الرباط/ الأناضول

تسجل تونس جهودا مضنية لاحتواء النيران وسط حرارة بلغت 49.6 درجة، بينما أحصى المغرب 310 حرائق منذ بداية 2026، وتعمل الجزائر على إطفاء 14 حريقا متفرقا في 12 ولاية.

تتزامن هذه التطورات المناخية الحادة مع تصاعد التحديات البيئية التي تواجهها دول حوض البحر الأبيض المتوسط نتيجة الارتفاع المستمر في معدلات درجات الحرارة العالمية.

الأتوبيسات والسيارات وكلفت النيران غابات ومزارع شاسعة، بالتزامن مع تحذيرات رسمية من تفاقم آثار الجفاف والرياح الساخنة.

- الخبير البيئي مصطفى بنرامل يدعو إلى تعزيز الإنذار المبكر والزراعة الذكية مناخيا وتسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة

تشهد دول بمنطقة المغرب العربي، ولاسيما المغرب والجزائر وتونس، موجة حر شديدة ساهمت في اندلاع وانتشار حرائق التهمت مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية، وخلفت أضرارا بيئية وزراعية.

وعلى الصعيد الجزائري، تبذل طواقم الحماية المدنية جهودا للسيطرة على 14 بؤرة حريق تغطي الغطاء النباتي في 12 ولاية، عقب إخماد 89 حريقا بفضل الدعم الجوي والبري.

وأخمدت فرق الحماية في تونس، الأربعاء، حريقا استمر أكثر من 16 ساعة، وتراقب ميدانيا الموقع لمنع تجدد النيران، في ظل موجة الحر وهبوب الرياح.

أما في المملكة المغربية، فأفادت البيانات الرسمية بأن حصيلة الحرائق الحرجية منذ بداية العام وحتى 20 يوليو/ تموز وصلت إلى 310 حرائق، أتت على مساحة إجمالية قدرها 1850 هكتارا.

ودعا خبير بيئي، في حديث للأناضول، الدول المتضررة إلى تنفيذ حزمة تدابير عاجلة، منها تعزيز الإنذار المبكر والزراعة الذكية مناخيا وتسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة.

** حرارة وجفاف

منذ أسابيع، تشهد الدول المغاربية موجة حر شديدة دفعت سلطاتها لتوجيه دعوات متكررة إلى المواطنين لتوخي الحذر.

وحذرت السلطات من أن درجات الحرارة القياسية والجفاف والرياح الحارة تشكل ظروفا مواتية لاندلاع حرائق سريعة الانتشار.

وتوقع الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل، في حديث للأناضول، تزايد موجات الجفاف الطويلة في الدول المغاربية وشمال إفريقيا، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية.

وأضاف أن ذلك سيؤثر سلبا وبشكل مباشر على الزراعة ويهدد الأمن الغذائي.

وتابع أن بعض المناطق ستشهد، في المقابل، أمطارا غزيرة تتسبب في سيول على المستوى المغاربي، نتيجة اضطراب الدورة الجوية في حوض البحر المتوسط.

"كما يرتقب ارتفاع مخاطر حرائق الغابات بفعل الحرارة الشديدة وانخفاض الرطوبة"، بحسب بنرامل.

** إجراءات بديلة

واعتبر الخبير المغربي أن التقلبات المناخية أصبحت أقل قابلية للتوقع وأكثر عنفا.

ورأى أن ذلك يفرض ضرورة الاستثمار في منظومات الإنذار المبكر، واعتماد سياسات ملائمة لهذه التقلبات، لأن المنطقة من أكثر بقاع العالم هشاشة أمام التغير المناخي.

ودعا بنرامل إلى تطوير محطات الرصد الجوي، وتوسيع استخدام النماذج المناخية التي تسمح بالتوقع السريع لحرائق الغابات والفيضانات.

كما أبرز ضرورة الاستثمار في البنى التحتية المقاومة للمناخ، مثل السدود التلية وحماية الأنهار، فضلا عن تعزيز قدرة المدن على تحمل الظواهر المناخية.

ودعا كذلك إلى اعتماد إجراءات بديلة للحد من تداعيات التقلبات المناخية، التي تسبب ارتفاع درجات الحرارة وتزايد وتيرة الحرائق.

واعتبر بنرامل أن دعم الزراعة الذكية مناخيا أصبح ضرورة، عبر اعتماد أنواع مقاومة للجفاف، إلى جانب ترشيد استخدام المياه واعتماد الري بالتنقيط.

وأكد ضرورة حماية الغابات من خلال تكثيف عمليات التشجير.

وأشار إلى ضرورة تسريع الانتقال الطاقي عبر توسيع استخدام مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، وتشجيع النقل الكهربائي، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما يساهم في خفض الانبعاثات.

ولفت كذلك إلى أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والدولي للحد من تداعيات التقلبات المناخية، معتبرا أن تبادل التجارب ونقل التكنولوجيا سينعكسان إيجابا على الدول.

وشدد على أن التغلب على تداعيات التقلبات المناخية يمر عبر الوقاية والتخطيط طويل المدى والعمل الجماعي.

** الجزائر

وفي 22 يوليو الجاري، أعلنت السلطات الجزائرية إجلاء سكان مناطق مهددة بحرائق الغابات في بلدة سرايدي بولاية عنابة شرقي البلاد، وأخلت مستشفى المنطقة.

وقالت المديرية العامة للحماية المدنية، في بيان، إن حرائق الغابات في البلدة انتشرت بسرعة بسبب الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة وهبوب رياح قوية.

