من المجسم إلى المعلم.. حكاية جدة بين التخطيط والفن والذاكرة والتاريخ
أقيم بحي جميل، جلسة حواريه بعنوان: "من المجسم إلى المعلم.. حكاية جدة" والتي نظمها مركز بوتقة للبحوث والدراسات العمرانية بالتعاون مع مبادرة مجسم وطن وشارك فيها كل من د. عبدالله بن ج...
في حي جميل، نظم مركز بوتقة للبحوث والدراسات العمرانية بالتعاون مع مبادرة مجسم وطن جلسة حوارية بعنوان "من المجسم إلى المعلم.. حكاية جدة"، شارك فيها د. عبدالله بن جنيدب، والفنان والنحات ربيع الأخرس، والكاتب والمستشار الإعلامي كمال عبدالقادر، وأدارها المعماري المهندس نواف النصار، في رحلة جمعت بين التخطيط والفن والذاكرة والتاريخ.
تأتي هذه الجلسة في إطار جهود متزايدة لتوثيق الذاكرة العمرانية والفنية لمدينة جدة، التي شهدت تحولات كبيرة عبر العقود الأخيرة.

قدّم د. عبدالله بن جنيدب رؤية هادئة وعميقة للمدينة من منظور المعماري والمخطط الحضري، متحدثاً عن نمو المدن وتطورها العفوي، وأهمية التخطيط في صياغة هوية المكان واستدامة شخصيته. استند إلى أمثلة من مشاريع عمرانية كبرى، مؤكداً أن نجاح المدن لا يقاس بحجم مشاريعها فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على روحها المميزة.
أما الفنان ربيع الأخرس، فاختار لغة مختلفة؛ لغة الصورة والذاكرة والمشاعر. الرجل الذي ساهمت أعماله في تشكيل المشهد البصري لجدة لم يعتبر المنحوتات مجرد أعمال فنية، بل رآها جزءاً من ذاكرة الناس اليومية. واستعاد قصص الميادين والمجسمات التي صاحبت تحولات المدينة، مختصراً علاقته بجدة بعبارة بسيطة وصادقة لاقت صدى واسعاً: "جدة بتنحب". وكانت تلك الجملة القصيرة أبلغ من تحليلات كثيرة، لأنها عبرت عن العلاقة العاطفية بين الإنسان والمدينة عندما تصبح جزءاً من حياته وذكرياته.

وفي المقابل، حمل كمال عبدالقادر الحضور إلى صفحات من تاريخ جدة الحديث، مستعيداً تجربته الطويلة مع معالي المهندس الدكتور محمد سعيد فارسي، أمين محافظة جدة الأسبق وصاحب المشروع الحضري الذي غيّر وجه المدينة. روى قصصاً عن مرحلة كانت ترى في الفن والجمال جزءاً أساسياً من التنمية، لا ترفاً يضاف إليها. وتحدث عن كيف تحولت جدة إلى متحف مفتوح يحتضن أعمالاً لفنانين من مختلف أنحاء العالم، لتصبح واحدة من أكثر المدن ارتباطاً بالفن العام في المنطقة. لكن أكثر ما منح الجلسة تميزها لم يكن تنوّع الموضوعات، بل تنوّع الزوايا التي نظر منها الضيوف إلى المدينة. فالمعماري قرأ المكان، والنحات استحضر الذاكرة البصرية، والإعلامي روى الحكاية. وبين هذه الزوايا الثلاث تشكلت صورة أكثر اكتمالاً لجدة. ورغم اختلاف وجهات النظر، إلا أن الجميع انتهى إلى النتيجة نفسها: "جدة لا يمكن اختصارها في رواية واحدة".. بل هي مدينة تشكلت من تداخل الثقافات، ومن حركة البحر، ومن قصص القادمين إليها، ومن الفنون التي سكنت شوارعها، ومن التنوّع الذي ظل جزءاً أصيلاً من شخصيتها عبر العقود. وربما كان هذا التنوّع تحديداً هو السر الذي منح جدة فرادتها، وجعلها مدينة قادرة على التجدد دون أن تفقد هويتها.
تعكس الجلسة تنوع الرؤى حول هوية جدة، حيث يتقاطع التخطيط العمراني مع الفن والذاكرة الشعبية. وتبرز أهمية الحوار بين المختصين لإبراز العمق التاريخي للمدينة. ويمكن القول إن استمرار مثل هذه النقاشات يسهم في تعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الطابع الفريد لجدة في ظل التطورات الحضرية المتسارعة.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.