى هذا الحضور واهناً كبيت العنكبوت، فالأيام لا تظلم أحداً وتغربل الوجوه. المواقف الصعبة لا تقبل التزوير، والناس بفطرتهم يميزون بين الأصيل والمدعي، فتسقط الأقنعة المستعارة عند أول اختبار حقيقي، وتبقى أسماء المخلصين محفورة في الوجدان.
هذه الظاهرة ليست جديدة لكنها تتفاقم مع سهولة الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ حيث يمكن لأي شخص بناء صورة براقة دون أساس. الأهم أن المجتمع يدرك تدريجياً هذه الحيل، وتتكون مناعة ضد ادعاءات الانتهازيين. في النهاية، التاريخ لا يسجل سوى الأفعال الحقيقية، وسيسقط الأقنعة مع الوقت. على الشباب أن يستلهموا من الذين يعملون بصمت، لا من الذين يظهرون بعد الحصاد.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.