وأوضحت المديرية أن فرق الإطفاء البرية، مدعومة بالوسائل الجوية، تواصل عمليات مكافحة الحرائق دون انقطاع، بالتنسيق مع الجيش الوطني الشعبي ومختلف الأجهزة الأمنية.

وحتى 21 يوليو الجاري، سجلت الجزائر 170 حريقا، أُخمد منها 104، فيما تتواصل عمليات إخماد 66 حريقا في 19 ولاية.

وتتزامن الحرائق مع درجات حرارة قياسية تشهدها الجزائر منذ أكثر من أسبوعين، إذ وصلت إلى 49 درجة مئوية في مدن ساحلية مطلة على البحر المتوسط، ورافقتها رياح جنوبية حارة وقوية تُعرف محليا باسم "الشهيلي".

ووفق معطيات الدفاع المدني، بلغ إجمالي الحرائق المسجلة منذ 1 مايو/ أيار الماضي وحتى 20 يوليو الجاري 3719 حريقا، مقابل 1501 خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 150 بالمئة.

وأتت الحرائق على أكثر من 1666 هكتارا من الغطاء النباتي في الفترة المذكورة، مقارنة بـ467 هكتارا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات المديرية العامة للغابات.

** تونس

والأربعاء، أعلنت السلطات التونسية السيطرة على حريق اندلع في غابات واستمرت عمليات إخماده أكثر من 16 ساعة.

وقالت ولاية بنزرت، في بيان، إن فرق الإنقاذ أخمدت حرائق اندلعت في الغابات الساحلية بين مدينتي رفراف وغار الملح بولاية بنزرت شمالي البلاد.

وأضافت أن جهود الإطفاء استمرت أكثر من 16 ساعة، وأن أعمال المراقبة الميدانية ستتواصل في موقع الحريق لمنع تجدده، لا سيما مع استمرار موجة الحر وهبوب الرياح.

وأوضحت الولاية أن الحريق لم يسفر عن خسائر بشرية، إذ تم نشر سيارات إطفاء في محيط المساكن المجاورة للغابة، ودعوة سكانها إلى المغادرة، فيما جرى إجلاء 8 نساء و6 رضع من المنطقة.

وتشهد تونس موجة حر تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في معظم المناطق.

وبحسب المرصد التونسي للطقس والمناخ (غير حكومي)، كانت مدينة القيروان، الثلاثاء، ثاني أكثر مدن العالم حرارة، بعدما سجلت 49.6 درجة مئوية، وذلك بعد مدينة ينبع السعودية التي بلغت درجة الحرارة فيها 50 درجة مئوية.

وفي 15 يوليو الجاري، سيطرت فرق الإطفاء التونسية على حريق اندلع في مناطق بولاية جندوبة (شمال غرب)، بعد أن دمر أكثر من 30 هكتارا من الغابات.

كما تسبب الحريق في أضرار بمنازل ونفوق حيوانات.

وفي اليوم السابق، أعلن رئيس مصلحة الاستمرار بإدارة العمليات بالديوان الوطني للحماية المدنية العقيد محسن بوغزالة أن وحدات الحماية المدنية سيطرت بالكامل على حرائق غابات اندلعت في 4 ولايات.

وأوضح بوغزالة، في تصريح إذاعي، أن السيطرة جاءت بفضل تدخلات ميدانية متواصلة، تزامنت مع موجة الحر التي تشهدها البلاد.

وأضاف أن الحرائق اندلعت في 11 يوليو الجاري في جبل الشحمة بولاية زغوان (وسط)، إلى جانب حرائق في ولايات سليانة وباجة والكاف (شمال غرب).

وأفاد بأن التقديرات الأولية تشير إلى تضرر أكثر من 400 هكتار جراء حريق جبل الشحمة.

** المغرب

في 21 يوليو/ تموز الجاري، أعلنت السلطات المغربية أن عدد حرائق الغابات التي شهدتها المملكة منذ مطلع العام وحتى 20 يوليو بلغ 310 حرائق.

وقالت الوكالة الوطنية للمياه والغابات (حكومية)، في بيان، إن حرائق الغابات منذ مطلع العام الجاري أتت على 1850 هكتارا.

وأضافت: "في حين ارتفع عدد الحرائق بنسبة نحو 32 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، تراجعت المساحات المحروقة بحوالي 30 بالمئة، لتنخفض من 2660 هكتارا إلى 1850 هكتارا".

ووفق الوكالة، فإن الانخفاض الملحوظ في المساحات التي أتت عليها النيران يعكس "فعالية منظومة الوقاية والتدخل التي تنفذها مختلف الجهات المعنية".

وأوضحت أن "سرعة الرصد والتبليغ والتدخل الميداني المنسق مكنت من احتواء الغالبية العظمى من الحرائق في مراحلها الأولى، قبل أن تتسع رقعتها".

وبين 13 و19 يوليو الجاري، تم تسجيل 20 حريقا في غابات، أتت على 670 هكتارا، بحسب الوكالة.

تأتي هذه الأحداث لتسلط الضوء على هشاشة النظم البيئية في شمال إفريقيا أمام التغيرات المناخية المتسارعة. وتتطلب مواجهة هذه الأزمات المتكررة استثمارات ضخمة في البنية التحتية للوقاية وتطوير قدرات الاستجابة السريعة. كما تبرز الحاجة الملحة لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتبادل الخبرات وتقليل الخسائر البشرية والمادية. ويبقى رصد التغيرات الجوية واعتماد خطط التنمية المستدامة خط الدفاع الأساسي لحماية الثروات الطبيعية في المنطقة.