الروابط السعودية الإماراتية ترتكز على رؤية استراتيجية أعمق من الظروف الطارئة
تستند الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي إلى قواعد راسخة من الثقة والتاريخ المشترك، متجاوزةً التفسيرات العابرة والحسابات الظلية.
ما بين الرياض وأبوظبي.. حين تتقدّم الأخوّة على الضجيج
24 يوليو 2026 - 00:00 | آخر تحديث 24 يوليو 2026 - 00:00
تعكس الشراكة الخليجية المشتركة نموذجاً متقدماً في التنسيق السياسي والاقتصادي والتنموي لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة.
لا تُقاس العلاقات بين الدول بمواقف عابرة، ولا تُختزل في قراءة متعجلة لحدثٍ واحد. فالعلاقات التي تبنيها المصالح وحدها قد تتأثر بتبدل المواقف، أما العلاقات التي يصنعها التاريخ، وتوثقها الثقة، وتحميها القيادة، فهي أكبر من أن تُفسَّر بمشهد عابر أو يُحكم عليها بلحظة مؤقتة. وهذا ما ينطبق على العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ علاقة لم تُبنَ يوماً على ظرف سياسي طارئ، بل على إدراك راسخ بأن أمن الخليج واستقراره وازدهاره مسؤولية مشتركة، وأن ما يجمع البلدين أعمق من أن تختزله لحظة، وأرسخ من أن تنال منه قراءة متعجلة. فالعلاقات التي تُبنى على الثقة لا تُختبر في الأيام الهادئة، وإنما في قدرتها على تجاوز المنعطفات دون أن تفقد اتجاهها، وهذا ما يميز العلاقات التي تصنعها الرؤية بعيدة المدى، لا الحسابات العابرة.
ولذلك، لم تنظر المملكة يوماً إلى الخليج باعتباره مجرد جوار جغرافي، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لأمنها ومستقبلها. وهذه ليست قراءة تُستنتج من الأحداث، بل فلسفة أثبتتها الممارسة قبل أن تعبر عنها الكلمات. ولعل من أبلغ ما عبّر عنها ما قاله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عندما استشهد بتجربة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مؤكداً أنها رفعت سقف الطموح في المنطقة، وأن نجاح دبي حفّز بقية العواصم الخليجية على المضي في مسارات أكثر طموحاً، وصولًا إلى رؤيته بأن الشرق الأوسط يمكن أن يصبح «أوروبا الجديدة». والأهم من هذه الكلمات أنها تكشف فلسفةً في القيادة لا ترى نجاح الشقيق منافساً، بل رصيداً، ولا تنظر إلى نهضة الخليج بوصفها سباقات منفصلة، بل مشروعاً حضارياً مشتركاً تتعاظم فيه قوة الجميع بنجاح الجميع. ومن هنا، لم يكن الحديث عن نجاح دبي أو أبوظبي أو غيرهما حديثاً عن إنجازات متفرقة، بل عن حلقات في مشروع خليجي أوسع، يقوم على قناعة بأن ازدهار المنطقة لا يتجزأ، وأن نجاح إحدى دولها يضيف إلى قوة الجميع.
كما أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم تكن يوماً رهينة تطابق المواقف في كل توجهاتها، ولا أسيرة لحسابات اللحظة، وإنما قامت على ثقة تراكمت عبر العقود، وشراكة أثبتت حضورها في ملفات الأمن، والاقتصاد، والتنمية، والاستثمار، والعمل الخليجي والعربي المشترك. ولهذا جاءت الصورة التي جمعت وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز بأخيه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، لتجسّد هذه الحقيقة بهدوء. وكان أبلغ ما في تلك الصورة أنها لم تدخل في سجال، بل تركت للوقائع أن تنطق بما تعجز عنه التأويلات؛ فالعلاقات الراسخة لا تحتاج في كل مرة إلى ما يثبتها؛ لأن رصيدها الحقيقي يُبنى بالمواقف، ويُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال عنها. ولعلها لذلك بدت أبلغ من كثير من التعليقات؛ لأنها لم تحمل خطابًا بقدر ما عكست حالة من الثقة والاطمئنان، تاركةً للواقع أن يقدم البرهان الأصدق.
وفي المقابل، وفي هكذا لحظات مفصلية، تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة؛ ليس في صناعة العلاقات، وإنما في نقلها بميزان من الدقة والإنصاف، بعيداً عن القراءات المتعجلة أو الروايات التي تختزل علاقات تاريخية في أحداث عابرة. فالإعلام الرصين يقرأ الوقائع في سياقها، ولا يسمح للضجيج أن يحجب الحقائق؛ لأن الخبر حين يُفصل عن سياقه يصبح عرضة للتأويل، أما حين يُقرأ في إطار مسيرة طويلة، فإنه يكشف أن الثابت أكبر من المتغير، وأن العابر لا يستطيع أن يطغى على الراسخ.
فقد أثبتت التجربة أن العلاقة السعودية الإماراتية لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على رؤية بعيدة المدى ترى أن استقرار الخليج أساس لاستقرار المنطقة، وأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بالتكامل، وأن نجاح أي دولة خليجية ينعكس أثره على بقية دول المجلس اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. ولهذا بقيت هذه العلاقة أكثر رسوخاً من أن تهزها التأويلات؛ لأنها تأسست على الثقة قبل المصالح، وعلى الأخوة قبل الحسابات. كما أن قوتها لم تكن يوماً في غياب التحديات، بل في امتلاكها من الرصيد السياسي والإنساني ما يجعلها قادرة على تجاوزها دون أن تمس جوهرها أو تغير اتجاهها.
ولهذا، ظل ما بين الرياض وأبوظبي شاهداً على أن العلاقات الكبرى لا تُبنى على ظرف سياسي، ولا تقوم على مصلحة عابرة، بل تنمو برؤية، وترسخها الثقة، وتحميها المواقف. وإذا كانت الأحداث تصنع عناوين الأيام، فإن الرؤى هي التي تصنع تاريخ الأمم. فالعلاقات التي تؤسسها الأخوة، وتثبتها المواقف، لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ لأنها ببساطة تعرف كيف تتحدث عن نفسها.
تؤكد هذه المسيرة المتينة أن التحالف الاستراتيجي بين الرياض وأبوظبي يمثل ركيزة أساسية لأمن واستقرار المنطقة بأكملها. وتثبت التجربة التاريخية للبلدين قدرتهما المستمرة على التعاطي مع مختلف الملفات برؤية واعية وموحدة تعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك. وفي ظل المتغيرات العالمية الراهنة، تكتسب هذه الشراكة أهمية مضاعفة لدفع عجلة الازدهار والتنمية المستدامة. وستظل المواقف الثابتة والقيادة الرشيدة في الدولتين الضمانة الأهم لحماية هذه الروابط من أي تأويلات عابرة.
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.