السياسة والرياضة ( وجهان لعملة واحدة ) - أ.د.عثمان بن صالح العامر
لم تعد كرة القدم مقتصرة على سباق تسعين دقيقة بين اثنين وعشرين لاعبًا على العشب الأخضر، بل تحولت إلى إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة عالميًا. فبطولات مثل كأس العالم صارت مسرحًا تلتقي فيه الرياضة بالسياسة، حيث يحضر الرؤساء والملوك كما يحضر النجوم، وتتحول أجواء البطولة بأكملها إلى رسالة سياسية واضحة.
وتُظهر كأس العالم الأخيرة كيف توظف الدول هذا الحدث العالمي لتعزيز صورتها ونفوذها على الساحة الدولية.
في مونديال 2026 الذي اختتم الأحد الماضي، بدا هذا التداخل أكثر وضوحًا من السابق. فقد حضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة الحدث، وأصبح حضوره جزءًا من النقاش الإعلامي والسياسي، فيما أثارت علاقته بقيادة الفيفا جدلًا واسعًا حول حدود المزج بين السياسة والرياضة، خاصة بعد الجدل حول إيقاف اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون.
وفي الجانب الإسباني، لم يكن حضور الملك (فيليب السادس) مجرد بروتوكول ملكي، بل كان رسالة دعم لمنتخب يمثل هوية الأمة بأكملها. وعندما يقف الملك إلى جانب النجم الشاب (لامين يامال) فإن الصورة تتجاوز حدود الاحتفال الرياضي لتصبح إعلانًا عن قدرة الرياضة على صناعة رموز وطنية جديدة تلتف حولها الجماهير.
وفي الأرجنتين، اعتاد الرؤساء استثمار الشعبية الجارفة لكرة القدم بوصفها عنصرًا من عناصر الهوية الوطنية. فصور السياسيين مع اللاعبين أو بالكرات ليست مجرد لقطات عفوية، وإنما رسائل مدروسة تخاطب وجدان الشعوب؛ إذ إن الكرة هناك ليست رياضة فقط، بل جزء من التاريخ الوطني والذاكرة الجمعية.
والشيء بالشيء يذكر فقد شهدت الساحة الدبلوماسية من قبل سجالاً حاداً بين أسبانيا والعدو الإسرائيلي حيث انتقد وزير الدفاع الإسرائيلي (يسرائيل كاتس) اللاعب (لامين يامال) بشدة بسبب رفعه العلم الفلسطيني خلال احتفالات نادي برشلونة، مطالباً إدارة النادي بالتنصل منه. وفي المقابل، دافع رئيس الوزراء الإسباني (بيدرو سانشيز) عن يامال، معتبراً أن رفعه للعلم يعبر عن مشاعر التضامن مع فلسطين التي يشعر بها ملايين الإسبان.
وفي الأيام القليلة الماضية يضرب رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) كرة قدم برأسه أثناء استقباله السفير الأرجنتيني لدى إسرائيل (شمعون أكسل واهنيش) ليؤكد وقوف العدوّ الإسرائيلي في صف المنتخب الأرجنتيني !؟.
لقد جاءت الصور الرمزية التي يظهر فيها بعض القادة وهم يتعاملون مع كرة القدم بوصفها لغة مشتركة مع المواطنين، حتى وإن كانت في هيئة لقطة طريفة أو استقبال يحمل دلالات شعبية معبرة وبقوة عن التداخل الحقيقي بين القطبين ( السياسي ) من جهة و (الرياضي) على الطرف الآخر.
يدرك السياسي أن الجماهير قد تختلف حول البرامج الاقتصادية أو الموقف الحزبي، لكنها غالبًا ما تتحد حول المنتخبات الوطنية. لذلك صارت كرة القدم وسيلة فعالة لتحسين صورة الدولة، وتخفيف الاحتقان، وإظهار التلاحم الوطني، وأحيانًا لتوجيه رسائل دبلوماسية لا تستطيع الخطب الرسمية إيصالها بنفس الفاعلية.
غير أن هذا التداخل يفرض مسؤولية كبيرة؛ فالرياضة تفقد شيئًا من روحها إذا تحولت إلى أداة للصراع السياسي، كما أن السياسة تخسر كثيرًا إذا استغلت المشاعر الرياضية استغلالًا مباشرًا. ولهذا تؤكد المواثيق الرياضية الدولية على مبدأ استقلالية الرياضة، وإن كان الواقع يثبت أن الفصل الكامل بينهما يكاد يكون مستحيلًا.
لقد أثبتت كأس العالم أن الكرة لم تعد مجرد لعبة تُركل بالأقدام، وإنما لغة عالمية تتحدث بها الدول، ووسيلة تعكس النفوذ والهوية والانتماء.
فحين يظهر ملك إلى جوار لاعب، أو رئيس في منصة التتويج، أو زعيم يحتفي بكرة قدم كما يحتفي بشعار وطنه، فإن الرسالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى فضاء أوسع، عنوانه أن السياسة والرياضة، مهما حاولتا الابتعاد، تظلان وجهين من وجوه التأثير في الرأي العام وصناعة الصورة الذهنية للدول، دمتم بخير وإلى لقاء والسلام .
لقد أكدت كأس العالم أن كرة القدم تجاوزت كونها مجرد لعبة، لتصبح أداة دبلوماسية تعكس نفوذ الدول وهويتها. ومع ذلك، يظل التحدي قائمًا في تحقيق توازن بين استقلالية الرياضة وحتمية تداخلها مع السياسة، خاصة في ظل استمرار استخدامها كوسيلة للتأثير والإعلان عن المواقف.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.