عبدالرحمن الطريري

جراح الخرائط الإيرانية

نُشر المقال في 21 يوليو 2026 الساعة 23:58، وتم تحديثه آخر مرة في نفس التاريخ والتوقيت.

تتناول هذه المادة التحليلية الخرائط الإيرانية كمرآة للتاريخ والطموحات الجيوسياسية، مستعرضة التحولات الحدودية التي شهدتها البلاد.

تابع قناة عكاظ على الواتساب

تعلمنا الصحافة أن الصورة قد تفوق الكلمات في التأثير، فربطة عنق الزعيم مثل السادات في زيارته لإسرائيل تحمل رمزية خاصة، كما أن ألوانها تعبر عن انتماءات حزبية وفكرية، سواء في الشرق كما يظهر في لبنان أو في الغرب حتى الولايات المتحدة وكندا، وكذلك الخلفيات المستخدمة في الصور والزيارات.

وفي زمن الاجتماعات الافتراضية يظهر الضيوف على القنوات ليحاول كل منهم أن يبعث رسالة عبر الكتاب الذي خلفه، أو اللوحة أو الصورة، والبعض من غرفة منزل عادية لتكون اللا رسالة هي رسالته، وكأنه يقول لك ركّز على ما أقول، أما المتحدثون والمحللون من إيران، وبعضهم ضباط حرس ثوري في رداء أكاديميين ومحللين، فيحرصون على خلفية مشتركة.

هذه الخلفية في أغلب الأحوال هي خريطة، تظهر إيران وموقعها المركزي، باعتبارها دولة لديها حدود مع سبع دول وتمثل بواباتها المتعدية لآسيا والصين وروسيا عبر بحر قزوين شمالاً، وخليج تسميه فارسي كمحاولة الهيمنة على الجغرافيا أكثر منه محاولة وصف الجغرافيا بسواحل تمتد إلى 1800 كم وصولاً إلى مضيق هرمز جنوباً، كمنطقة يمكنها من خلالها خنق حرق التجارة البحرية، وإتعاب الخصوم حتى لو كانت أضعف منهم مستفيدة من الطبيعة الجبلية شرق المضيق.

يمكن النظر إلى الجغرافيا في الوعي الإيراني من عدة زوايا، أولها عند تأسيس الدولة الصفوية عام 1501 على يد الشاه إسماعيل الأول، حيث نشأ الإطار الجامع للهوية الفارسية بإعلان المذهب الشيعي الإثني عشري ديناً رسمياً. ورغم أن اسم إيران أقدم من الصفويين، إلا أنهم حققوا الجغرافيا كوحدة سياسية متصلة، أوسع من حدود إيران الحالية، والأهم أنها كانت تسيطر على العراق بمرجعية النجف، مما شكل إطاراً شيعياً جامعاً مقابل الخصم العثماني.

ولكن الخريطة ما أضحت أن صارت ندبة وجرحاً في الذاكرة، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث جُرّدت إيران نهائياً من أراضي جنوب القوقاز بعد معاهدة غولستان في 1813 وتخلت على إثرها عن جورجيا وداغستان وأذربيجان، وبعد خمسة عشر عاماً أتى إذلال آخر لإيران عبر اتفاقية تركمنشاي والتي أدت إلى انتزاع أرمينيا من خريطتها.

وفي النصف الثاني من القرن حدث ما سمي باللعبة الكبرى، أو قضم قطع من إيران لتكون على مائدة الصراع البريطاني الروسي، فوقعت اتفاقية هرات 1857 منهية صراع بريطانيا بالدولة القاجارية (والتي حكمت إيران حتى 1925)، وأدّت إلى تخلي إيران عن هرات وأفغانستان، لتمثل أفغانستان (buffer state) دولة عازلة بين الهند البريطانية وروسيا القيصرية، وتلاها بعد سنوات معاهدة آخال في 1881 وبالتالي خسرت إيران جزءاً جديداً من جغرافيتها وهو تركمانستان اليوم لصالح روسيا.

هذه الخلفية التاريخية لإمبراطورية سعت تاريخياً للتوسع، أتى فكر الخميني ليشعل الحنين للتوسع مجدّداً عبر تصدير الثورة، ثم أتى الصراع مع صدام حسين فتعلم منه الإيرانيون درسين؛ الأول أن توزع صواريخك ومنصات الإطلاق وتكثر من الأهداف الوهمية، وترفع كفاءة استخدام كهوف الجبال، وتعدد المداخل إلى المخازن والكهوف ما استطعت لذلك سبيلاً، حتى لا تكون لقمة سائغة كما كان جيش صدام في 91.

أما الأمر الآخر الذي تعلمه نظام الحرس الثوري من صدام، هو أهمية رسم خارطة جغرافيا الطوق، والتي تمثل السوار الحامي للمعصم، حتى لا تكون المعركة في إيران مجدّداً، فخلق محور المقامرة، مع دأب على استغلال كافة الفرص السانحة كالربيع العربي، والتي تحوّل من خلاله خطاب طهران إلى خطاب إسلامي يرتقي عن الحديث الطائفي، ثم ارتفع الخطاب بارتفاع الطموح فصوّر نفسه حامياً للأقليات غير المسلمة في الشرق.

لكن كل ما حدث من السابع من أكتوبر 2023 وصولاً لحرب الاثني عشر يوماً، غيّر كثيراً في ذهنية النظام الإيراني، وبدأ يصنع إستراتيجية وحدة ضربات لا وحدة جبهات، وذلك بعد رحيل السنوار ونصر الله وبشار الأسد.

وفي هذا السياق نفهم مباهاة عباس عراقجي في مقابلته الأولى للإعلام المحلي الإيراني، حين افتخر بأن المنطقة صدمت باستهدافها من إيران، وأنه لن يُصدر أحد نفطاً ما دمنا لم نصدر وهذا ما يمكن أن نسميه «جغرافيا الأذى»، والتي لا تستهدف على سبيل المثال قاعدة إنجرليك الأمريكية في تركيا، ولا تستهدف بطبيعة الحال الأهداف الأمريكية والإسرائيلية المباشرة التي قد تمحق الأذى بالجغرافيا الإيرانية.

ونرى جغرافيا العبث تمتد بتصدير الأسلحة للحوثي في طائرات مدنية لحثه على إغلاق باب المندب، مما يعني تمدد دائرة الأذى لمصر التي تعتبر قناة السويس من أهم مداخيل الخزينة التي شهدت نمواً في الأشهر الأخيرة.

لكن ما يرفع الأرقام سريعاً على جهاز قياس نبض النظام، هو الخوف من إنزال بري أمريكي يقضم بندر عباس من الخريطة الإيرانية، أو بعض الجزر الأخرى المستخدمة في حصار هرمز، كيف لا وهو يرى حتى الأوروبيين وصلوا لقناعة لا تمانع التخلي عن بعض جغرافيا أوكرانيا لإيقاف المعركة مع بوتين.

لقد شكلت الهزائم الحدودية في القرن التاسع عشر جرحاً في الذاكرة الإيرانية، ما يفسر حرص النظام الحالي على توسيع نفوذه إقليمياً. ويستمر الحرس الثوري في استثمار هذه الرواية التاريخية لتبرير سياساته التوسعية، مستغلاً الفراغات الإقليمية لتعزيز محور المقاومة. وتظل الخرائط الإيرانية شاهدة على صراع الهوية بين التوسع والانكماش.