الابتعاث الخارجي.. بوابة للاستثمار المعرفي
الابتعاث الخارجي.. بوابة للاستثمار المعرفي
24 يوليو 2026 - 00:00 | آخر تحديث 24 يوليو 2026 - 00:00
يُعدّ الابتعاث الخارجي واحداً من أهم استثمارات المملكة طويلة الأمد، وأداة استراتيجية لبناء رأس مال معرفي وطني، ونقل الخبرات من الجامعات والمعامل البحثية العالمية. وعلى مدى عقود، أثبت المبتعثون السعوديون كفاءتهم في بيئات أكاديمية وبحثية عالية التنافسية، وحصدوا مواقع متقدمة في مؤسسات دولية مرموقة.
غير أن الأثر التراكمي لهذا الاستثمار الضخم يظل - في بعض جوانبه - أقل مما تسمح به الطاقة الكامنة في هذه الثروة الوطنية. والسبب في الغالب لا يعود إلى المبتعث، بل إلى منظومة لا تزال تتعامل معه في مراحل متعددة كملف إداري، لا كاستثمار معرفي قابل للتنمية والتعظيم. فالسؤال الأهم ليس إلى أين تم الابتعاث، ولا كم بلغ عدد المبتعثين، بل ما مقدار المعرفة، والشراكات، والقيمة المضافة، والأثر الوطني الذي حققه هذا الاستثمار.
ولا يمكن الحديث عن الابتعاث السعودي دون الإشارة إلى تجارب وطنية ناجحة، في مقدمتها برنامج خادم الحرمين للابتعاث الخارجي وامتداداته اللاحقة، التي أنتجت عشرات الآلاف من الكفاءات، وأسّست جيلاً من المتخصصين المرتبطين بسوق العمل مباشرةً. غير أن النجاح التوظيفي - على أهميته - يُمثّل جزءاً واحداً من العائد المرجوّ. فالاستفادة الكبرى من المبتعث لا تنتهي عند حصوله على وظيفة، بل تبدأ حين تُوظَّف معرفته وشراكاته وأبحاثه في بناء منظومة معرفية وطنية متكاملة. وهذه الاستفادة الأعمق ما زالت - في كثير من الحالات - محدودة، ويظهر ذلك بوضوح في الابتعاث الجامعي والأكاديمي الذي يُفترض فيه أن يكون الأثر البحثي والمؤسسي غايته الأولى.
فأين تتسرب قيمة الابتعاث؟ لعل ما لمسته من وقائع التجارب المختلفة يوضح التالي:
تبدأ الفجوة منذ لحظة اختيار الوجهة. إذ قد يقع عبء البحث والاختيار على المبتعث بشكل شبه كامل، دون دراسة مؤسسية دقيقة تربط الجامعة والمعمل والمشرف بالأولويات الوطنية والتخصصات ذات الحاجة الفعلية. والأصل أن تسبق قرار الابتعاث دراسة استراتيجية تحدد الوجهات المثلى وفق مخرجات الجامعة الأم واحتياجاتها، لا الاكتفاء بتحديد الجامعات الأعلى تصنيفاً. فالجامعة الأعلى تصنيفاً ليست بالضرورة الوجهة الأكثر فائدة لكل تخصص، والمختبر الأقوى عالمياً لا يضمن وحده أعلى عائد وطني. القيمة الحقيقية تبدأ حين تتطابق الوجهة مع الحاجة.
ثم تأتي مرحلة الابتعاث، حيث يبقى الإشراف الداخلي (إن وجد) في كثير من الحالات أقرب إلى المتابعة الإدارية منه إلى الشراكة الأكاديمية. والحال أن المبتعث بحاجة إلى مشرف محلي شريك لا مراقب ورقي؛ يتواصل مع المشرف الخارجي، ويتابع المسار البحثي، ويفتح للمبتعث أبواب الجامعة الأم ومشاريعها، ويضمن ألا تنقطع الصلة المؤسسية بمجرد مغادرة الطالب حدود المملكة. وهنا تظهر فرصة أخرى غير مستغلة بالقدر الكافي. فالمبتعث ليس طالباً منفرداً في جامعة أجنبية؛ بل هو حلقة وصل حية بين مؤسستين. وتوقيع اتفاقيات مؤسسية مع الجامعات التي يُبتعث إليها أبناؤنا يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة للتعاون البحثي والتبادل الأكاديمي، بل ومذكرات تفاهم غير مُلزمة مالياً، تعود بالنفع على الطرفين لسنوات طويلة.
