نردد كثيرًا مقولات شائعة كـ«من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل» و«التاريخ يعيد نفسه» دون أن نعي معناها الحقيقي. لكن التاريخ في جوهره هو توثيق للزمن، وإذا بذلت جهدًا ستجني ثماره، وإذا سلكت الطريق القويم ستبلغ غايتك، أما الطريق الخاطئ فلن يوصلك. فالتاريخ لا يُعيد نفسه، بل كل حدث فريد بتفاصيله من أشخاص وظروف ومكان وزمان.

المقال يناقش فكرة تكرار التاريخ من منظور نقدي، مؤكدًا أن كل حدث فريد بظروفه وأطرافه.

القائلون بتكرار التاريخ أو بضرورة الماضي للمستقبل يمارسون دفاعًا عن الذات أو هجومًا على الآخرين، إما جلدًا للذات أو انتقاصًا للغير. فريق ينتظر إعادة التاريخ، وفريق آخر يصنع تاريخه بنفسه بتشكيل مزيج خاص يحدد مسار يومه وغده.

3 - الذين يقولون إن التاريخ يعيد نفسه يروجون لحقيقة يرونها وهي أنه لا يمكن فهم الحاضر دون فهم الماضي وحل ألغازه، وأنه لا يمكن استشراف المستقبل دون فهم الحاضر على ضوء فهمنا لما حدث في الماضي.. لا شك أن الحاضر نتيجة لما عملناه في الماضي، لكن ما سوف نحصل عليه في المستقبل فسيكون حتماً نتيجة لما سوف نعمله في حاضرنا، وليس لما تم عمله في الماضي على أساس إعادة التاريخ نفسه.. فالتاريخ قد تتكرر بعض ملامحه القديمة لكنه حتماً لن يعيد نفسه.

فهل يُعيد التاريخ نفسه؟ أعتقد لا، فالتاريخ يُكتب من جديد كل يوم، فالزمان والمكان والإنسان والظروف كلها متغيرة، فلا شيء يتطابق، وإلا لتوقفت الحياة عند فصل واحد، وهذا ما ينفيه واقعنا اليوم.

5 - إذا أعاد التاريخ كتابة نفسه فهو حتماً بفعل فاعل، وبذلك يكون تاريخاً مُعَدَّلاً مُزَيَّفاً كاذباً.. والكذب في التاريخ بتعديله أو تزييفه يحوله إلى قصة أو حكاية لكنه لا يعود تاريخاً.. وكما لا يمكن الكذب على التاريخ وإلا تحول إلى قصة فإنه لا يمكن صناعة التاريخ إلا أن يتحول إلى مسرحية.. الكل يمثّل فيها تحت تهديد فوهة السلاح أو دافع المصالح أو عمى التخلف.

6 - أما مقولة: من ليس له ماضٍ فليس له مستقبل، فهذا ادعاء باطل يتخذه الذين يدافعون عن مصالحهم، ويصدقها الفاشلون كمبرر للبقاء مع الفاشلين.. فالحراك الاجتماعي يواجه عدة معضلات في توجهاته؛ منها القمع العنيف الذي يوقف كل حركة بل يوقف التفكير، أو توجيه المجتمع إلى أن يختار لحظة تاريخية ذات خصائص مذهبية أو قومية فيجعلها «لحظة أبدية» غير قابلة للمراجعة أو التجاوز.. وعندها يرتكب قادة المجتمع ونخبه خطيئة قول إن من ليس له ماضٍ فليس له حاضر ولا مستقبل.

7 - تشابه الأحداث لا يعني أن التاريخ أعاد نفسه، فالإنسان هو الإنسان في أهوائه ورغباته وبحثه عن مصالحه.. الإنسان هو الذي يعيد تكرار أخطائه وانسياقه خلف مصالحه وأهوائه.. وبذلك فالإنسان هو الذي يعيد نفسه وليس التاريخ.. فالتشابه إنما يكون في المشاكل التي تنشأ بين بني البشر بسبب ذواتهم.. والاختلاف يكمن في طريقة التعامل مع المشكلة والظروف المحيطة بأصحاب المشكلة.. فإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج.. هذا كل ما هنالك.

8 - نعم الأرض تدور، لكن التاريخ لا يعيد نفسه.

في النهاية، يخلص الكاتب إلى أن تشابه الأحداث لا يعني إعادة التاريخ نفسه، بل هو تكرار للخطأ البشري الناتج عن الأهواء والمصالح. فالإنسان هو من يعيد نفسه، وليس التاريخ. لذا، فإن استشراف المستقبل يتطلب فهم الحاضر والعمل عليه، لا مجرد استنساخ الماضي.