ولعل من أكثر الفرص إهداراً أن يصل المبتعث إلى أفضل المعامل البحثية، ويعمل تحت إشراف نخبة العلماء، وينشر أبحاثاً ذات تصنيف عالٍ وأثر مستدام، دون وجود آلية مؤسسية تضمن الاستفادة الوطنية من هذه الإنتاجية أو تحويلها إلى شراكة مستمرة بين الجهة الباعثة والمؤسسات التي احتضنت المبتعث. بل في بعض الأحيان لا تُذكر الجهة الباعثة كمرجعية في المخرجات المنشورة. في حين تتسابق بعض القطاعات المحلية للاستفادة من هؤلاء العلماء ضمن مشاريع استقطابية أخرى مكلفة وباهظة الثمن.
أما بعد العودة، فتبدأ مرحلة لا تقل أهمية. يعود المبتعث محمّلاً بخبرات ومهارات وشبكات دولية، لكنه يحتاج إلى بيئة تمكّنه من استثمارها. فالمطلوب ليس مجرد إنهاء البعثة وعودة المبتعث إلى وظيفته، بل تفعيل شراكاته الدولية، وتوظيف مهاراته البحثية، وإتاحة المنابر التي ينقل من خلالها ما اكتسبه من معرفة وتجارب.
المبتعثون أدرى بمواطن الخلل وأقرب إلى تصور الحلول. والاستماع إليهم مؤسسياً يجعل من إعادة هندسة منظومة الابتعاث عملاً تشاركياً لا قراراً فوقياً. كما أن إنشاء منصة وطنية موحدة تربط المبتعثين بجامعاتهم، وتتيح للاحقين الاستفادة من تجارب من سبقهم، يمكن أن يحول الخبرات الفردية المتناثرة إلى أصل معرفي مؤسسي.
ولا يكتمل المشهد دون حضور أكبر للقطاع الخاص، بوصفه أحد المستفيدين الطبيعيين من الكفاءات الوطنية المدربة في الخارج. فإسهامه في تحديد التخصصات المستقبلية، والتمويل المشترك، واحتضان المبتعثين بعد عودتهم، لا يزال أقل من الإمكانات المتاحة. وزيادة التركيز في فتح باب الابتعاث المشترك بين الجامعات والقطاع الخاص في المجالات الاستراتيجية يحول المبتعث من كلفة على جهة واحدة إلى أصل مشترك تتوزع تكلفته وتتضاعف عوائده، وينشئ جسراً معرفياً دائماً بين التعليم والصناعة.
إعادة هندسة منظومة الابتعاث لا تعني بالضرورة زيادة أعداد المبتعثين أو توسيع قوائم الجامعات. بل قد تعني، في المقام الأول، تحسين ما يحدث قبل الابتعاث وأثناءه وبعد العودة. فالاستثمار الحقيقي لا يقاس بعدد من غادروا إلى جامعات عالمية، بل بما بقي من أثرهم في الجامعات السعودية، والبحث العلمي، وسوق العمل، والاقتصاد المعرفي.
الابتعاث الخارجي ثروةٌ استراتيجية، ولتعظيم الاستفادة منها ومن مخرجاتها، من المهم التفكّر - بشكل فعال وعاجل - من قِبَل مسؤولي منظومة الابتعاث في وزارة التعليم والجهات المعنية الجامعية في هذه الثروة، والانتقال من الاكتفاء بتحديد الجامعات التي يجب الابتعاث إليها (تارةً أفضل خمسين، وأخرى أفضل مئة) إلى هندسة منظومة متكاملة تقيس مدخلاته وأثر مخرجاته وما بينهما، على الوطن حاضراً ومستقبلاً.
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.